آخر الأخبار

بـ 88% نسبة نجاح.. «نسيج» يصحح مسار 135 طالباً ويبعدهم عن طريق الجريمة

شارك

كان مراهق، قبل سنوات، يقف على أعتاب طريق قد ينتهي بمحضر جنائي وسابقة تلاحقه بقية حياته، لكنه اليوم يرتدي الزي العسكري بفخر، بعد أن أصبح «صف ضابط»، في واحدة من أكثر قصص التحول التي تجسد فلسفة برنامج «نسيج»، المبادرة المجتمعية التي أطلقتها شرطة دبي، لتمنح الأحداث فرصة ثانية قبل أن يبتلعهم طريق الجريمة.

هذه القصة ليست استثناءً، بحسب مدير أكاديمية شرطة دبي، العميد الدكتور سلطان عبدالحميد الجمال، الذي أفاد بأن «نسيج» منح، حتى الآن، 135 طالباً فرصة ثانية للعودة إلى الطريق الصحيح، عبر 10 دورات تدريبية امتدت إلى 14 ألفاً و616 ساعة تدريب على مدى 220 يوماً.

فيما أظهرت النتائج التزام 98.5% من المشاركين بالسلوك الإيجابي، وانخفاض العودة إلى السلوكيات الإجرامية بنسبة 88%، مؤكداً أن الهدف من البرنامج لم يكن يوماً معاقبة الشباب أو التعامل معهم باعتبارهم جانحين، وإنما التدخل مبكراً لإعادة توجيههم وإصلاح سلوكهم وإعادتهم إلى أسرهم ومدارسهم ومجتمعهم أفراداً أكثر انضباطاً وثقة بأنفسهم.

وقال الجمال لـ«الإمارات اليوم» إن برنامج «نسيج» يعد الأول من نوعه على مستوى الدولة، وهو مبادرة ابتكرتها شرطة دبي بميزانية مخصصة، انطلاقاً من قناعة بأن الوقاية تبدأ قبل وقوع الجريمة، وأن كثيراً من السلوكيات السلبية التي تظهر في المدرسة أو المنزل أو البيئة المحيطة يمكن احتواؤه إذا تم التدخل في الوقت المناسب.

وأضاف أن البرنامج جاء استجابة لحادثة واقعية شهدت قيام مجموعة من الطلبة بإثارة الفوضى وارتكاب ممارسات تستوجب تحرير بلاغات ضدهم، لكنها لم ترتقِ إلى الجرائم الجسيمة، فكان القرار أن يتم منح هؤلاء الشباب فرصة لتصحيح مسارهم، بدلاً من أن يكون الطريق الوحيد هو الشرطة والنيابة والمحاكم.

وتابع «من هنا ولدت فكرة (نسيج)، ليس باعتباره برنامجاً عقابياً، وإنما برنامج تقويمي يهدف إلى علاج السلوكيات السلبية لدى الأحداث داخل المدارس وخارجها، ومنع تحول الأخطاء العابرة إلى مسار إجرامي دائم.

وأشار إلى أن المبادرة تمثل تحولاً في فلسفة العمل الشرطي، إذ تقوم على الانتقال من رد الفعل إلى التدخل الاستباقي، عبر التعاون مع المدارس، وأولياء الأمور، والشرطة المجتمعية، لرصد السلوكيات مبكراً، ثم تصميم برامج علاجية تناسب كل حالة، قبل أن تتفاقم المشكلة.

وأوضح أن المبادرة تستند إلى ثلاث ركائز رئيسة هي الاستباقية، والتقويم، وتعزيز السلوك الإيجابي، وتهدف إلى الوقاية من الظواهر السلبية، وإعادة دمج الطلبة في المجتمع، وتوفير بيئة تعليمية آمنة، وترسيخ السلوك الإيجابي.

وأكد الجمال أن البرنامج لا يقتصر على التعامل مع الطالب وحده، بل يبدأ من الأسرة والمدرسة معاً، موضحاً أن حالات عدة تَرِد من إدارات المدارس التي تكون على وشك فصل الطالب بسبب تكرار السلوكيات السلبية.

وقال: «في حالات كثيرة طلبنا من المدارس ألا تتسرع في فصل الطالب، وأن تمنحنا فرصة للعمل معه، وبعد انتهاء البرنامج لمس الجميع الفرق في السلوك والانضباط».

وأضاف أن التنسيق يتم مع وزارة التربية والتعليم وهيئة المعرفة والتنمية البشرية والمدارس وأولياء الأمور، بحيث يبقى الطالب مرتبطاً بدراسته طوال فترة البرنامج، بل يتم نقله يومياً إلى لجان الامتحانات، مع توفير دروس تقوية ومدرسين متخصصين إذا احتاج الأمر، حتى لا يتحول التقويم السلوكي إلى سبب في تعثره الدراسي.

وأوضح أن عدداً من أولياء الأمور أصبحوا يتقدمون بطلبات لإلحاق أبنائهم بالمبادرة قبل تفاقم المشكلات، بعد أن لمسوا نتائجها على حالات سابقة.

وقال الجمال: «وصل الأمر إلى أن أحد أولياء الأمور طلب مساعدتنا في تقويم ابنه، وبعد أن شاهد التغيير الذي طرأ عليه، عاد لاحقاً وطلب إلحاق شقيقه بالبرنامج أيضاً».

وأضاف أن البرنامج يتعامل مع طيف واسع من السلوكيات، مثل الشغب، والفوضى، والاعتداء الجسدي، والتسرب الدراسي، وتخريب الممتلكات، والتدخين، والسهر مع رفقاء السوء، مؤكداً أن الغاية ليست العقاب، بل معالجة الأسباب التي تقف خلف هذه التصرفات.

إعادة بناء الشخصية

وشدد الجمال على أن «نسيج» ليس معسكراً تدريبياً بالمعنى التقليدي، وإنما برنامج متكامل لإعادة بناء الشخصية، يجمع بين الانضباط العسكري والأنشطة الرياضية والتوعية والدعم النفسي، بما يتيح للمشارك اكتساب مهارات حياتية وسلوكية تساعده على بدء مرحلة جديدة.

وأوضح أن المبادرة نفذت حتى الآن 10 دورات تدريبية، شارك فيها 135 طالباً، بينهم 132 ذكراً وثلاث إناث، بإجمالي 14 ألفاً و616 ساعة تدريبية امتدت على 220 يوماً، وتوزعت بين تدريبات عسكرية بنسبة 30%، ورياضية بنسبة 25%، ومحاضرات توعوية بنسبة 21%، وتدريبات لامنهجية بنسبة 16%، إضافة إلى الزيارات الميدانية والدعم النفسي.

وأشار إلى أن هذه الأرقام تعكس حجم الاستثمار الحقيقي في الإنسان، قائلاً: «نحن لا نستثمر في ساعات تدريب، بل في مستقبل شباب قد يكونون قادة ومنتجين في المجتمع إذا وجدوا من يمنحهم الفرصة في الوقت المناسب».

من جانح إلى صف ضابط

واستشهد الجمال بقصة أحد خريجي البرنامج، الذي دخل «نسيج» وهو يعاني سلوكيات سلبية كادت تدفعه إلى طريق مختلف، لكنه أنهى 181 ساعة تدريبية، وواصل دراسته حتى تخرج في الثانوية العامة بمعدل 81%، كما واصل ممارسة الكرة الطائرة وحقق إنجازات رياضية، قبل أن يلتحق بدورة ضباط الصف ويكملها من دون تسجيل أي مخالفة انضباطية، ويحصل على تكريم لتميزه في الانضباط والربط العسكري.

وأكد أن «هذه هي الرسالة الحقيقية لـ(نسيج)، فالنجاح لا يقاس بانتهاء البرنامج، وإنما بما يحدث بعده، عندما يواصل الشاب حياته بصورة مختلفة، ويحول ما تعلمه من انضباط إلى أسلوب حياة».

أرقام تؤكد الأثر

وبحسب نتائج البرنامج انخفض السلوك المدرسي السلبي بنسبة 98.5%، إذ أسهم في تقويم 67 طالباً من إجمالي 68 خضعوا للبرنامج لأسباب متعلقة بسلوكياتهم داخل المدارس، فيما تراجع السلوك السلبي داخل المنزل بنسبة 90.9% بواقع 10 مراهقين التزموا كلياً بعد البرنامج من إجمالي 11 حدثاً كانوا يرتكبون سلوكيات سلبية في المنزل، بينما انخفضت نسبة العودة إلى السوابق الجنائية بنسبة 88% بواقع 42 طالباً تورطوا في هذه الجرائم قبل «نسيج»، ولم يعاود منهم ارتكابها سوى خمسة فقط.

ولفت إلى أن 24 مدرسة و97 أسرة استفادت من البرنامج، بينما سجلت استطلاعات الرأي نسبة رضا بين أولياء الأمور بلغت 95%، لافتاً إلى أن هذه المؤشرات تؤكد أن أثر البرنامج تجاوز الطالب ليصل إلى أسرته ومدرسته ومحيطه الاجتماعي.

وأكد الجمال أن الرهان الحقيقي ليس على معاقبة الشاب بعد وقوع الخطأ، وإنما على الوصول إليه في الوقت المناسب، قائلاً: «كل شاب نستطيع أن نعيده إلى مدرسته وأسرته ومجتمعه قبل أن يدخل دائرة الجريمة، هو نجاح للمجتمع بأكمله. رسالتنا ليست أن نوقف السلوك السلبي فقط، بل أن نساعد صاحبه على بناء مستقبل جديد، لأن الفرصة الثانية قد تصنع إنساناً مختلفاً، وقصة نجاح تلهم غيره».

• %98.5 من المشاركين التزموا بالسلوك الإيجابي.

• 14.6 ألف ساعة تدريب قدمتها أكاديمية شرطة دبي.

• 24 مدرسة، و97 أسرة استفادت من «البرنامج».

• %95 نسبة رضا أولياء الأمور عن «البرنامج».

• مراهق جانح يتحول إلى نموذج للنجاح الرياضي والمهني بعد تصحيح مساره.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا