حذّر مختصون نفسيون وقانونيون وأسريون من التحديات المتزايدة التي يواجهها الرجال بعد الطلاق، مؤكدين أن الآثار المترتبة على الانفصال لا تقتصر على الجوانب النفسية والاجتماعية، بل تمتد إلى أعباء مالية وقانونية قد تعيق القدرة على الاستقرار أو تكوين أسرة جديدة.
وأشاروا إلى أن تعدد الالتزامات المرتبطة بالنفقة والسكن والحضانة، إلى جانب الضغوط النفسية الناتجة عن الانفصال، تدفع بعض المطلقين إلى العزوف عن الزواج مرة أخرى، ما يستدعي تعزيز برامج التوعية والتأهيل الأسري، وإيجاد حلول أكثر توازناً، تحفظ حقوق جميع الأطراف، وتحدُّ من تفاقم الخلافات الأسرية، داعين إلى ضرورة دعم وتمكين المطلّقين لبناء حياة جديدة.
وتفصيلاً، أكد تقرير برلماني بعنوان «حماية الأسرة ومفهومها وكيانها»، الصادر عن لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والسكان والموارد البشرية بالمجلس الوطني الاتحادي، أن الرجل المطلِّق يواجه تحديات كبيرة بعد الطلاق، ما قد يحول دون بدء حياة زوجية جديدة، نتيجة الضغوط المالية الناتجة عن التزامات النفقة، وتكاليف البحث عن مسكن جديد، وتقليص الدخل المتاح، وبالتالي فقدان الدعم المالي المشترك، مشيراً إلى أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى عدم القدرة على تلبية الاحتياجات الشخصية، ما يجعل من الصعب التكيّف مع الوضع الجديد والاستقرار، كما حذر التقرير من أن الطلاق لا يؤثر فقط في الحالة النفسية للزوج، بل أيضاً في وضعه المالي والاجتماعي، ما يتطلب منه التعامل مع تحديات جديدة لتحقيق الاستقرار والنجاح في هذه المرحلة الانتقالية، مطالباً بضرورة وضع خريطة طريق لحل الخلافات الزوجية قبل استفحالها، لكي لا تؤثر سلباً في جودة حياة الزوجين، وقدرتهما على إعادة بناء المستقبل.
الآثار النفسية
وأوضح استشاري الطب النفسي، الدكتور مدحت الصباحي، أن الدراسات الاجتماعية والنفسية الحديثة حول الطلاق تشير إلى أن أبرز الآثار النفسية المحتملة عند الرجال بعد الطلاق، الحزن والانكسار، حيث يمر الكثير منهم بمراحل شبيهة بفترة الحداد التي يحدث فيها تحول من الإنكار إلى الغضب والتفاوض، وبعدها الاكتئاب، ثم التقبل، وهذه هي المراحل نفسها التي يمر بها الشخص في فترة الحداد، كما يصاب بعض الرجال بعد الطلاق بانخفاض في تقدير الذات والثقة بالنفس والشعور بالفشل، نتيجة خسارته لدور القائد للأسرة، إضافة إلى أن تغير الروتين الأسري والإحساس بالوحدة يزيد من الشعور بالقلق، كما يولد الشعور بالغضب لدى البعض ميولاً انتقامية، وتزيد هذه الميول في حالات المشكلات والصراعات أثناء إجراءات الطلاق، أو الإحساس بفقدانه لرؤية أبنائه، وفي بعض الحالات يصاب المطلق بأعراض نفسية جسدية، منها الشعور بالأرق، وتغير الشهية، وآلام العضلات، وضعف في جهاز المناعة بسبب زيادة هرمونات التوتر مثل الكورتيزول.
العزوف عن الزواج
وقال: «كما تؤدي الضغوط الناتجة عن الأعباء المالية المترتبة على الطلاق إلى زيادة مستوى الكورتيزول في الجسم، ما ينتج عنه القلق والاكتئاب، فيما يؤدي الشعور بعدم القدرة على إعالة نفسه وأبنائه إلى إحساس الشخص بالتهديد، وينعكس ذلك في صورة أرق وتهيج في المشاعر وتراجع في الأداء المهني، إضافة إلى أن التقلبات المالية تؤدي إلى الشعور بعدم السيطرة والتحكم في حياته، وهما عنصران أساسيان في الصحة النفسية»، مشيراً إلى أنه في حالات كثيرة يؤدي الشعور بالفشل الناتج عن الطلاق إلى عزوف الرجل عن الزواج مرة أخرى، نتيجة الخوف من تكرار الأخطاء، والتعميم بشكل سلبي على فكرة فشل الزواج كمنظومة اجتماعية.
الضغوط المالية
وأيده في الرأي، استشاري الطب النفسي، الدكتور محمود نجم، بأن الرجل بعد الطلاق قد يواجه مشاعر متعددة، أبرزها الحزن والإحباط والشعور بالوحدة وفقدان الاستقرار الأسري، إضافة إلى القلق بشأن المستقبل ومسؤوليات الأبناء، مشيراً إلى أن بعض الرجال قد يعانون انخفاض الثقة بالنفس أو الشعور بالفشل الاجتماعي، خصوصاً إذا كانت تجربة الطلاق مليئة بالخلافات والضغوط، وقد تتطور هذه المشاعر إلى اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب أو القلق، إذا لم يتم التعامل معها من خلال الاستشارات النفسية مع مختصين طبياً.
وقال: «الضغوط المالية تُعتبر أيضاً من أكثر التحديات تأثيراً في الصحة النفسية للرجل بعد الطلاق، إذ يجد الرجل نفسه أمام التزامات جديدة، مثل النفقة وتكاليف السكن ومتطلبات الأبناء، ويترتب على ذلك الشعور الدائم بالتوتر والعجز، الذي يتسبب في إصابة المطلق بالإرهاق النفسي، كما يؤثر عدم الاستقرار المالي في جودة الحياة اليومية، ويزيد من معدلات القلق والأرق، وقد يدفع البعض إلى العزلة أو فقدان الحافز لبناء حياة جديدة».
وأضاف نجم: «كما يمكن أن يؤدي الشعور بالفشل أو الخسارة إلى عزوف الرجال عن الزواج مجدداً، فبعض الرجال يربطون تجربة الطلاق بالفشل العاطفي أو الاجتماعي، ما يجعلهم أكثر تردداً في تكرار الزواج، حيث يؤدي فقدان الثقة بشريك الحياة أو القلق من تكرار الفشل في تكوين أسرة مستقرة إلى التأجيل الطويل لفكرة الزواج، أو التخلي عنها، ويتطلب تجاوز هذه المرحلة مراجعة الشخص لأسباب فشل زواجه، ومعرفة طرق التغلب على التحديات التي واجهته، والأخطاء التي قام بها لعدم تكرارها، كما تشكل ثقة الشخص بنفسه دوراً كبيراً في استعادة القدرة على بدء مشروع زواج جديد».
الخلافات المستمرة
فيما أوضح خبير التحكيم الأسري في محاكم دبي، المستشار الأول في الشؤون الإسلامية، الدكتور عبدالله موسى، أن أبرز التحديات التي يواجهها الرجل بعد الطلاق يتمثل في الانشغال بالخلافات المستمرة مع طليقته، وما يصاحبها من نزاعات قضائية تتخللها البلاغات المتبادلة والخلافات المتعلقة بالنفقة، وطلبات زيادتها، والسكن، ومصروفات الأبناء، مشيراً إلى أن بعض المطلقين لا يستطيعون تحمل هذه الضغوط المتراكمة.
وقال: «الدخل الشهري للرجل بعد الطلاق قد لا يكفي لتأسيس حياة جديدة أو فتح منزل آخر، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الراتب يُستقطع للنفقة والسكن والالتزامات المترتبة على الزواج الأول، وفي حال وجود ديون سابقة، فإن العبء المالي يصبح أكبر، ما قد ينعكس سلباً على قدرته في الوفاء بالتزاماته الشخصية والأسرية»، مشيراً إلى أن تأخر المطلق في سداد النفقة يؤدي إلى تفاقم التحديات، ودخوله في دوامة من المشكلات والصعوبات القانونية التي تؤثر في استقراره النفسي والاجتماعي.
التأهيل الأسري
وأكد أن التأهيل الأسري قبل الزواج يُعد من أهم الوسائل الوقائية للحد من المشكلات الزوجية، لما يوفره من فهم لطبيعة كل طرف، ومعرفة مسبقة بالحالة المادية للرجل، وطبيعة الخلافات المحتملة وطرق التعامل معها، إلى جانب تدريب الزوجين على مهارات إدارة الخلاف، والتسامح، والتغافل، وابتكار حلول مناسبة للتحديات التي قد تواجههما بعد الزواج، إضافة إلى أن اطلاع المقبلين على الزواج على نماذج من القضايا الأسرية الموجودة في المحاكم يسهم في تعزيز وعيهم، ويؤكد لهم أن الحوار والتفاهم يمثلان الأساس الحقيقي لاستقرار الحياة الزوجية.
وأوضح أن من أبرز الحلول التي تساعد الرجل على تحقيق التوازن بين مسؤولياته السابقة وحياته الجديدة، وضع خطة مالية واضحة، والاستغناء عن الكماليات، والتركيز على الأولويات والواجبات الأساسية، بما يساعده على التوفيق بين التزاماته القديمة والجديدة، مشدداً على أهمية استحضار البعد الديني والإنساني في رعاية الأبناء والإنفاق عليهم، مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ»، لذا على الرجل أن يجعل نيته رعاية أبنائه والإنفاق عليهم بعيداً عن روح الانتقام أو الكيد، حتى يرزقه الله ويبارك له.
تفضيل السجن
وروى الدكتور عبدالله موسى حالة لرجل طلق زوجته الأولى، وترتبت عليه نفقة، ثم تزوج بأخرى، وانتهى زواجه الثاني أيضاً بالطلاق، حيث قضت المحكمة بنفقة جديدة عليه، إلا أنه اعترض على الحكم، وأساء للمحكمة أثناء الجلسة، فقررت حبسه، مشيراً إلى أن الرجل استقبل قرار الحبس بالترحيب، وقال للقاضي إنه تعمد التصرف بهذه الطريقة حتى يُسجن، لأنه لم يعد قادراً على تحمل الالتزامات المالية المفروضة عليه، معتبراً أن السجن وفر له المأوى والطعام، وأراحه من الضغوط التي عجز عن الوفاء بها.
تمكين الرجل
من جانبها، أكدت عضو المجلس الوطني، منى خليفة حماد، أن الحديث عن تمكين الأسرة يرتبط غالباً بتمكين المرأة فقط، ما يدفعنا إلى تكرار السؤال الذي سبق وأن طرحته تحت قبة البرلمان: «ماذا عن رب الأسرة؟ وماذا عن تمكين الرجل، سواء كان يعمل أو لا يعمل؟»، مشددة على ضرورة وجود حزمة من المبادرات التي تسهم في تمكين الرجل ودعمه.
وقالت: «نتحدث عن دعم المرأة الأرملة بعد وفاة الزوج، والمرأة المطلقة بعد الانفصال الزوجي، من دون التطرق لحقوق وظروف الطرف الثاني، فإذا ترمل الرجل أو انفصل ولم تكن هناك ممكنات حقيقية فلن يستطيع أن يتزوج مرة أخرى، ويترتب على ذلك تحديات مجتمعية في وقت نشجع فيه على الزواج والإنجاب من أجل حماية التركيبة السكانية، حتى الحديث عن العنف الأسري يركز غالباً على المرأة، رغم وجود حالات يتعرض فيها الرجل أيضاً للعنف الأسري، لذلك أرجو دائماً، عندما تكون هناك بعض الأمور التحفيزية، ألا ننسى رب الأسرة، وهو الرجل».
التركيبة السكانية
وأضافت: «يمكن أن تشمل هذه المبادرات برامج دعم وتسهيلات موجهة للمطلقين لمساعدتهم على إعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي والمالي، وتمكنهم من تكوين أسرة جديدة، خصوصاً في ظل الأعباء المالية والالتزامات المترتبة على الطلاق، إذ إن تمكين الرجل من الزواج مرة أخرى لا ينعكس على الفرد فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويدعم توجهات الدولة الرامية إلى تشجيع الزواج وحماية التماسك الأسري والتركيبة السكانية».
وشددت حماد على أن الدعم وتمكين الرجل المُطلق لا يعني إعفاءه من مسؤولياته الأسرية أو التقليل من حقوق الطرف الآخر، وإنما إيجاد توازن يضمن استقرار جميع أفراد الأسرة، مشيرة إلى أن توفير حلول سكنية وتمويلية مرنة، وبرامج تأهيل وإرشاد أسري، قد يساعد الكثير من الرجال على تجاوز آثار الانفصال، ويمنحهم فرصة حقيقية لبناء حياة مستقرة، والزواج مرة أخرى ضمن بيئة أكثر وعياً وقدرة على الاستمرار.
مستحقات المطلقة
من جانبه، أكد المحامي سالم عبيد النقبي، أن الكثير من الرجال المطلقين يجدون صعوبة في بدء حياة زوجية جديدة بسبب الالتزامات التي ترتبت على الطلاق، خصوصاً إذا كان الرجل مديناً من قبل، فيتوزع راتبه بين أقساط القرض والتزامات الطلاق، مشيراً إلى أن الالتزامات المالية على المُطلق تشمل مؤخر الصداق، ونفقة المتعة، والنفقة المتجمدة، ونفقة العدة، وتوفير مسكن صالح للمحضونين، وأن يكون في المدينة نفسها، ونفقة الأبناء ومصروفاتهم إذا كانوا بمدارس خاصة، ونفقة الحاضنة، إضافة إلى توفير خادمة في حال كان الأبناء صغاراً، وسائق إذا كانت المرأة ليس لديها وسيلة نقل.
وقال: «القانون ينشد مصلحة المحضونين واستقرارهم النفسي، لذا تخف بعض الأعباء عن المطلق إذا كانت الزوجة تملك مسكناً من الحكومة أو خُصص لها سكن من جهة عملها، أو كانت تعمل، أو وجود اتفاقية بين المطلقين لتنسيق المصروفات، ويكون كلا الطرفين متفهماً لالتزاماته وقدرته على الوفاء بها».
وأشار إلى أن أكثر الخلافات بين المطلقين سببها حضانة الأطفال، وتوفير النفقات المستحقة، وتعنت الطرفين وسيطرة لغة العناد عليهما، ورفض تقديم أي تنازلات، ومحاولة تحقيق مكاسب على حساب الآخر، واللدد في الخصومة، وفي هذه الحالات دائماً ما يكون الأطفال هم الضحية، أما في حالة وجود تفاهم على تربية الأطفال بعد الطلاق، واتفاقية واضحة وموقعة من الطرفين تضمن لضمان الحقوق فلا تنشأ النزاعات.
أزمة المُطلق
فيما أكد المحامي سالم سعيد الحيقي أن الطلاق من الوقائع القانونية والاجتماعية التي يترتب عليها العديد من الآثار المالية والأسرية، خصوصاً في ظل ما ينشأ بعده من التزامات تتعلق بالنفقة والحضانة والسكن وغيرها، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد الطلاق من أكثر المراحل حساسية من الناحية القانونية والمالية، وقد نظم المشرّع الإماراتي هذه المسائل ضمن قوانين الأحوال الشخصية والإجراءات المدنية، بما يحقق التوازن بين حقوق الزوجة والأبناء من جهة، وعدم تحميل الرجل أعباءً تتجاوز حدود الالتزام القانوني من جهة أخرى.
وقال: «أزمة الرجال المطلقين، أن المجتمع يركز على الآثار الاجتماعية والنفسية للطلاق في المرأة والأبناء، وفي المقابل لا يتم تسليط الضوء المعاناة القانونية والمالية المتزايدة التي يواجهها الرجل بعد انتهاء العلاقة الزوجية، خصوصاً في ظل تعدد الالتزامات المالية المرتبطة بالنفقة والحضانة والسكن والمصروفات التعليمية والعلاجية، وغيرها من مشتملات النفقة، وتتحول هذه الالتزامات في بعض الحالات إلى عبء طويل الأمد قد ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار المالي للرجل، ويعيق قدرته على بدء حياة زوجية جديدة، حيث لا تنتهي قضايا الأحوال الشخصية بمجرد صدور الحكم، بل تبدأ بعده مرحلة قانونية قد تستمر سنوات داخل أروقة المحاكم والتنفيذ، خصوصاً عند غياب التفاهم بين الطرفين».
إدارة النزاعات
وأضاف: «رغم وجوب النفقة إلا أنها تؤثر بشكل مباشر في الاستقرار المالي باعتبارها أحد أبرز أسباب الاستنزاف المالي للرجل بعد الطلاق، إذ تتطلب أحكام النفقة التزاماً شهرياً ثابتاً، وقد تستمر الالتزامات المالية لسنوات طويلة، بينما قد تؤدي النزاعات المستمرة حول الحضانة والرؤية والاستضافة إلى فتح دعاوى متكررة أمام المحاكم، خصوصاً إذا كان هناك أبناء قُصّر، كما أن تعدد الدعاوى المتعلقة بزيادة النفقة أو المطالبة بالمصروفات الاستثنائية قد يؤدي إلى ضغط مالي مستمر وفي بعض الحالات، قد يتم اتخاذ إجراءات تنفيذية مثل الحجز على الحسابات البنكية، منع السفر، اقتطاع مبالغ من الراتب، والتنفيذ على الممتلكات».
وتابع: «سوء إدارة النزاعات الأسرية قد يؤدي إلى آثار مالية وقانونية ممتدة تتجاوز مرحلة الطلاق نفسها، كما أن بعض الرجال يجدون أنفسهم عاجزين عن إعادة ترتيب أوضاعهم المالية أو الادخار للمستقبل بسبب تراكم الالتزامات التنفيذية والأقساط والديون المرتبطة بفترة ما بعد الطلاق».
تراكم الديون
وأكد الحيقي أن الالتزامات المالية المتراكمة بعد الطلاق تشكل عائقاً أمام الاستقرار المالي للرجل أو قدرته على الزواج مرة أخرى، خصوصاً إذا كان ملتزماً بأحكام نفقة مرتفعة أو إذا كانت هناك أحكام تنفيذية أو ديون متراكمة أو التزامات شهرية مرتفعة، كما أن بعض الإجراءات التنفيذية مثل الحجز أو المنع من السفر قد تؤثر في النشاط التجاري أو الوظيفي للرجل، ما ينعكس على أوضاعه الاجتماعية والعائلية، كما أن بعض المطلقين يدخلون في دوامة من الالتزامات المتراكمة، ما يجعل فكرة الزواج مجدداً عبئاً مالياً إضافياً يصعب تحمله.
وبيّن أن القانون الإماراتي يتيح وسائل قانونية لإعادة تنظيم الالتزامات، وطلب إعادة تقدير النفقة وفق المتغيرات الواقعية، كما يُعتبر الاتفاق الواضح والمتوازن بين الطرفين من أهم الوسائل التي تقلل من احتمالية نشوء نزاعات قضائية مستقبلية، وتجنب تصعيد الخلافات الشخصية على حساب الأبناء، كما أن الحلول الودية المنظمة قانونياً تبقى الخيار الأفضل لتجنب النزاعات الطويلة.
حالات واقعية
أورد قانونيون أمثلة تعكس الصعوبات التي يواجهها بعض المطلقين في تكوين حياة زوجية جديدة، من بينها حالة شاب في الـ30 من عمره انفصل عن زوجته عام 2022، بعد عامين ونصف العام فقط من الزواج، ورُزقا خلالها بطفل، نتيجة تفاقم الخلافات بينهما ووصول العلاقة إلى طريق مسدود.
وأظهرت الحالة أنه منذ وقوع الطلاق يعيش الشاب في دائرة من الديون، خصوصاً أنه قد حصل على قرض بضمان راتبه لاستكمال ترتيبات الزواج، وكان يسدد ما يقارب 30% من راتبه شهرياً، وبعد وقوع الطلاق اضطر إلى إعادة جدولة القرض، وزيادة قيمته حتى يتمكن من سداد مؤخر الصداق، ليرتفع القسط الشهري إلى نحو 45% من راتبه، فيما يذهب الجزء المتبقي لتغطية النفقة وتكاليف السكن وغيرها من الالتزامات التي حُكم بها لمطلقته، ما اضطره للعودة إلى منزل والده، لعدم قدرته على تحمل نفقات السكن أو الوفاء بالتزاماته الشخصية، ما دفعه إلى عدم التفكير في خوض تجربة الزواج مرة أخرى.
وفي حالة ثانية، حالت الالتزامات المالية المترتبة على الطلاق من دون تفكير رجل مطلق في الزواج مجدداً، بعدما أصبح ملزماً بسداد 7500 درهم شهرياً لمطلقته وأبنائه، إضافة إلى توفير خادمة، وتحمل بدل سكن يبلغ 48 ألف درهم سنوياً، الأمر الذي استنزف الجزء الأكبر من دخله، وأثر في قدرته على بدء حياة جديدة.
وفي حالة ثالثة، وجد موظف أربعيني نفسه عاجزاً عن إعادة ترتيب حياته بعد الطلاق، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على الانفصال، بسبب استمرار الالتزامات المالية وتراكم الديون الشخصية، وقال إن راتبه الشهري لم يعد يكفي لتغطية متطلبات حياته الأساسية، بعد اقتطاع النفقة الشهرية، ومصروفات الأبناء الدراسية.
جدير بالذكر أن لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والسكان والموارد البشرية، بالمجلس الوطني الاتحادي، أشارت في تقريرها إلى أنها من خلال الاطلاع على البيانات، تبين لها أن هناك خللاً واضحاً في أسس بناء العلاقة الزوجية، إذ إن الطلاق المبكر بين حديثي الزواج يمثل مؤشراً لافتاً في محاكم الدولة خلال السنوات الأخيرة، فهناك حالات لم تتجاوز فيها العلاقة الزوجية أسابيع قليلة، من بينها طلاق بعد 12 يوماً، وآخر بعد 13 يوماً، وثالث بعد 14 يوماً من الزواج، وأحياناً يُتخذ القرار بعد 24 ساعة من الزفاف، أما حالات الانفصال بعد سنوات طويلة فتمثل وجهاً آخر ناتجاً عن المشكلات أو تراكمها من دون حل، وقد أشارت إحصاءات وزارة العدل لعام 2023 إلى تسجيل حالات طلاق بعد زواج دام أقل من عام، وأحياناً أقل من شهر، في حين سُجل في عام 2025 حالات طلاق بعد 10 و40 عاماً من الزواج، ليتضح أن تحدي الاستمرارية لا يرتبط فقط ببدايات الزواج، بل أحياناً بطبيعة العلاقة وتغيراتها مع الزمن.
5 التزامات مالية على المطلِّق
أجمع قانونيون على تعدد الالتزامات المالية التي قد يتحملها الرجل بعد وقوع الطلاق، وفقاً لقانون الأحوال الشخصية الإماراتي، وتختلف قيمتها باختلاف دخل الزوج، وعدد الأبناء، والمستوى المعيشي للأسرة قبل الطلاق، وهذه الالتزامات قد ترتفع أو تنخفض مع مرور الوقت نتيجة تغير الظروف المعيشية أو المطالبة بزيادة النفقة، ما يضع الرجل تحت ضغط مالي مستمر قد يمتد لسنوات طويلة، وتشمل الالتزامات: نفقة العدة والمتعة في بعض الحالات التي يقدّرها القضاء، ونفقة الأبناء، وتشمل المأكل والملبس والتعليم والعلاج والمسكن، وأجرة الحضانة والخادمة والسائق عند الحاجة، ووفق ظروف الأسرة، وتوفير مسكن مناسب للمحضونين أو بدل سكن، والالتزامات المالية الناتجة عن الأحكام القضائية السابقة أو الاتفاقات الأسرية.
5 آليات قانونية لتخفيف الأعباء المالية
حدد المحامي سالم سعيد النقبي خمس آليات قانونية لتخفيف الأعباء المالية عن المطلقين، في حال ارتفاع حجم الالتزامات، مؤكداً أن القضاء الإماراتي يوازن عادة بين مصلحة الأبناء وعدم إرهاق المنفق بما يتجاوز قدرته الواقعية، حيث أوجد القانون الإماراتي وسائل قانونية عدة يمكن أن تساعد في ذلك، من خلال طلب إعادة تقدير الالتزامات وفق الظروف الواقعية، وتشمل طلب خفض النفقة عند تغير الظروف المالية أو فقدان العمل، وامتلاك الحاضنة مسكناً مستقلاً أو مخصصاً لسكنها، وخروج الحاضنة للعمل ما قد يخفف النفقة، واللجوء إلى الوساطة الأسرية قبل تصعيد النزاع قضائياً، والاعتراض على المطالبات غير المبررة أو المبالغ فيها من خلال الخبرة والحسابات المالية.
6 نزاعات أكثر شيوعاً بعد الطلاق
أشار المحامي سالم عبيد النقبي إلى ستة نزاعات قانونية تستنزف وقت وجهد الطرفين، وتتكرر بعد الطلاق، وتشمل: النزاع حول مقدار النفقة وزيادتها أو خفضها، والخلافات المتعلقة بالحضانة والرؤية والاستضافة، والمطالبة بالمصروفات التعليمية والطبية، والنزاع حول السكن أو بدل السكن، والادعاءات المتعلقة بعدم تنفيذ الأحكام القضائية، والنزاعات المرتبطة بالممتلكات المشتركة.
. مُطلّق يرحّب بالسجن هرباً من أعباء النفقة.. وآخر يعود إلى منزل والده بعد ضياع راتبه بين القروض والنفقات.
المصدر:
الإمارات اليوم