في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شهدت الأسواق المصرية زيادة قدرت بـ10% في أسعار سمك الرنجة، قبل أيام من احتفال المصريين بمناسبة شم النسيم، حيث تتصدر هذه السمكة المستوردة المائدة المصرية خلال هذه المناسبة.
وبينما حرص قطاع عريض من المصريين على الالتزام بتلك العادة رغم ارتفاع السعر، إلا أن دراسة لباحثين من جامعة كيل الألمانية صدرت هذا الشهر، حملت أخبارا غير سارة للمصريين حول مستقبل تلك العادة الغذائية خلال السنوات المقبلة، إذ أكدت أن تغير المناخ يهدد المخزون العالمي منها.
ووفق تلك الدراسة المنشورة بدورية "آي سي إي إس جورنال أوف مارين ساينس" (ICES Journal of Marine Science)، والتي أجريت في منطقة بحر البلطيق الغربي، فإن ارتفاع درجة الحرارة يؤدي إلى تدهور واضح في قدرة أسماك الرنجة على التكاثر، ما ينعكس سلبا على حجم المخزون السمكي.
وبحر البلطيق، هو بحر شبه مغلق يقع في شمال أوروبا، ويشير الجزء الغربي منه إلى المنطقة القريبة من سواحل ألمانيا، الدنمارك، السويد، حيث يتميز هذا الجزء بمياه أقل ملوحة نسبيا، ونظام بيئي حساس للتغيرات المناخية.
وتركت تلك التغيرات آثارها على سمكة الرنجة، وغيرها من الأسماك التي انخفض مخزونها بشكل كبير، واشترطت الدراسة لاستعادة هذا المخزون لعافيته والعودة إلى مستويات تسمح بالاستغلال التجاري، أن يتم فرض حظر كامل على صيدها لمدة أربع سنوات، لإعادة بناء المخزون، خاصة في ظل تراجع أعدادها خلال السنوات الماضية.
وتتوقع الدراسة أن يؤدي فرض حظر الصيد إلى خسائر اقتصادية في مصائد الرنجة، قد تصل إلى نحو 13.8 مليون يورو (نحو 14.9 مليون دولار) من أرباح الصيادين، لكن في المقابل، تشدد على أهمية هذا الحل لاستعادة هذا القطاع عافيته والحد من الخسائر على المدى الطويل.
ومع أن الدراسة أجريت على بحر البلطيق، إلا أن الأستاذ بجامعة كيل، والمركز الألماني لأبحاث التنوع البيولوجي المتكامل، والباحث الرئيسي بالدراسة الدكتور رودي فوس يقول للجزيرة نت إنه "بشكل عام، فإن مخزون الرنجة حساس لتغير المناخ، وخاصة ارتفاع درجات الحرارة"
ويضيف: "وهو ما سيؤثر مستقبلا على المخزونات في العالم بشكل سلبي، مما يؤدي إلى تغير في التوزيع وانخفاض الإنتاجية، لذلك، أتوقع أن الرنجة ستصبح أكثر ندرة وأغلى ثمنا في المستقبل".
ولا يتوقع رودي حدوث هذا التأثير بشكل سريع، مضيفا "مخزون الرنجة يبدو مستقرا في الوقت الراهن في بعض المناطق، بينما يعاني في مناطق أخرى مثل بحر البلطيق، ولن تؤثر كميات صيد الرنجة في بحر البلطيق على السوق العالمية، نظرا لانخفاض كميات الصيد، ومع ذلك، سيؤثر تغير المناخ على وفرة أسماك الرنجة عالميا على المدى البعيد، وسينعكس ذلك على وفرتها في الأسواق المصرية، لذلك أتوقع أن تبرز آثار تغير المناخ بشكل جلي بدءا من منتصف القرن (2050)".
وحول العواقب الاجتماعية والاقتصادية لتأثير توصيتهم بحظر الصيد أربعة أعوام لاستعادة المخزون، قال: "ستكون العواقب وخيمة حال تم تطبيقها، فإذا كان الصيادون يعتمدون على الرنجة كأحد أهم أنواع الأسماك المستهدفة، فسوف يواجهون صعوبات اقتصادية، وقد تنهار الشبكات الاجتماعية والبيئية التقليدية (مجتمعات الصيد)"
ويضيف: "لذلك، بدأت ألمانيا بتطبيق تدابير تكيف سياسية لمساعدة الصيادين، ويشمل ذلك، على سبيل المثال، مشاركة أكبر (مدفوعة الأجر) للصيادين في البحث العلمي، من خلال جمع البيانات، وهذا يعزز الثقة بين الصيادين والحكومة والجهات العلمية".
ومع هذه التأثيرات، لا يتوقع رودي أن تتغير العادات الغذائية للمصريين في شم النسيم بسهولة، مضيفا بابتسامة ساخرة: "من الصعب تغيير العادات الغذائية، وأنا خير مثال على ذلك، فأنا علي أن أنقص وزني، لكن الأمر صعب للغاية".
واستطرد: "ومع ذلك، ستؤثر التغيرات في الإمدادات على الأسعار، وهذا بدوره سيغير السلوك في نهاية المطاف، ربما، في مرحلة ما، سيصبح تناول الرنجة خلال شم النسيم حكرا على الأثرياء".
ولم يشر رودي في دراسته إلى الأسباب الفسيولوجية والبيولوجية التي تجعل التغير المناخي مؤثرا على تكاثر سمكة الرنجة، وهو ما توضحه أستاذة تقدير المخزون السمكي وإدارة المصايد، ورئيسة شعبة المصايد السابقة بالمعهد القومي لعلوم البحار بمصر الدكتورة سحر مهنا.
وتقول سحر للجزيرة نت إنه "إذا كانت بعض الأسماك لديها قدرة على التكيف مع ارتفاع درجة الحرارة، فإنه بالنسبة لأسماك حساسة لتغيرات المناخ مثل الرنجة، يصبح الأمر صعبا ومعقدا".
وتوضح أن هذه الأسماك تعتمد على ظروف بيئية دقيقة لضمان بقائها واستمرارها، لذلك فإن أي ارتفاع حاد في درجة الحرارة يضعها تحت ضغط فسيولوجي متزايد.
ويؤدي ارتفاع الحرارة إلى انخفاض مستويات الأكسجين الذائب في المياه، ما يجبر السمكة على استهلاك طاقة أكبر للبقاء، على حساب النمو والتكاثر.
وأظهرت دراسة نشرتها دورية "فرونتيرز إن مارين ساينس" (Frontiers in Marine Science) قبل خمسة أعوام، أن تكاثر الرنجة في المناطق الساحلية يعتمد على نطاق حراري دقيق يتراوح بين 3.5 و4.5 درجات مئوية، وهو ما يعمل كـ"إشارة بيئية" لبدء عملية وضع البيض في بحر البلطيق الغربي، وهذا التحديد الدقيق يجعل دورة حياة الرنجة شديدة الحساسية لأي تغير في توقيت أو شدة المواسم الباردة.
أما أخطر التأثيرات فتظهر خلال موسم التكاثر، حيث تتسبب الحرارة المرتفعة في تغيير توقيت هجرة الرنجة وتكاثرها، وهذا التغير من شأنه أن يؤدي إلى ما يعرف بـ"عدم التزامن الغذائي".
وتشرح سحر هذا التأثير قائلة إنه "يحدث بسبب أن اليرقات تفقس في وقت لا يتوافر فيه غذاؤها الأساسي من العوالق البحرية، ما يقلل بشكل حاد من فرص بقائها على قيد الحياة".
واليرقات، هي الحلقة الأضعف في دورة الحياة، وتتأثر بشدة بأي تغير في درجات الحرارة، ما يؤدي إلى معدلات نفوق مرتفعة وانخفاض أعداد الأجيال الجديدة، وهو ما ينعكس لاحقا على حجم المخزون السمكي.
وتشير دراسة نشرتها دورية "مارين إنفايرونمنتال ريسيرتش" (Marine Environmental Research) أن انخفاض أعداد اليرقات يحدث في السنوات التي تشهد ارتفاعا مبكرا في حرارة مياه الربيع، حيث أوضحت أن انخفاض الحرارة في الربيع (أقل من 16 درجة مئوية) يوسع "النافذة الحرارية المثلى" لتغذية اليرقات، وهذا يعني أن نجاح التكاثر لا يعتمد فقط على درجة الحرارة، بل على توقيت حدوثها أيضا.
وإلى جانب هذه التأثيرات، توجد تأثيرات غير مباشرة تشير إليها سحر، ومنها زيادة انتشار الطحالب الضارة، وتغير سلوك وتوزيع المفترسات مثل سمك القد، وهو ما يضيف ضغوطا إضافية على الرنجة في بيئتها الطبيعية.
ووثقت دراسة نشرتها دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس" (PNAS) هذا التأثير، إذ كشفت تلك الدراسة التي تعتمد على بيانات ميدانية امتدت لأكثر من 30 عاما، أن انهيار المفترس الأعلى في السلسلة الغذائية، وهو سمك القد في بحر البلطيق، بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه، أدى إلى تغير جذري في بنية ووظائف النظام البيئي البحري، عبر ما يُعرف بظاهرة "التسلسل الغذائي".
وأوضحت النتائج أن إزالة المفترسات العليا لا تؤثر فقط على نوع واحد، بل تمتد آثارها إلى مستويات أدنى في السلسلة الغذائية، بما يؤدي إلى اختلال في توازن العلاقات البيئية، وإعادة تشكيل طريقة عمل النظام البيئي بالكامل.
ويشير أستاذ الفيزياء البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار الدكتور أحمد رضوان إلى جانب آخر من القصة، وهو العوامل الفيزيائية البحرية التي تتأثر بتغير المناخ، وتترك بالتالي أثرها على سمكة الرنجة.
وأول هذه العوامل هي "الديناميكا الحرارية وتفكك الطبقات المائية"، حيث تشير الدراسات إلى أن ارتفاع درجات حرارة الطبقات السطحية من المياه يؤدي إلى زيادة "الطبقية الحرارية"، وهي حالة تتشكل فيها طبقات مائية منفصلة تحد من عملية الاختلاط الرأسي بين السطح والأعماق، وهذا التغير ينتج عنه تشكل حواجز حرارية تعيق حركة الأسماك بين مناطق التغذية والتكاثر، واضطراب في الوصول إلى البيئات المثلى لوضع البيض، وتغير في معدلات النمو نتيجة ارتباط سرعة الأيض بدرجة حرارة الوسط.
ورغم أن ارتفاع الحرارة قد يحفز النمو في المدى القصير، فإن تجاوزه للحدود الحرارية المثلى يؤدي إلى إجهاد فسيولوجي يقلل من كفاءة التغذية والتحول الحيوي.
أما ثاني العوامل التي يشير إليها أحمد في تصريحاته للجزيرة نت، فهي اضطراب التيارات البحرية وتشتت اليرقات، حيث تعتمد يرقات الرنجة في مراحلها الأولى على التيارات البحرية لنقلها من مناطق التبويض إلى مناطق الحضانة الساحلية الغنية بالغذاء، لكن التغيرات المناخية تؤدي إلى تغير كثافة المياه بفعل الاحترار وذوبان الجليد، واضطراب في أنماط التيارات البحرية الكبرى، وانحراف مسارات النقل الطبيعي لليرقات، وينتج عن ذلك في بعض الحالات دفع اليرقات إلى مناطق المحيط المفتوح الأقل إنتاجية، بدلًا من المناطق الساحلية المناسبة للنمو، ما يزيد من معدلات النفوق ويهدد نجاح الأجيال الجديدة.
وأخيرا، فإن العامل الثالث هو "الخصائص الهيدروكيميائية ونقص الأكسجين"، حيث يرتبط تركيز الأكسجين المذاب في المياه بعلاقة فيزيائية مباشرة مع درجة الحرارة والملوحة، حيث يؤدي ارتفاع الحرارة إلى انخفاض قدرة المياه على الاحتفاظ بالأكسجين، وينتج عن ذلك توسع مناطق نقص الأكسجين، وإجبار الأسماك على الهجرة من موائلها الطبيعية، وضغط إضافي على اليرقات في مراحلها الحساسة.
ويقول أحمد إن "هذه المعطيات تكشف بوضوح عن أن التغير المناخي لا يؤثر فقط على درجات الحرارة، بل يعيد تشكيل البنية الفيزيائية للبحار بشكل شامل، بما يشمل الطبقات المائية والتيارات وخصائص الذوبان الكيميائي، وهو تأثير قد تصل آثاره بعد سنوات إلى موائد المصريين في شم النسيم".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة