رصدت «الإمارات اليوم» تزايد وتيرة الأخبار والمعلومات الكاذبة ومقاطع الفيديو والصور الزائفة والمضللة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وربطها بالأحداث الجارية، وذلك منذ بدء الاعتداءات الإيرانية السافرة على دولة الإمارات ودول الخليج العربي، بهدف زعزعة الاستقرار في مجتمعاتها خلال هذه الفترة.
ويتداول مروّجو الشائعات مقاطع وصوراً قديمة لحوادث وحرائق وقعت منذ سنوات، في أماكن بعيدة عن الدولة، بإعادة نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتصويرها على أنها حديثة، بهدف التأثير في أمن المجتمع واستقراره.
كما يُنتج بعض مروّجي الشائعات مقاطع فيديو بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، لترويجها وتداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة واسعة، من أجل التأثير في الرأي العام في العالم العربي، وتوجيهه بما يخدم الأجندات الإرهابية.
وأكد خبراء وقانونيون أن نشر الشائعات أو المعلومات غير المؤكدة في دولة الإمارات يعد جريمة يعاقب عليها قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، حيث نصت المادة (52) على أنه يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة والغرامة التي لا تقل عن 100 ألف درهم، كل من استخدم الشبكة المعلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات لإذاعة أو نشر أو إعادة نشر أو تداول أو إعادة تداول أخبار أو بيانات زائفة، أو تقارير أو شائعات كاذبة أو مغرضة أو مضللة أو مغلوطة، أو تخالف ما تم الإعلان عنه رسمياً، أو بث أي دعايات مثيرة من شأنها تأليب الرأي العام أو إثارته، أو تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس، أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة أو بالاقتصاد الوطني، أو بالنظام العام أو بالصحة العامة.
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين والغرامة التي لا تقل عن 200 ألف درهم، إذا ترتب على أي من الأفعال المذكورة في البند (1) من هذه المادة تأليب الرأي العام، أو إثارته ضد إحدى سلطات الدولة أو مؤسساتها، أو إذا ارتكبت في زمن الأوبئة والأزمات والطوارئ أو الكوارث.
وحذّرت جهات حكومية عدة من نشر أو تداول الشائعات والأخبار الكاذبة أو مجهولة المصدر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو أي وسيلة تقنية معلومات، كما حذّرت النيابة العامة للدولة، على صفحاتها الرسمية بمنصات التواصل الاجتماعي، من خطر نشر أو تداول الشائعات والأخبار الكاذبة، لما يترتب عليها من إثارة البلبلة والإضرار بأمن المجتمع واستقراره.
وأكّدت ضرورة استقاء المعلومات من المصادر الرسمية المعتمدة فقط، وعدم الانسياق خلف ما يُنشر أو يُتداول من دون تحقق، كما أكّدت أن كل من يشارك أو يُعيد نشر محتوى مجهول المصدر، يُعرّض نفسه للمساءلة القانونية وفقاً للتشريعات النافذة في الدولة، حتى إن لم يكن هو منشئ المحتوى.
التحقق مسؤولية
وقال أستاذ إعلام في جامعة زايد، الدكتور السيد بخيت، لـ«الإمارات اليوم»، إن التحقق من مصدر الخبر قبل إعادة نشره على وسائل التواصل الاجتماعي أصبح مسؤولية فردية ومجتمعية في الوقت نفسه، لأن نشر معلومة غير دقيقة قد يُسهم من دون قصد في تضليل الآخرين، وزيادة حالة القلق أو الارتباك لدى الجمهور.
وأضاف أن الاعتماد على المصادر الرسمية والمؤسسات الإعلامية المهنية يظل الخيار الأكثر أماناً لفهم الأحداث خلال الأزمات، لأن هذه الجهات تمتلك آليات واضحة للتحقق من المعلومات قبل نشرها، وهو ما يقلل احتمال تداول الأخبار غير الصحيحة.
وأكّد أنه من الضروري الوعي بأن سرعة انتشار الأخبار عبر المنصات الرقمية لا تعني بالضرورة أنها صحيحة أو موثوقة، فالتقنيات الحديثة تجعل تداول المعلومات أسرع من عمليات التحقق منها، لذلك يصبح من المهم التعامل مع الأخبار المتداولة بدرجة من الحذر والتفكير النقدي، والتريث قبل إعادة نشرها أو التعليق عليها حتى تتضح الصورة الكاملة.
ولفت إلى أن الوعي الإعلامي لدى الجمهور يُمثّل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب، عندما تتزايد محاولات التأثير في الرأي العام، ولهذا فإن التحقق من الصور ومقاطع الفيديو المتداولة والتأكد من تاريخها وسياقها، يساعد على تجنب الوقوع في فخ الأخبار المفبركة، أو المحتوى المقتطع من سياقه الحقيقي.
وأكّد أن على المستخدم إدراك أن بعض المعلومات التي تنتشر في أوقات التوتر أو الصراع قد تكون جزءاً من حملات تضليل إعلامي، تهدف إلى إثارة الخوف أو الانقسام داخل المجتمع، لافتاً إلى ضرورة التعامل مع المحتوى الرقمي بوعي ومسؤولية، والحرص على مشاركة المعلومات الموثوقة فقط، بما يُسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، ونشر خطاب إعلامي متوازن ومسؤول.
المصادر المعتمدة
بدوره، شدد المتحدث الرسمي للهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، الدكتور سيف جمعة الظاهري، خلال الإحاطة الإعلامية الأخيرة لحكومة الإمارات، على أهمية الاعتماد على المصادر المعتمدة، وعدم تداول المعلومات غير الدقيقة أو الشائعات، لافتاً إلى أن المنظومة الوطنية تعاملت منذ بداية الأحداث باحترافية عالية واستباقية، وفق أعلى معايير الجاهزية والاستعداد، وبتكامل وطني بين كل الجهات.
الشائعات الرقمية
من جانبه، قال رئيس قطاع البحوث في مركز تريندز للبحوث والاستشارات، محمد السالمي، إن الفضاء الرقمي يشهد خلال فترات الأزمات والتوترات السياسية والأمنية ارتفاعاً ملحوظاً في انتشار الشائعات والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت أحد أهم أماكن استقاء الأخبار لمعظم الناس.
ونبه السالمي إلى أن مروّجي هذه الشائعات يقومون باستغلال حالة القلق العام أو رغبة المواطنين والمقيمين في سرعة تداول المعلومات، لنشر روايات غير دقيقة أو مجتزأة، بهدف إرباك الرأي العام، وإحداث حالة من البلبلة داخل المجتمع، وفي كثير من الحالات تكون هذه الشائعات جزءاً مما يُعرف بالحرب المعلوماتية، حيث تُستخدم المعلومات المضللة أداةً للتأثير في الإدراك العام، وزعزعة الثقة بالمؤسسات الرسمية.
وحذّر من أن خطورة الشائعات تكمن في قدرتها على الانتشار بسرعة تفوق سرعة تصحيحها، فالأخبار الكاذبة تنتشر عبر الإنترنت بشكل أسرع وأوسع من الأخبار الصحيحة، ويؤدي ذلك إلى خلق بيئة إعلامية مشوشة قد تؤثر في الاستقرار المجتمعي، وقدرة الجمهور على التمييز بين المعلومات الموثوقة وغير الموثوقة.
وأكّد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعي وتكامل مسارات عدة، أهمها: تعزيز الوعي المجتمعي بمهارات التحقق من الأخبار، وسرعة إصدار المعلومات الرسمية وهذا ما هو ملحوظ في دولة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى الدور الذي تقوم به الجهات المختصة في رصد الحسابات التي تنشر معلومات مضللة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
الأهداف الكامنة
من جانبه، أكّد الكاتب والمحلل السياسي، عبدالعزيز المعمري، أنه خلال فترات الأزمات، يتزايد انتشار الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول هذه الوسائل إلى بيئة خصبة لتداول الشائعات والمعلومات غير الموثقة.
ولفت إلى أن الأهداف الكامنة وراء هذه الشائعات، كثيرة ومتعددة، من أخطرها محاولة إحداث حالة من الهلع والقلق والتشويش في المجتمع، حيث تسعى الشائعات إلى ضرب الثقة بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، وإضعاف الشعور بالأمان والاستقرار، وإشاعة تصورات مبالغ فيها عن حجم الأزمات أو التهديدات.
ونبه إلى أنه في كثير من الأحيان ترتبط هذه الحملات بأجندات تهدف إلى التأثير في الرأي العام داخل الدول المستهدفة، مستغلة مميّزات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل سرعة انتشار المعلومات وصعوبة ضبطها.
تضليل إعلامي
من جانبه، قال المستشار القانوني، الدكتور يوسف الشريف، إنه في ظل الظروف الراهنة وما شهدته دولة الإمارات ودول الخليج من اعتداءات غير مسؤولة، تتجلى أهمية الوعي المجتمعي والانضباط القانوني أكثر من أي وقت مضى، فالأزمات لا تختبر فقط قدرات الدول ومؤسساتها، بل تختبر كذلك وعي المجتمع في تعامله مع المعلومة والصورة والكلمة.
وأضاف أنه في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منصة مفتوحة لكل فرد، باتت الكلمة والصورة مسؤولية لا تقل أهمية عن أي دور آخر في حماية الاستقرار المجتمعي.
ونبه إلى أن المنصات الرقمية تحوّلت إلى ساحة موازية للأحداث، حيث يمكن لمقطع مصور أو صورة أو خبر غير دقيق أن ينتشر خلال دقائق، ويؤثر في الرأي العام على نطاق واسع.
وأكّد أنه في مثل هذه الظروف الحساسة، فإن تصوير بعض المواقع أو الأحداث ونشرها من دون تحقق أو تقدير للعواقب قد يؤدي إلى كشف معلومات غير مقصودة، أو تضخيم أحداث محدودة، أو إثارة القلق بين الناس، وهو ما قد تستغله الجهات المعادية في حملات التضليل الإعلامي.
كما أن التطور التقني أتاح أدوات أكثر خطورة، مثل تقنيات التزييف العميق، وفبركة الصور والمقاطع المصورة، وهي أدوات أصبحت تُستخدم في كثير من النزاعات، لإنتاج مشاهد غير حقيقية أو إعادة نشر مواد قديمة على أنها وقائع حالية.
ولفت إلى أنه مع انتشار الشائعات أو الأخبار المفبركة، قد يتحول المجتمع إلى ساحة ارتباك إعلامي، حيث تنتشر المعلومة غير الدقيقة أسرع من المعلومة الحقيقية، وتصبح الشائعة في أوقات الأزمات أداة قد تُحدث أثراً يفوق أثرها في الظروف العادية.
وأكّد أهمية التمييز بين حرية التعبير المشروعة وبين الأفعال التي تتحول إلى تحريض أو تشويه متعمد أو نشر لمعلومات مضللة تمس أمن المجتمع أو سمعته، كما أن بعض التصرفات التي قد يظنها البعض عفوية، مثل نشر مقاطع توحي بوقوع أحداث غير حقيقية أو القيام بأفعال من شأنها إثارة الذعر - كاستخدام الألعاب النارية في ظروف حساسة - قد تُفسَّر قانونياً على أنها تعريض للسلامة العامة أو إشاعة للفزع بين الناس.
وأشار إلى أن من الزوايا القانونية المهمة في هذا السياق، مسألة النية في التصوير أو النشر، فالقانون يميّز بين من يتعمد الإساءة أو التحريض وبين من يتصرف بدافع الفضول أو حسن النية، غير أن حسن النية لا يعفي دائماً من المسؤولية إذا ترتب على الفعل ضرر فعلي بالمجتمع أو أدى إلى نشر الخوف أو التضليل، فالمعيار القانوني لا يتوقف عند القصد وحده، بل يمتد إلى أثر الفعل ونتيجته في المجتمع.
ولفت إلى أن التشريعات في دولة الإمارات وضعت إطاراً واضحاً للتعامل مع مثل هذه الممارسات، خصوصاً في ما يتعلق بنشر الشائعات أو الأخبار الكاذبة أو المحتوى المضلل عبر الوسائل الإلكترونية، وتشمل العقوبات في هذه الحالات غرامات مالية كبيرة قد تصل إلى مبالغ مرتفعة، إضافة إلى عقوبات سالبة للحرية في بعض الجرائم، مع إمكانية مصادرة الوسائل المستخدمة في ارتكاب المخالفة، وقد يصل الأمر بالنسبة لغير المواطنين إلى الإبعاد عن الدولة في بعض الحالات التي تمس بالأمن العام أو الاستقرار المجتمعي.
المصدر:
الإمارات اليوم