في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الوقت الذي يؤثر فيه التوتر المستمر بمنطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من شهر على إمدادات الطاقة المصرية، حملت دراسة مصرية أنباء سارة عن اكتشاف نفطي جديد في تكوين "أبو رواش" في حوض "أبو الغراديق" بقلب الصحراء الغربية المصرية.
وينقسم تكوين "أبو رواش"، إلى وحدات صخرية تبدأ من (إيه) وتصل إلى (إتش)، ولطالما عرفت الوحدة (إف)، ضمن هذا التكوين، بأنها من صخور المصدر، أي الصخر المنتج للزيت، وليس خازنا له مثل "صخر الخزان"، لكن الدراسة المنشورة بدورية " جورنال أوف أفريكان إيرث ساينسز" (Journal of African Earth Sciences)، والتي أعدها فريق بحثي من شركة البترول العامة بمصر، بالتعاون مع باحثين من شركة تقنيات وخدمات الطاقة الأمريكية (إس إل بي)، أثبتت وجود نطاقات داخل هذه الوحدة تمتلك خصائص تخزينية للهيدروكربونات، ما يفتح الباب أمام استغلال الخزانات غير التقليدية لزيادة الإنتاج الوطني من الزيت والغاز.
وتشكل تكوين أبو رواش "إف" خلال الفترة الجيولوجية التورونية، وهي جزء من العصر الطباشيري المتأخر (من حوالي 93.9 إلى 89.8 مليون سنة مضت)، وهي فترة جيولوجية عالمية حرجة تميزت بانخفاض حاد في الأكسجين بالمحيطات، ما أدى إلى ترسيب صخور كربوناتية غنية بالمواد العضوية، حيث يتراوح محتوى الكربون العضوي الكلي في هذا التكوين بين 1.5% و6%، وهو ما جعله يصنف تاريخيا كمصدر رئيسي لتوليد الهيدروكربونات في أحواض الصحراء الغربية.
ولعقود طويلة تجنبت الاكتشافات هذا التكوين لتصنيفه كصخور مصدر غير خازنة للزيت والغاز، غير أن الدراسة الجديدة وظفت سبع أدوات علمية، ليتم الكشف لأول مرة عن خصائص جديدة في قطاعات منه، تجعله مصدرا واعدا لتخزين الزيت والغاز.
واستخدمت الدراسة "المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد" الذي يوفر صورا مجسمة لباطن الأرض تساعد في تحديد البنى التركيبية مثل الفوالق وتوزيع الخزانات، إلى جانب "سجلات الآبار" التي تقيس خصائص الصخور داخل البئر مثل المسامية والكثافة والمقاومة الكهربائية لتقييم قدرتها الإنتاجية.
كما استعانت الدراسة بـ"صور جدران الآبار"، التي تكشف التفاصيل الدقيقة للشقوق واتجاهات الإجهاد داخل الصخور، و"تقنية الرنين النووي المغناطيسي"، التي تميز بين أنواع السوائل داخل المسام وتحدد توزيعها وحركتها داخل الخزان.
وشملت الأدوات أيضا "تحليل اللباب الصخري"، الذي يعتمد على دراسة عينات حقيقية من باطن الأرض لتحديد أدق خصائص المسامية والنفاذية والتركيب المعدني، إضافة إلى "التحليل البتروغرافي" الذي يدرس الصخور تحت المجهر لفهم بنيتها وتاريخ تكوينها.
واختتمت المنظومة العلمية باستخدام "النمذجة الحوضية أحادية البعد"، التي تحاكي تطور الحوض الرسوبي عبر الزمن من حيث الدفن والحرارة وتوليد الهيدروكربونات، بما يتيح تحديد توقيت تكوّن النفط ومسارات هجرته داخل الطبقات الجيولوجية.
وخلص الباحثون باستخدام هذه الأدوات إلى أن تكوين أبو رواش "إف" يتشكل من طبقة واسعة ومتصلة تحت الأرض بسمك يتراوح بين 20 و50 مترا، وله سلوك تخزيني متشابه في معظم المناطق.
كما رصدت الدراسة وجود شبكة واسعة من الشقوق والمسام الدقيقة، التي تؤدي دورا رئيسيا في تحسين النفاذية، حيث تقوم المسام الدقيقة بتخزين النفط، بينما تتولى الشقوق مسؤولية نقله.
ووفقا للتحاليل البتروفيزيائية، تتراوح المسامية بين 11% و27% (بمتوسط يقارب 21%)، بينما تصل النفاذية إلى 2.5 ملي دارسي، وهي قيم تشير إلى قدرة تخزين وتدفق قابلة للتطوير عند توفر التحفيز المناسب.
وعلى مستوى الأدلة الحقلية، أكدت الدراسة وجود نظام بترولي نشط من خلال ظهور مؤشرات هيدروكربونية مباشرة داخل الآبار، وتم تدعيم ذلك باسترجاع عينات نفطية وغازية، وتحقق إنتاج فعلي في الحقل.
وسجل أحد الآبار، بعد معالجته بعملية التحفيز الحمضي، إنتاجا يقارب 150 ألف برميل مكافئ نفط، ما يدعم الجدوى الاقتصادية للتكوين كخزان منتج.
ورغم الإعلان عن وصول الإنتاج إلى نحو 150 ألف برميل، فقد تبنى أستاذ هندسة الاستكشاف وتقييم الطبقات بقسم هندسة البترول بكلية الهندسة جامعة القاهرة الدكتور عبد العزيز محمد عبد العزيز (لم يشارك بالدراسة) نبرة "تفاؤل حذر" تجاه هذا الاكتشاف، موضحا في تصريحات لـ "الجزيرة نت" أن خصائص صخور التخزين في هذه الوحدة من "الدرجة المنخفضة"، وليست من الفئات عالية الجودة، كما أن النفاذية في هذا الموقع (والتي تقدر بـ 3-5 ملي دارسي) تعتمد بشكل كبير على وجود الشقوق الدقيقة والفوالق الصغيرة، وهذه الخواص تجعله قادرا على الإنتاج جيدا في البداية، لكنه قد يعاني من انخفاض أو تذبذب في الإنتاج على المدى الطويل بسبب اعتماد النفاذية على شبكة شقوق غير مستقرة ومتغيرة.
وأخيرا، فإن هذه الطبقة تقع على عمق 2000 متر، وهذا ليس عمقا مثاليا، فنفس هذه الصخور لو وجدت على أعماق أكبر (مثل 4000 متر)، لكانت معدلات الإنتاج المتوقعة أعلى، لأن العمق يؤثر على الضغط وقوة دفع السوائل داخل الصخور، وبالتالي يؤثر بشكل مباشر على معدل الإنتاج وكفاءة تدفق النفط.
وتوقع عبد العزيز تراجع معدلات الإنتاج بشكل حاد بعد الأشهر الأولى، نظرا لصغر حجم الفجوات الصخرية (المسام الأولية)، لتنخفض من 150 ألف برميل إلى مستويات أقل بكثير (قد تصل إلى 100 برميل يوميا) بعد مرور عام أو أكثر.
ولتعظيم الاستفادة، أشار إلى أهمية استخدام الحفر المائل والأفقي بدلا من الحفر الرأسي التقليدي، مما يزيد من مساحة التماس مع الطبقة المنتجة (التي يتراوح سمكها بين 20-50 مترا)، بالإضافة إلى عمليات "تنشيط البئر" باستخدام الأحماض لإذابة الصخور الجيرية وتوسيع قنوات التدفق.
واختتم عبد العزيز حديثه بالتأكيد على أن أي اكتشاف حتى لو كان إنتاجه 100 برميل في اليوم، هو في حد ذاته إنجاز يستحق الثناء، مشيرا إلى أن الدراسة قدمت أساسا علميا يمكن البناء عليه لاكتشاف العديد من الخزانات "غير التقليدية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة