شعبية المستشار ميرتس أمام تحدي تصاعد مشاعر الحنين إلى عهد ميركل
السترة الزرقاء الزاهية والسِروال الأسود، وتسريحة الشعر المعروفة. تقول امرأة وهي تلقي نظرة على صورة أنغيلا ميركل الرسمية كمستشارة في متحف بوده ببرلين: "إنها فعلا هنا". اللوحة التي رسمها الفنان جيريمي كويراس تجذب عددا كبيرا مفاجئا من الزوار، ما دفع المتحف إلى تمديد عرضها لثلاثة أشهر إضافية حتى الثالث من يناير/كانون الثاني المقبل بدلا من الموعد المقرر سابقا. ويوم الأحد (الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2026) وقعت ميركل بطاقات بريدية تحمل صورة اللوحة.
طابور طويل للحصول على توقيع ميركل
جلست ميركل إلى جانب الرسام أمام اللوحة نفسها، فيما بدا الإقبال كبيرا للغاية. إذ امتد الطابور أمام طاولة التوقيع حتى مدخل المتحف، رغم أن بعض الحاضرين أكدوا أنهم جاؤوا خصيصا من أجل المعرض. ووفقا لمتحدث باسم المتحف، تم توفير نحو 450 تذكرة لجلسة التوقيع، منها حوالي 300 تذكرة للحجز المسبق، وقد نفدت جميعها خلال ساعات قليلة.
وبعد نحو خمس سنوات من مغادرتها منصبها كمستشارة، تبدو ميركل (72 عاما) وكأنها عادت بقوة إلى المشهد العام. ففي فبراير/ شباط حضرت مجددا مؤتمر حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحظيت باستقبال حافل. ثم انتشرت شائعات، سرعان ما نفيت، حول احتمال توليها منصب رئيسة الجمهورية خلفا للرئيس الحالي فرانك فالتر شتاينماير، أو لعب دور وسيطة في الحرب الأوكرانية. كما ظهرت في معارض رقمية، وفي لقاءات مع الشباب، وحتى على منصة تيك توك.
وبالطبع واصلت جولاتها للترويج لكتاب مذكراتها سيرتها الذاتية. وبحسب دار النشر، بيعت أكثر من مليون نسخة من كتابها المؤلف من 736 صفحة بعنوان "الحرية" حول العالم. ولا يزال المئات يتوافدون إلى قراءاتها وجلسات توقيعها. والسؤال هو: لماذا كل هذا الحضور لميركل والاهتمام الجماهيري بها؟
وقف الزوار في طابور طويل من القاعة حتى مدخل المتحف ينتظرون دورهم في الحصول على توقيع ميركل لهم على بطاقة بريدية تحمل صورتهاصورة من: Carsten Koall/dpa/picture allianceالهدوء والشعور بالأمان
تقول مارلين هانيمان، التي حضرت إحدى قراءات ميركل في متحف "بينيمونده/ Peenemünde" التاريخي والتقني: "لقد أبهرتني أنغيلا ميركل دائما بهدوئها، وبالطريقة التي كانت تتعامل بها مع رجال مثل بوتين من دون أي انفعال". وتضيف: "كما أن الطريقة التي قادت بها بلدنا بهدوء، على الأقل من وجهة نظر خارجية، منحتني شعورا كبيرا بالأمان". وتتابع: "كنت دائما أعتقد أنها تعرف جيدا كيف يجب أن تتخذ قراراتها".
وفي الصفوف الأمامية جلست أنيت لورمان إلى جانب زوجها، وكانت وجهة نظرها مشابهة، تقول: "لا أزال معجبة بالسيدة ميركل وبما حققته، وبمسار حياتها". صحيح أن كل من يشغل منصبا عاما قد يرتكب أخطاء، لكن "ما أنجزته خلال أزمة كورونا وأزمة اللاجئين أمر ليس من السهل على أي شخص آخر أن يحققه بصورة أفضل". وهي سعيدة برؤية المستشارة السابقة مباشرة شخصيا لأول مرة.
"الاعتدال والوسطية"
وعندما ظهرت ميركل على المسرح، كانت ترتدي هذه المرة سترة زرقاء. لوحت للحضور ثم جلست إلى طاولة القراءة. وعلى مدى 90 دقيقة تحدثت بالنبرة المألوفة التي عرفها الألمان خلال 16 عاما من حكمها. تنقلت بين طفولتها في "تيمبلين" ووصولها إلى المستشارية، مرورا بمقولتها "نستطيع إنجاز ذلك" وأزمة صعود حزب البديل من أجل ألمانيا، وصولا إلى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وجائحة كورونا.
وصفق لها الجمهور بحرارة شديدة عندما دعت إلى الدفاع عن الديمقراطية ، وعندما وجهت رسالة إلى خلفائها قائلة: "الاعتدال والوسطية هما الأساس والشرط المسبق لنجاح الأحزاب الديمقراطية".
في زمن يتسم بالاضطرابات والأزمات يشعر الألمان بالحنين إلى عهد ميركل والشعور بالأمان والاستقرار صورة من: Carsten Koall/dpa/picture allianceتحدٍ صعب أمام فريدريش ميرتس
بالنسبة إلى المستشار الحالي فريدريش ميرتس ، تمثل مثل هذه النصائح تحديا صعبا. فقد أراد زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي أن يسلك نهجا مختلفا عن وعي، ووعد بإحداث تغيير وتجديد كبيرين. لكن بعد أكثر قليلاً من عام على توليه المنصب، تراجعت شعبيته متدنية إلى مستويات تاريخية. ووفقا لاستطلاع أجري لصالح القناة الأولى الألمانية (ARD)، أعرب تسعة من كل عشرة مشاركين (90 بالمئة) عن عدم رضاهم أو عدم رضاهم الشديد عن أداء ميرتس.
كما تجاوز حزب البديل من أجل ألمانيا الاتحاد الديمقراطي المسيحي في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. ويكافح ميرتس للحفاظ على سلطته السياسية، بينما يواجه خلافات متكررة مع شريكه في الائتلاف، الحزب الاشتراكي الديمقراطي .
خطأ ميرتس القاتل
يقول بيتر ماتوشيك، المدير التنفيذي لمعهد فورزا لاستطلاعات الرأي: "عندما يُسأل الناس اليوم عن المقارنة، ترى الأغلبية أن ميرتس لا يحكم البلاد بصورة أفضل من سلفه أولاف شولتس الذي كان ينتقده باستمرار".
ويضيف: "أما مع ميركل، فالتقييم لصالحها أوضح بكثير. وربما يلعب الحنين إلى الماضي دورا هنا، لكن الحقيقة أنها كانت تتمتع أيضا خلال سنواتها في الحكم بمعدلات تأييد مرتفعة جدا".
ويرى ماتوشيك أن رهان ميرتس على العودة إلى "الاتحاد الديمقراطي المسيحي الخالص " ونهج أكثر محافظة وتميزا، كان خطأ قاتلا . ويقول: "على مستوى الناخبين، انقلب هذا النهج عليه تماما. فحتى في آخر انتخابات خاضتها ميركل، حصل الحزب على ما يقرب من 33 بالمئة من الأصوات، بينما حقق الاتحاد المسيحي بقيادة ميرتس في انتخابات فبراير/شباط 2025 نسبة 28,6 بالمئة فقط. أما في الاستطلاعات الحالية، فتتراوح نسبة التأييد بين 18 و20 بالمئة.
مسألة أسلوب
صحيح أن الظروف اليوم مختلفة، فالحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط مستمرة، والأغلبية البرلمانية في برلين أكثر هشاشة، والأجواء السياسية أكثر توترا، لكن رغم ذلك، يراقب بعض أعضاء الاتحاد الديمقراطي المسيحي ظاهرة الحنين إلى ميركل باهتمام.
ويقول مسؤولون داخل الحزب إن الأمر يرتبط أيضا بأسلوب المستشارة السابقة. فعلى عكس شولتس وميرتس، لا يزال كثيرون يرون في ميركل شخصية متواضعة وصادقة وقريبة من الناس، بعيدة عن الاستعراض أو التظاهر.
ويعتقد بعض أعضاء الحزب أن العالم بدا خلال فترة حكمها أكثر وضوحا وأقل تعقيدا. فقد نجحت ميركل في إعطاء الانطباع بأن الأزمات التي واجهتها البلاد آنذاك كانت قابلة للسيطرة، حتى وإن لم يكن ذلك صحيحا إلا جزئيا. ويبدو أن كثيرا من الشباب الذين نشأوا في عهدها يشتاقون إلى ذلك الشعور بالأمان وإلى أسلوبها السياسي التوافقي البعيد عن الاستقطاب.
"رفض الانجرار إلى الغضب"
ينظر الباحث السياسي، كارل رودولف كورته أيضا إلى ميركل بالطريقة نفسها. ويقول الأستاذ الفخري في جامعة دويسبورغ-إيسن: "في زمن ديمقراطية الإثارة والضجيج الذي نعيشه، من المفيد أن نختبر من جديد ذلك الرفض الميركلي للانجرار وراء موجات الغضب والاستنكار."
ويضيف: "إن هذا الود الرئاسي الذي يتجاوز الانتماءات الحزبية، والذي يتسم بقدر غير معتاد من البساطة الخالية من التكلف، يُعد أمرا استثنائياً في جمهورية برلين التي يكثر فيها الساعون إلى لفت الأنظار وإظهار الأهمية."
ويرى كورته أن ميركل، ولا سيما بعد مغادرتها المنصب، لا تتحدث بلغة تكنوقراطية معقدة، بل بلغة يفهمها الجميع. ويختتم حديثه قائلا "الجميع يفهمها".
هل يتمنى الناس عودتها؟
لكن هل يرغب الألمان فعلا في عودة ميركل إلى المستشارية بدلا من ميرتس؟ يبدو أن كثيرين لا يزالون يثقون بقدراتها حتى في ظل الظروف الحالية. إذ يعتقد ما يقرب من نصف الألمان أن ميركل ستكون أكثر كفاءة من المستشار الحالي فريدريش ميرتس، في التعامل مع المشاكل الحالية التي تواجهها البلاد، وفقا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة يوغوف بتكليف من وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ). وأيد نحو 48 بالمئة ميركل في هذه المقارنة، بينما يرى 29 بالمئة أن كلا الشخصيتين المنتميتين للحزب الديمقراطي المسيحي تتمتعان بنفس القدرة على مواجهة تحديات ألمانيا. وفي المقابل، اعتبر 8 بالمئة فقط أن ميركل أقل كفاءة من ميرتس.
وتأتي هذه النتائج في الوقت الذي يعاني فيه ميرتس من معدلات تأييد متدنية، وتكافح حكومته الائتلافية للتوصل إلى اتفاق بشأن مجموعة من القضايا الخلافية.
وحكمت ميركل ألمانيا لمدة 16 عاما من عام 2005 إلى عام 2021، وقضت معظم تلك الفترة على رأس حكومات ائتلافية ضمت الحزب الديمقراطي الاشتراكي، وهو الشريك الائتلافي الحالي لميرتس أيضا.