الصحافة الورقية السودانية بعد الحرب بين أنقاض المكاتب ورهانات المستقبل
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- لم يكن الكاتب الصحفي والناقد السوداني عثمان سعيد شبونة يتوقع أن يجد مكتبه بهذه الصورة بعد نحو 10 أشهر من الغياب. فالمكان الذي كان يكتب فيه ويدير منه عمله الصحفي، لم يعد كما تركه قبل الحرب.
وغير بعيد من شارع الجرائد الشهير وسط العاصمة الخرطوم، عاد عثمان ليقف على حجم النهب والتخريب الذي طال المقر.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 بين معركة الدمازين ومبادرة بولس.. إلى أين يتجه المشهد السياسي والعسكري في السودان؟
* list 2 of 2 السودان.. تصعيد الميدان ورهان الحوار end of list
ويقول للجزيرة نت إن المكان، الذي كان يشبه غرفة فندقية قبل الحرب، جُرّد من أثاثه ومحتوياته، بينما أدى تسرب مياه الأمطار عبر السقف إلى تلف أكثر من 90% من مكتبته الشخصية.
ويضيف أن قوات الدعم السريع أقدمت على حرق بعض كتبه لاستخدامها في إشعال الكابلات الكهربائية بهدف استخراج النحاس منها.
مصدر الصورة
مأوى مؤقت
لكن الحرب في السودان لم تترك منزله في حي بري بمنأى عن آثارها، فقد تعرض للدمار ولم يعد صالحا للسكن، مما دفع عثمان إلى إجراء تحسينات داخل مكتبه وتحويله إلى سكن ومأوى مؤقت يواصل منه عمله الصحفي وتغطياته.
ولم تكن حالة مكتبه، بحسب إفادته، استثناءً. إذ يقول عثمان إن جولته الميدانية كشفت عن تعرض مقار الصحف للنهب والتخريب، إلى جانب منازل المواطنين.
ويرى أن هذه الدور تحتاج إلى وقت حتى تعود إليها الحياة، لكنه يبدي تفاؤلا مع عودة أعداد من الصحفيين إلى الخرطوم خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لاستئناف العمل الصحفي واستعادة حضوره في المدينة.
مصدر الصورة
وفي جولة ميدانية أجرتها الجزيرة نت على عدد من مقار الصحف وسط الخرطوم، بدت آثار الحرب واضحة على المباني، إذ طالت عمليات النهب والتخريب التي قامت بها قوات الدعم السريع أجزاءً واسعة منها، فيما تعرضت بعض المكاتب لأضرار كبيرة، وبدت آثار الإهمال والدمار حاضرة في مساحات كانت حتى وقت قريب تعج بالصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية.
وتكشف هذه المشاهد جانبا من واقع الصحافة السودانية بعد الحرب، التي لم تفقد مقارها ومؤسساتها فحسب، بل اضطرت أيضا إلى إعادة ترتيب أدواتها وطرق عملها في ظل غياب البنية التقليدية للصحافة.
مصدر الصورة
توقف الصحافة الورقية
وقبيل اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، كانت نحو 20 صحيفة سياسية ورياضية تصدر في السودان، وإن كان بعضها يعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع التوزيع.
ومع اندلاع القتال، توقفت الصحافة الورقية بصورة كاملة، وتعرضت مقار المؤسسات الإعلامية ومطابعها للنهب والتخريب، فيما وجد الصحفيون أنفسهم أمام واقع جديد دفع كثيراً منهم إلى العمل عبر المواقع والمنصات الرقمية.
لكن الحرب لم تغيّر أماكن عمل الصحفيين فحسب، بل أعادت طرح سؤال أوسع حول شكل الصحافة السودانية في المرحلة المقبلة: هل تعود الصحيفة الورقية إلى دورها السابق؟ أم أن التحول الذي فرضته الحرب نحو القطاع الرقمي سيصبح واقعا دائما؟
مصدر الصورة
من جانبه، قال الصحفي عاصم عبد الله الفكي إن الصحفيين السودانيين يوجدون حاليا في "الأزقة والشوارع بلا مقار أو دور تأويهم" مما جعل الصحافة الرقمية والمنصات الإلكترونية والشخصية هي الملاذ السائد للجميع في الوقت الراهن.
وعزا -في حديثه للجزيرة نت- هذا التحول الرقمي إلى عوامل متعددة، أبرزها سرعة الانتشار والآنية، إضافة إلى المرونة التي تمكن الصحفي من إدارة منصته بنفسه، متوليا مهام التحرير والكتابة والإدارة.
وحول واقع الصحافة الورقية، أوضح عاصم أن عودتها تتطلب توفير مدخلات الصناعة من أوراق وأحبار وتقنيات طباعة.
ولفت إلى أن التكلفة المادية لإصدار الصحيفة الورقية المرتفعة تدفع المواطن في الظروف الحالية إلى منح الأولوية لاحتياجاته الأساسية، والحصول على الأخبار عبر الوسائط الإلكترونية بأقل التكاليف.
مصدر الصورة
فراغ كبير
بدوره، أكد الصحفي فايز عبد الله أن عودة الصحافة الورقية تتطلب ميزانيات ضخمة ودعما مباشرا من الدولة للناشرين، خاصة بعد أن قضت الحرب على معظم المؤسسات والمقار الصحفية.
ولفت فايز -في تصريحه للجزيرة نت- إلى أن تعطيل المجلس القومي للصحافة والمطبوعات فرض صعوبات جديدة، حيث حصر العمل الصحفي تحت مظلة قانون جرائم المعلوماتية المرتبط بالصحافة الإلكترونية.
وقدم مقترحات بهذا الشأن، من بينها إنشاء مجلس موحد للصحفيين يضم الصحافة الورقية والمواقع الإلكترونية، والتفكير في إصدار صحيفة ورقية واحدة موحدة كحل انتقالي، إلى جانب صياغة قانون موحد للإعلانات لضمان التمويل واستمرار المؤسسات.
آثار الحرب بادية على مقر صحيفة "السوداني" (الجزيرة)في المقابل، أكد الخبير الإعلامي خالد الفكي أن الصحافة الورقية تترك فراغا كبيرا لا يمكن سده، نظرا لكونها تمثل "ذاكرة الأمة السودانية والوعاء الأساسي لتوثيق الأحداث المفصلية في تاريخ البلاد".
وكشف خالد -في حديثه للجزيرة نت- عن مساعٍ وتحركات جارية لإعادة إصدار عدد من الصحف الورقية، متوقعا "العودة الميدانية لإصدارات بارزة مثل صحف مصادر والصحافة والتيار" لتلتحق بصحيفة الدستور التي بدأت ممارسة نشاطها بالفعل.
وشدد خالد على ضرورة تدخل الدولة لمساندة الصحفيين ومساعدتهم على استعادة دورهم "التاريخي والمؤسسي".
مقار المؤسسات الإعلامية ومطابعها نُهبت وخُربت أثناء وجود "الدعم السريع" بالخرطوم (الجزيرة)