كشف قانونيون وتقنيون أن الانسياق وراء وعود الثراء السريع، التي تروّج لها منصات التداول الرقمية، يدفع كثيراً من الضحايا إلى دائرة متكررة من الخداع، فبعد خسارة مدخراتهم في منصات وهمية تستغل الطموح المقترن بنقص الخبرة، يجد بعضهم أنفسهم أمام فخ جديد لا يقل خطورة، يتمثل في جهات ومكاتب تدعي القدرة على استرداد الأموال مقابل رسوم مسبقة ووعود مغرية.
وأشاروا إلى أنه بين احتيالٍ أول يستنزف المدخرات، وآخر يستغل الأمل في استعادتها، يقع الضحايا في سلسلة من عمليات النصب المتتالية التي تقف خلفها شبكات احتيالية معقدة، تستهدفهم أكثر من مرة، مستفيدة من التطور التقني، وانتشار الإعلانات الرقمية، وضعف الوعي القانوني والمالي.
وتفصيلاً، حذر محامون إماراتيون من أن أحلام الثراء السريع التي تروج لها منصات التداول عبر الإنترنت تحولت بالنسبة لكثير من الشباب إلى كابوس مالي مزدوج، فبعد الوقوع في شراك منصات وهمية تستولي على مدخراتهم بوعود أرباح استثنائية، يجد بعض الضحايا أنفسهم هدفاً لعملية احتيال جديدة، تقودها جهات تنتحل صفة مكاتب محاماة، وتدّعي القدرة على استرجاع الأموال المنهوبة، وبين الوعدين الكاذبين، تتبدد المدخرات، وتتعمق معاناة الضحايا، في سلسلة متواصلة من الخداع والاستغلال.
ورصدت «الإمارات اليوم» انتشار إعلانات مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي لشركات ومكاتب محاماة تدّعي قدرتها على استعادة الأموال التي فقدها ضحايا شركات التداول الوهمية ومنصات العملات الرقمية، مستخدمة عبارات تسويقية تستهدف استقطاب المتضررين، من بينها: «اليوم آخر يوم للتسجيل والحصول على استشارة مجانية من فريق المحامين»، «وهل تعرضت للاحتيال من شركات التداول أو منصات العملات الرقمية؟ لا تضيع حقك»، كما تزعم هذه الإعلانات أن المكاتب المعلنة مرخصة دولياً وفي دول الخليج، وتمتلك خبرة تتجاوز 20 عاماً، وتلتزم بالسرية التامة، وتؤكد أن أكثر من 500 شخص تمكنوا من استعادة أموالهم في وقت قياسي عبر خدماتها، وتدّعي كذلك امتلاكها الإمكانات اللازمة لتتبع الأموال والأصول الرقمية واستردادها من الشركات الوهمية، في محاولة لإقناع الضحايا بالتعاقد معها مقابل رسوم أو دفعات مالية مسبقة.
ضحايا مرتين
وأوضح المحامي الدكتور أحمد المعمري أن هذا النوع من الجرائم لا يقتصر خطره على خسارة الأموال في منصات تداول وهمية، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ«الاحتيال المزدوج»، حيث يتحول الضحية لاحقاً إلى هدف لشركات أو أفراد يدّعون القدرة على استرداد الأموال مقابل رسوم أو عمولات مسبقة.
وقال: «يلجأ المحتالون إلى مجموعة من الأساليب لإظهار المنصة بمظهر قانوني ومهني، أبرزها: الادعاء بالحصول على تراخيص أجنبية غير معروفة أو استخدام أرقام تراخيص غير صحيحة وهمية، وإنشاء شركات بأسماء مشابهة لشركات مالية معروفة وعالميه لإيهام المستثمرين بالمصداقية، واستخدام عقود إلكترونية وشروط استخدام طويلة ومعقدة لإضفاء مظهر قانوني مقنع، وعرض شهادات تسجيل تجارية من دول ذات رقابة ضعيفة أو مناطق خارجية ليست بها رقابة قانونية ولا تخضع للقانون الدولي، وتوظيف أشخاص يعرّفون أنفسهم بأنهم مستشارون ماليون أو محللو استثمار، دون ترخيص، لإضفاء المصداقية، ونشر أرباح وهمية داخل التطبيق أو المنصة لإقناع الضحية بضخ أموال إضافية، إضافة إلى استخدام مشاهير أو مؤثرين أو إعلانات مدفوعة توحي بالاعتماد أو الشرعية».
فخ الاسترجاع
وأضاف المعمري: «يجب التعامل بحذر شديد مع الشركات أو المكاتب التي تعلن عن قدرتها على استرجاع الأموال المفقودة، لأن جزءاً كبيراً منها يعمل وفق نمط احتيالي جديد يسمى (استرداد الأموال الوهمي)، حيث تدعي وجود علاقات مع بنوك أو جهات تنظيمية أو شركات مالية عالمية، وتطلب رسوماً مقدمة أو مصروفات لإقامة الدعوى، وفتح ملف أو ضرائب مزعومة، وتقدم وعوداً مضمونة باسترجاع الأموال خلال أيام»، مشيراً إلى أنها تستخدم أسماء قانونية أو مكاتب وهمية أو تنتحل صفات محامين ومستشارين، ويدعون أنهم مكاتب محاماة دولية معتمدة لاسترداد الأموال مع الأرباح الوهمية.
وتابع: «المبدأ القانوني أنه لا توجد جهة قانونية محترفة تستطيع ضمان استرداد الأموال بنسبة 100% قبل دراسة الملف واتخاذ إجراءات فعلية، لذا يُعد دفع رسوم مقدمة مؤشراً عالي الخطورة، خصوصاً إذا تزامن مع طلب تحويل الرسوم إلى حسابات شخصية أو محافظ رقمية، واشتراط الدفع قبل مراجعة المستندات، ووعود بنتائج مضمونة، ورفض تقديم عقد واضح أو بيانات ترخيص، أو طلب رسوم إضافية متكررة بحجة الضرائب أو الإفراج أو التحقق».
تراخيص وهمية
وحذّرت المحامية هدية حماد من أن معظم هذه الشركات أو المكاتب التي تعلن عن قدرتها على استرجاع الأموال المفقودة في عمليات التداول المزيفة هي شركات وهمية، لا تملك أي صلاحية قانونية لاسترجاع أموال العميل، فلابد لأي مكتب أو شركة قانونية أو شركة محاماة أن يكون مرخصاً في الدولة من وزارة العدل ودائرة القضاء، مؤكدة على عدم وجود أي صفة قانونية لشركات استرداد الأموال، وإنما الطريقة القانونية لاسترجاع تلك الأموال تكون عن طريق مكاتب المحاماة المرخصة في الدولة، والتي تتخذ الإجراءات القانونية أمام الشرطة والنيابة والقضاء.
مؤشرات الخطر
من جانبه، أوضح المحامي سالم سعيد الحيقي أن المحتالين يعتمدون على وسائل متعددة لإقناع الضحايا بمشروعية نشاطهم، منها استخدام تراخيص مزورة أو منتهية الصلاحية أو منسوبة إلى جهات رقابية أجنبية غير معروفة، وإنشاء مواقع إلكترونية احترافية، وانتحال واستغلال أسماء شركات مالية أو شركات عالمية معروفة، ونشر شهادات نجاح وأرباح وهمية، فضلاً عن استخدام المؤثرين ووسائل التواصل الاجتماعي للترويج للمنصات، وإضفاء مصداقية زائفة عليها، خلافاً للواقع.
وأكد أنه عند التعرّض للاحتيال المالي يجب التوجه فوراً إلى الجهات الرسمية المختصة، وليس إلى جهات مجهولة تدّعي استرداد الأموال مقابل رسوم مسبقة، مشيراً إلى أن الترويج لمنصات غير مرخصة قد يُرتب مسؤولية قانونية، متى ثبت العلم بعدم مشروعيتها أو الإهمال في التحقق منها، وأن الوعي القانوني والمالي يظل خط الدفاع الأول، فيما يبقى اللجوء إلى القنوات الرسمية الخيار الأكثر أماناً لحماية الحقوق وملاحقة مرتكبي هذه الجرائم.
وعود مريبة
فيما نبّه المحامي سالم عبيد النقبي إلى اعتماد المحتالين على استخدام وسائل متعددة لإيهام الضحايا بمشروعية نشاطهم، من أبرزها: الادعاء بالحصول على تراخيص صادرة عن جهات رقابية دولية، مع تقديم شهادات مزورة أو مضللة، وتسجيل شركات في دول تسمح بتأسيس الشركات بسهولة من دون رقابة مالية حقيقية، واستغلال ذلك لإضفاء مظهر قانوني زائف، واستخدام أسماء مشابهة لمؤسسات مالية معروفة أو مواقع إلكترونية تحاكي مواقع الشركات المرخصة، ونشر عقود وشروط استخدام مكتوبة بصياغات قانونية معقدة، لإيهام العملاء بوجود حماية قانونية، والاستعانة بمشاهير أو مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للمنصة وإكسابها مصداقية وهمية.
استغلال الخسائر
وشدد على أن دفع رسوم مقدمة لشركات استرداد الأموال يعتبر مؤشراً إلى عملية احتيال جديدة، خصوصاً إذا اقترن بوعود قاطعة باسترجاع الأموال أو بطلب تحويل الرسوم إلى حسابات شخصية أو محافظ إلكترونية، لافتاً إلى أن الجهات القانونية المرخصة عادة ما تتقاضى أتعابها وفق عقود واضحة ومحددة، ولا تقدم ضمانات مطلقة بشأن النتائج، لأن استرداد الأموال يرتبط بعوامل عديدة لا يمكن الجزم بها مسبقاً.
تحذير أخير
وأجمع المحامون على أن الرسالة القانونية الأهم التي ينبغي أن يدركها جميع أفراد المجتمع هي أن غياب الترخيص والشفافية يمثل مؤشراً أخطر بكثير من جاذبية الوعود بتحقيق أرباح مرتفعة، فالاستثمار المشروع لا يقوم على ضمان المكاسب أو الإثراء السريع، وإنما يرتكز إلى الإفصاح الواضح وإدارة المخاطر، والالتزام بالأطر التنظيمية، لذلك فإن أي منصة تَعِد بعوائد استثنائية ومضمونة دون مخاطر حقيقية، إنما ترفع مؤشرات الاشتباه والخطر أكثر مما تقدم فرصاً استثمارية جدية، كما أن المتضرر من عمليات الاحتيال المالي يجب ألا يقع ضحية مرة أخرى، إذ إن التسرع في اللجوء إلى جهات أو مكاتب غير مرخصة تدّعي القدرة على استرداد الأموال قد يؤدي إلى خسائر إضافية، واستنزاف ما تبقى من أموال الضحية، بدلاً من مساعدته على استعادة حقوقه عبر القنوات القانونية والرسمية المعتمدة.
خوارزميات الخداع
في المقابل، أوضح خبير الأمن السيبراني، عبدالنور سامي، أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لعبت دوراً كبيراً في تطوير عمليات الاحتيال المالي الإلكتروني، عبر المساعدة بشكل أوسع للوصول إلى الضحايا، حيث تخفف على المحتال التواصل، ببرمجته وإعداده وتدريبه على الرد على الأشخاص، ويتدخل فقط عند الحاجة، وهذه التقنيات جميعها خصصت للتسويق والحصول على العملاء، ولكن هؤلاء المحتالين استغلوها في عمليات غير مشروعة.
وأكد سامي أن المحتالين يستغلون وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها المنصة الأوسع للوصول إلى الجمهور، لاسيما أن هذه المنصات طوّرت خوارزمياتها وعززتها بالاستفادة من العلوم النفسية والاجتماعية، ما جعلها قادرة على فهم السلوك وتحليله، وتتبع أنماطه بدقة عالية، وبما أن هذه الخدمات تُقدَّم مجاناً، فإن بيانات المستخدمين تمثل المقابل الفعلي لها، إذ تعتمد الشركات في تحقيق إيراداتها على الإعلانات، ويستغل المحتالون هذا الأمر للوصول إلى الضحايا، سواء بشكل مباشر أو من خلال انتحال شخصيات جهات وأشخاص يحظون بالثقة.
تزوير الأرباح
وبيّن أن تزوير الأرباح والأرقام المعروضة داخل منصات التداول الوهمية لإقناع المستخدمين بالتوسع في الاستثمار أمر سهل تقنياً، حيث تقوم هذه الشركات المحتالة باستخدام نماذج تدريب أو محاكاة، للتلاعب النفسي بالضحية، حيث يعمل هؤلاء المحتالون على عرض أرقام إيجابية، ويسمحون للشخص بالوصول إلى أمواله، فيعود بقوة بمبلغ أكبر! وهنا يخسر كل شيء، وقد يختلف الاحتيال في هذه المنصات، فمنها ما يتيح سحب الأموال بغرض الاحتيال على مبلغ أكبر، ومنها ما لا توجد فيه هذه الخاصية أساساً، فيقوم بسرقة الأموال المتاحة على بطاقة المصرف بمجرد استخدامها.
ونبّه إلى اعتماد شبكات الاحتيال الإلكتروني على قواعد بيانات للضحايا يتم تداولها أو بيعها بين العصابات الإجرامية، ما يؤدي إلى تعرض كثير من الضحايا لعمليات احتيال مزدوجة، ومن أبرز هذه الأساليب ادعاء القدرة على استرداد الأموال المفقودة عبر مكاتب أو محامين وهميين، حيث يدفع الضحايا مبالغ إضافية أملاً في استعادة خسائرهم السابقة. ولتعزيز مصداقيتهم، يستخدم المحتالون تقنيات التزييف العميق لإنتاج مقاطع مصورة تظهر ضحايا مزعومين يؤكدون نجاح عمليات الاسترداد، كما تسهم قواعد البيانات المسربة أو المبيعة في تسهيل هذه الجرائم، إذ يفاجأ الضحية بمتصل يمتلك معلوماته الشخصية وبياناته الرسمية، فيظن أنه يتعامل مع جهة موثوقة، بينما تكون تلك البيانات قد حصل عليها المحتالون عبر التسريب أو البيع غير المشروع.
المصدر:
الإمارات اليوم