يشكّل تخصيص عام 2026 «عام الأسرة» محطة مفصلية في مسار السياسات الاجتماعية والتنموية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتكامل الجهود الحكومية لترسيخ مكانة الأسرة بوصفها نواة المجتمع ومحور استدامته. وفي صميم هذا التوجه، يبرز قطاع الإسكان كأحد أكثر القطاعات التصاقاً بحياة الأسرة اليومية، لما له من دور مباشر في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، ودعم جودة الحياة، وتهيئة بيئة معيشية آمنة ومستدامة. ولا ينفصل الاهتمام بالإسكان في الإمارات عن الرؤية الشاملة التي تنتهجها الدولة، والتي تنظر إلى المسكن باعتباره أكثر من بنية تحتية، بل هو فضاء اجتماعي يحتضن الأسرة، ويمكّنها من النمو والتماسك، ويسهم في بناء مجتمع متوازن وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية.
يُعزّز عام الأسرة مساراً قائماً، لا ليؤسّسه من جديد، إذ ظلّ الإسكان أولوية وطنية، وقناعة راسخة بأن الاستقرار السكني يمهّد لاستقرار الأسرة وازدهار المجتمع. وخلال هذا العام، يتعزز هذا المسار بتسليط الضوء على العلاقة التكاملية بين السكن وجودة الحياة كدعامة لبناء أسرة متماسكة ومجتمع قادر على مواجهة التحديات المستقبلية. وتؤكد الرؤى والاستراتيجيات الوطنية أن توفير السكن المناسب لا يُقاس بعدد الوحدات فحسب، بل بقدرته على تلبية احتياجات الأسرة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وخلق بيئة داعمة للترابط الأسري والانتماء المجتمعي.
ويجمع الدرس الاجتماعي والتجربة الواقعية على أن المسكن الآمن والمستقر يمثل أحد أهم عوامل استقرار الأسرة. فغياب الاستقرار السكني غالباً ما ينعكس ضغوطاً نفسية واقتصادية تؤثر في العلاقات الأسرية وجودة الحياة. لذلك حرصت الجهات المعنية بالإسكان على تطوير سياسات تعالج هذا الجانب بعمق من خلال توفير حلول سكنية طويلة الأمد تقلّل القلق المرتبط بالسكن وتمنح الأسرة طمأنينة واستقرار. ويُنظر إلى المسكن في هذا السياق كمساحة حاضنة للقيم الأسرية ومكان يتيح للأفراد بناء روابطهم الاجتماعية، وهو ما ينسجم مع أهداف عام الأسرة في دعم التماسك الأسري.
وشهدت بنية الأسرة الإماراتية تحولات اجتماعية واقتصادية انعكست على احتياجاتها السكنية. واستجابة لذلك، عمل قطاع الإسكان على تحديث سياساته ومعاييره، مراعيًا تنوّع أحجام الأسر ومراحلها وتغيّر أنماط الحياة. وشملت السياسات تطوير نماذج سكنية مرنة وتصاميم قابلة للتكيّف مع نمو الأسرة، إضافة إلى اعتماد معايير تخطيط عمراني يوازن بين الخصوصية الأسرية والانفتاح المجتمعي، ما يعكس فهماً متقدماً لدور الإسكان في دعم استقرار الأسرة على المدى الطويل، لا كحل مرحلي أو مؤقت.
وفي إطار الاهتمام بالأسرة، أطلقت الجهات المختصة مبادرات وبرامج تستهدف تمكين الأسر من الحصول على سكن مناسب، مع تركيز خاص على فئة الشباب المقبلين على الزواج، والأسر الناشئة. وتتنوّع المبادرات بين برامج تمويلية ميسّرة، ومشاريع إسكانية مدعومة، وخيارات سكنية تراعي التوازن بين التكلفة وجودة المعيشة، بما يخفّف الأعباء الاقتصادية عن الأسرة، ويمنحها فرصة التخطيط لمستقبلها بثقة واستقرار.
وشهد قطاع إسكان المواطنين في السنوات الأخيرة إنجازات استثنائية، توّجت خلال العام السابق بمبادرات نوعية استهدفت تعزيز بناء الأسرة الإماراتية وترسيخ التماسك المجتمعي. وتضافرت الجهود الاتحادية والمحلية لترسيخ الاستقرار السكني كأحد أعمدة جودة الحياة. وفي أبوظبي ظهر نموذج متقدم في حجم الدعم وفعاليته، عبر ضخ أكثر من 15 مليار درهم في منافع إسكانية مباشرة استفادت منها أكثر من 10 آلاف أسرة، تجسيداً لسياسة تنموية تضع المواطن في قلب التخطيط وصناعة القرار. وعلى المستوى الاتحادي، استمرت برامج الإسكان في تحقيق نتائج متقدمة، حيث تجاوزت القيمة التراكمية للدعم الإسكاني المقدم للمواطنين مئات المليارات من الدراهم، وأسهمت في رفع معدلات تملك المواطنين للمساكن إلى مستويات عالمية.
لم يعُد التركيز في المشاريع الإسكانية مقتصراً على الوحدة السكنية فحسب، بل امتد إلى مفهوم المجتمع السكني المتكامل. وتبنّت الإمارات هذا النموذج في مشاريعها عبر توفير بيئات سكنية تضم مرافق تعليمية وصحية ومساحات خضراء ومراكز مجتمعية وبنية تحتية تدعم نمط حياة متوازن، ما يسهم في تعزيز الترابط الأسري والاجتماعي.
ويُعد الإسكان أحد مكوّنات منظومة جودة الحياة التي تحرص الإمارات على تطويرها ضمن سياساتها الوطنية. فالمسكن الملائم يؤثر مباشرة في الصحة النفسية والجسدية، وفي العلاقات الأسرية، وفي قدرة الأفراد على الإنتاج والمشاركة المجتمعية. ومن هذا المنطلق، تعمل الجهات المعنية على دمج معايير جودة الحياة في التخطيط الإسكاني، من جودة البناء والاستدامة إلى سهولة الوصول إلى الخدمات الأساسية. ويعكس هذا النهج إدراكاً بأن الاستثمار في الإسكان هو استثمار في الإنسان والأسرة والمجتمع ككل.
تتجه الرؤى نحو الاستمرار في تعزيز الاستقرار الأسري من خلال توسيع نطاق البرامج الإسكانية المستدامة وتطوير نماذج سكنية أكثر مرونة وتكاملاً مع الخدمات الأساسية والتعليمية والصحية، مع مواصلة تمكين المواطن من امتلاك مسكن يحفظ كرامته ويعزز المشاركة المجتمعية. وتؤكد المخرجات المستقبلية أن الإسكان سيظل ركيزة رئيسة لجودة الحياة والتماسك الاجتماعي، مع تحول مزيد من المشروعيات إلى منظومات سكنية متكاملة ومستدامة على المدى الطويل.
المصدر:
الإمارات نيوز