شهدت أروقة المحاكم في الدولة قضايا عدة خسر فيها مدعون أموالاً طائلة قاموا بتحويلها لآخرين دون توثيق الغرض الحقيقي من التحويل، حيث أكدت المحاكم أن عبء الإثبات يقع كاملاً على المدعين لكون الأصل في القانون هو براءة الذمة.

وفيما دعت الأمانة العامة للجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب إلى ضرورة الدقة واختيار غرض التحويل الذي يعكس طبيعة المعاملة الفعلية وتجنب الاكتفاء باختيار «دعم عائلي» بشكل تلقائي في جميع التحويلات، أكد المستشار القانوني حسام الموافي أن تحديد الغرض الحقيقي من التحويل البنكي لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد خانة إجرائية يتم تجاوزها باختيار الوصف الأسرع، إذ قد يتحول هذا البيان مستقبلاً إلى عنصر مهم عند بحث حقيقة المعاملة ومصدر الأموال وسبب انتقالها، سواء أمام المؤسسة المالية أو في حالة نشوء نزاع قضائي بين أطراف التحويل.

وتفصيلاً، خسر مدعون قضايا مالية عدة أقاموها ضد آخرين، نتيجة عجزهم عن إثبات الغرض الحقيقي من تحويل تلك الأموال إليهم، بحسب ما رصدته «الإمارات اليوم».

وقضت محكمة برفض دعوى شاب طالب زميلته برد أكثر من 90 ألف درهم حوّلها لحسابها على ثلاث دفعات، وألزمته بالمصروفات وأتعاب المحاماة، بعد عجزه عن تقديم أي مستند يثبت أن الغرض من هذه التحويلات كان قرضاً مالياً.

وجاء في حيثيات الحكم أن تقديم كشوف الحسابات والإيصالات يثبت فقط انتقال الأموال ولكنه لا يثبت سببها الشرعي، وبما أن المدعى عليها أنكرت القرض، فإن عبء الإثبات يقع كاملاً على المدعي لكون الأصل في القانون هو براءة الذمة، وهو ما عجز الشاب عن إثباته لتأكيد وجود مديونية ملزمة بالرد.

وفي قضية رفضت محكمة دعوى فتاة طالبت شاباً برد 169 ألف درهم وتعويض بقيمة 50 ألف درهم، بعدما اتهمته باستغلال ثقتها ووعدها بالزواج لتحميلها قروضاً والتزامات مالية لمصلحته.

وأوضحت المحكمة أن الدعوى خلت من الأدلة القاطعة وإيصالات تسليم الأموال التي تثبت انشغال ذمة المدعى عليه.

وفي قضية ثالثة رفضت محكمة دعوى امرأة طالبت زوجها برد مبلغ 335 ألف درهم (قيمة تمويل سيارة سددته نيابة عنه) وتعويض بقيمة 30 ألف درهم، وألزمتها بالمصروفات القضائية لعجزها عن إثبات وجود اتفاق مديونية بينهما.

وذكرت المحكمة في الحيثيات أن الأوراق خلت من أن التحويلات المالية الصادرة من الحساب البنكي الخاص بالمدعية قد تم استقطاعها أو تحويلها لمصلحة شركة السيارات بغرض تمويل السيارة محل الدعوى، كما لم يثبت من الأوراق وجود أي دليل آخر يمكن التعويل عليه لإثبات صحة ما تدعيه المدعية بشأن الدَّين والاتفاق المدعى به.

في السياق ذاته دعت الأمانة العامة للجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح مستخدمي التطبيقات البنكية إلى الحرص على اختيار غرض التحويل الذي يعكس طبيعة المعاملة الفعلية، وتجنب الاكتفاء باختيار «دعم عائلي» بشكل تلقائي في جميع التحويلات، حتى تلك غير الموجهة للعائلة.

جاء ذلك ضمن حلقة جديدة من برنامج «لحظة وعي»، الذي أطلقته الأمانة العامة لتناول موضوعات مجتمعية بمحتوى توعوي مبسّط وقريب من الجمهور، بهدف تعزيز الوعي وتشجيع السلوكيات الإيجابية في الحياة اليومية، وزودت «الإمارات اليوم» بنسخة من محتواها.

وأوضح المستشار القانوني الدكتور عبدالله الحربي، من الأمانة العامة للجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، أن اختيار غرض التحويل قد يبدو إجراءً بسيطاً، إلا أن دقته مهمة، قائلاً: «يختار كثيرون (دعم عائلي) لأنه الخيار الأول والأسرع، حتى لو كان التحويل لصديق أو مقابل خدمة أو عملية شراء، وهذه ممارسة ينبغي تجنبها».

وأضاف: «غرض التحويل جزء من المعلومات التي يقدمها المتعامل للبنك، وعدم دقته قد يؤدي إلى استفسارات إضافية، خاصة إذا ظهرت لاحقاً ملاحظات على الحساب المستفيد».

وبيّن الدكتور الحربي أن المؤسسات المالية تستعين بغرض التحويل ضمن إجراءاتها لفهم طبيعة المعاملات ومتابعتها، وأن اختيار غرض لا يعكس الواقع قد يجعل معاملة سليمة تبدو غير واضحة.

ودعا إلى تحري الدقة، موضحاً: «إذا كان التحويل للأهل فعلاً فاختر دعم عائلي، وفي غير ذلك اختر من الخيارات المتاحة في تطبيق البنك الغرض الأقرب لطبيعة التحويل، سواء كان إيجاراً أو خدمة أو تجارة أو غير ذلك».

من جانبه قال المستشار القانوني حسام الموافي لـ«الإمارات اليوم»، أن تحديد الغرض الحقيقي من التحويل البنكي لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد خانة إجرائية يتم تجاوزها باختيار الوصف الأسرع، إذ قد يتحول هذا البيان مستقبلاً إلى عنصر مهم عند بحث حقيقة المعاملة ومصدر الأموال وسبب انتقالها، سواء أمام المؤسسة المالية أو في حالة نشوء نزاع قضائي بين أطراف التحويل.

وأوضح أن الإطار التشريعي الإماراتي لمواجهة غسل الأموال، وفي مقدمته المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025 بشأن مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (134) لسنة 2025، يقوم على العناية الواجبة وفهم طبيعة التعاملات ومراقبتها وفقاً للمخاطر، إلى جانب المتطلبات والضوابط الرقابية الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي.

وأشار إلى أن مصرف الإمارات المركزي يميز بين مصدر الأموال (Source of Funds) والغرض من المعاملة (Purpose of Transaction)؛ فالأول يتعلق بكيفية الحصول على المال، كالراتب أو النشاط التجاري أو بيع عقار، بينما يتعلق الثاني بسبب إجراء التحويل أو استخدام الأموال، مثل إعالة الأسرة أو تسوية دين أو الاستثمار.

وأضاف أن المشكلة العملية تظهر عندما يعتاد البعض اختيار «Living Expenses – مصاريف معيشة» كخيار افتراضي لجميع التحويلات، رغم أن حقيقتها قد تكون مختلفة تماماً، كشراء شقة، أو منح قرض أو سلفة، أو رد دين، أو استثمار، أو سداد مقابل خدمة.

وأوضح الموافي أن أثر ذلك قد لا يظهر وقت التحويل، وإنما بعد سنوات عند الحاجة إلى إثبات الغرض الحقيقي منه، فإذا حوّل شخص 500 ألف درهم إلى آخر باعتبارها قرضاً، بينما أثبت بنفسه في بيانات التحويل أن الغرض «مصاريف معيشة»، ثم طالب لاحقاً باستردادها أمام القضاء باعتبارها قرضاً، فقد يصبح مطالباً بتفسير هذا التعارض وتقديم أدلة أخرى تثبت حقيقة العلاقة، كاتفاق القرض أو الإقرار بالدين أو المراسلات المتبادلة.

وأضاف أن الأمر ذاته في شراء العقارات، فإذا كان التحويل جزءاً من ثمن شقة، فمن الأفضل أن يعكس وصفه ذلك، مع الاحتفاظ بعقد البيع وإيصالات السداد والمراسلات المرتبطة بالصفقة، بدلاً من وصفه بمصاريف معيشة، ثم محاولة إثبات الغرض العقاري بعد سنوات.

وشدد الموافي على أن اختيار وصف غير دقيق لا يعني بذاته ارتكاب جريمة غسل أموال، إلا أن التناقض بين الوصف المسجل وحقيقة المعاملة قد يؤدي إلى استفسارات أو طلب مستندات إضافية، كما قد يجعل إثبات الغرض الحقيقي أكثر تعقيداً عند نشوء نزاع لاحق.

وأكد أن القاعدة العملية البسيطة عند تحويل الأموال هي، لا تختَر الغرض الأسهل أو الافتراضي للتحويل، وإنما اذكر الغرض الحقيقي، واحتفظ بالمستند الذي يستطيع إثباته، لأن وضوح مصدر المال وسبب انتقاله يمثل أفضل حماية عند الحاجة إلى تفسير المعاملة مستقبلاً.

وأضاف أن المشرّع الإماراتي قرر عقوبات مشددة عند ثبوت ارتكاب جريمة غسل الأموال؛ إذ تنص المادة (26) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025 على معاقبة مرتكب الجريمة بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز عشر سنوات، وبغرامة لا تقل عن 100 ألف درهم ولا تجاوز خمسة ملايين درهم، أو ما يعادل قيمة الأموال محل الجريمة أيهما أكبر، وترتفع العقوبة في الحالات المشددة إلى السجن المؤقت وغرامة لا تقل عن مليون درهم ولا تجاوز عشرة ملايين درهم، أو ما يعادل ضعف قيمة الأموال محل الجريمة أيهما أكبر.