كان الألماني دينيس أويتز في الـ14 من عمره حين سمع عن «جزيرة في البحر» بدبي سيُقام عليها برج العرب، وهي الحكاية التي بقيت عالقة في ذاكرته لسنوات، ودفعته بعد إنهاء دراسته إلى أن يجعل دبي إحدى أولى وجهاته، ليرى بنفسه المكان الذي سمع عنه وهو طفل، قبل أن تتحول زيارته الأولى إلى علاقة امتدت لسنوات، وانتهت باختياره الإمارات مكاناً للعيش والعمل.
واليوم، وبعد نحو ثماني سنوات من إقامته في دبي، تجاوزت علاقة أويتز بالإمارات حدود البلد الذي أثار فضوله في طفولته، إذ أصبح من المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويحرص على مشاركة متابعيه، بلغته الألمانية، المناسبات الوطنية الإماراتية، والتعريف بها، فيما يستعد لتعلم اللغة العربية، مؤكداً أن الاندماج في المجتمع الذي اختار العيش فيه يُمثّل بالنسبة إليه مسؤولية، وليس مجرد خيار.
وقال أويتز لـ«الإمارات اليوم»، إن معرفته الأولى بالإمارات تعود إلى سنوات المدرسة، عندما سمع حكاية جزيرة بنيت في البحر بدبي، وأضاف أن تلك الصورة ظلت حاضرة في ذهنه لسنوات، إذ بقي في مكان ما في ذهنه أن هناك هذا البلد في الشرق، حيث استطاعوا بناء جزيرة في البحر، وتُسمى دبي.
وبعد إنهاء دراسته، قرّر أن يرى بنفسه ما ظل يسمعه في ذاكرته منذ الطفولة، فكان التوجه إلى دبي أولى الرحلات التي قام بها، ووصل إليها للمرة الأولى عام 2001، وقال «جئت لأرى الجزيرة في البحر، وعندما رأيت الجزيرة التي بُني عليها برج العرب، تأكدت أن الأمر لم يكن حلماً، وأن القصة التي سمعتها وأنا طفل كانت حقيقية».
وبقيت دبي حاضرة في حياة أويتز بعد زيارته الأولى، إلى أن قرر قبل نحو ثماني سنوات الانتقال للإقامة فيها، مدفوعاً بما وجده من فرص، وبما يصفه بالقدرة على تحويل الرؤية والطموح إلى واقع، مشيراً إلى أنه كان دائماً معجباً بما تم إنشاؤه في الإمارات، ويرى أن دبي تُمكّن الشخص من تحقيق ما يتمنى إذا كان يمتلك الرؤية والحلم الصحيحين.
وأضاف أن دبي تحولت إلى وجهة تجمع أشخاصاً من مختلف أنحاء العالم، بما توفره من فرص وبيئة جاذبة للأعمال، وقال: «أرى في دبي الكثير من الفرص، وأعتبرها أفضل منصة للأعمال في العالم، إذ يقصدها أشخاص من مختلف الدول للعمل والاستثمار، ما يخلق فيها حراكاً تجارياً مستمراً»، وتابع: «انتقلت إلى الدولة ليس بهدف العمل فقط، وإنما للمشاركة في خلق مزيد من الأعمال، وتوسيع رؤيتي، وأن أكون جزءاً من الطاقة الموجودة في الإمارات».
ومع امتداد إقامته في الدولة، اتسعت تجربة أويتز لتتجاوز فرص العمل وما تعكسه دبي من نهضة عمرانية، إلى تفاصيل المجتمع والثقافة المحلية، إذ وجد في تعامله اليومي مع الإماراتيين جانباً آخر من الحياة في الدولة، لا يراه الزائر في المشهد الحديث للمدينة وحده، ذاكراً أن الإمارات لديها جوانب كثيرة، ولا تقتصر على الصورة البراقة لدبي ووسط المدينة، فهناك ثقافة ومجتمع كانا جزءاً مهماً من تجربته في العيش بدبي.
ويرى أن استعداد الإماراتيين لمساعدة الآخرين من أكثر الاختلافات التي لمسها مقارنة بتجربته في ألمانيا وأوروبا، مضيفاً «إذا طلبت المساعدة من إماراتي، فأنا على يقين بأنه سيساعدك، النهج هنا مختلف، وقد شعرت دائماً، وماأزال أشعر، بأن الإماراتيين يرحبون بي كثيراً».
وينعكس ارتباط أويتز بالمجتمع الإماراتي في حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يحرص على الحديث بلغته الأم عن المناسبات الوطنية الإماراتية، ويشارك متابعيه يوم العلم، وعيد الاتحاد، ومناسبات الدولة.
ويرى أن إقامته في بلد يضم جنسيات متعددة جعلته حريصاً على ألّا يعيش بمعزل عن المجتمع الذي استقبله، معتبراً أن المقيم عليه أن يكون مستعداً للاندماج والمشاركة بصورة إيجابية، منوهاً أن الإمارات تضم أكثر من 200 جنسية، وهم مندمجون مع بعضهم بعضاً رغم اختلاف أديانهم وجنسياتهم ومعتقداتهم، والسؤال ليس إذا ما كنت سأندمج أم لا؟ بل إلى أي مدى يمكنني أن أفعل ذلك ليكون لي تأثير إيجابي في المجتمع؟ويعتزم أويتز الاقتراب أكثر من المجتمع من خلال اللغة، إذ يستعد في أكتوبر المقبل لبدء تعلم العربية مع مدرس خاص، بعدما اقتصرت معرفته حتى الآن على كلمات التقطها من محيطه وحياته اليومية، لافتاً إلى أن اللغة العربية صعبه جداً، إلا أنه ألتقط بعض الكلمات التي أصبحت مألوفة لديه، مثل: «شكراً» و«يلا»، مشيراً إلى أنه عندما يستمع إلى بعض المحادثات يستطيع أحياناً التقاط كلمات تُمكّنه من فهم الموضوع العام، إلا أنه لايزال بعيداً عن التحدث بطلاقة.
ولا يتحدث أويتز عن علاقته بالإماراتيين من خلال انطباعات عامة فقط، إذ يستعيد موقفاً حدث معه في مدينة كلباء مطلع العام الجاري، خلال جولة بالدرّاجة الهوائية، ويقول إنه بقي في ذاكرته رغم بساطته.
واستعاد أويتز موقفاً خلال جولة بالدرّاجة الهوائية، اختصر بالنسبة له جانباً من طبيعة المجتمع الإماراتي، موضحاً أنه كان برفقة مجموعة من راكبي الدرّاجات عندما توقفوا عند أحد المقاهي، والتقوا رجلاً إماراتياً دعاهم إلى الجلوس معه، قبل أن يودعوه ويواصلوا طريقهم نحو الجبل.
وبعد نحو نصف ساعة من مغادرتهم، وبينما كانت المجموعة تواصل صعودها بالدرّاجات، فوجئوا بسيارة تلحق بهم محملة بأكياس أُعدت خصيصاً لهم، ليتبيّن أن الرجل الإماراتي توجه، بعد مغادرتهم المقهى، إلى محطة وقود واشترى لكل واحد منهم حقيبة تضم آيس كريم ومشروبات ووجبات خفيفة، ثم أرسلها إليهم في الطريق.
وقال أويتز إن بساطة الموقف لم تقلل من أثره بالنسبة إليه، مضيفاً: «قد تكون لفتة صغيرة، لكنها تظهر مقدار التقدير والاحترام الذي يكنه الإماراتيون للمقيمين، والعكس صحيح»، مؤكداً أن مثل هذه المواقف التي عاشها خلال سنوات إقامته، أسهمت في تشكيل علاقته بالمجتمع الذي اختار أن يكون جزءاً منه.
المصدر:
الإمارات اليوم