من البحث عن منتج إلى مشاهدة مقطع فيديو وتحديد الموقع، ينتج المستخدم يوميا كميات هائلة من البيانات التي أصبحت موردا اقتصاديا للمنصات الرقمية والشركات. فكم تساوي هذه البيانات؟ وكيف تتحول إلى إيرادات وأرباح؟ ومن يحصل على القيمة الناتجة عنها؟

لا توجد إجابة رقمية موحدة لقيمة بيانات الفرد، إذ تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن قيمة البيانات تعتمد بدرجة كبيرة على طريقة إنشائها ومشاركتها واستخدامها وإدارتها، كما أن البيانات أصبحت مدخلا رئيسيا في إنتاج العديد من السلع والخدمات.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 إعلانات داخل "شات جي بي تي".. بين توسيع الوصول ومخاوف الخصوصية
* list 2 of 2 وكلاء الذكاء الاصطناعي يغيرون قواعد المنافسة على المستهلك end of list

من خدمة مجانية إلى قيمة اقتصادية

كل عملية بحث أو زيارة لموقع أو استخدام تطبيق يمكن أن تنتج بيانات، مثل:


* سجل التصفح.
* عمليات البحث.
* الموقع الجغرافي.
* نوع الجهاز.
* الوقت الذي يقضيه المستخدم في خدمة معينة.
* المنتجات التي يبحث عنها أو يضيفها إلى سلة الشراء.

ولا تكمن القيمة الاقتصادية لهذه البيانات بالضرورة في كل معلومة منفردة، وإنما في إمكانية جمع كميات كبيرة منها وتحليلها واستخلاص أنماط تساعد الشركات على:


* اتخاذ القرارات الاستثمارية والتسويقية.
* تحسين المنتجات والخدمات.
* فهم سلوك العملاء والتنبؤ به.
* توجيه الإعلانات فائقة الاستهداف.

وتوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن البيانات أصبحت مدخلا أساسيا للإنتاج، وأن قيمتها لا تتحدد بمجرد حجمها، بل تتأثر بالسياق الذي تستخدم فيه وبقواعد الحوكمة التي تحدد كيفية إنشائها ومشاركتها واستخدامها.

وهنا تظهر إحدى الخصائص الأساسية لاقتصاد البيانات: البيانات ليست سلعة تقليدية لها سعر موحد يمكن وضعه على كل سجل أو معلومة.

فقد تكون معلومة محدودة القيمة بمفردها، لكنها تصبح أكثر فائدة عند ربطها ببيانات أخرى أو استخدامها داخل نموذج تحليلي أو تجاري.

مصدر الصورة قيمة البيانات تعتمد بدرجة كبيرة على طريقة إنشائها ومشاركتها واستخدامها وإدارتها (غيتي)

كم تساوي بيانات الفرد؟

لا يوجد حتى الآن سعر محدد لبيانات المستخدم الواحد، ولا يمكن القول مثلا إن بيانات شخص ما تساوي مبلغا محددا من الدولارات.

إعلان

يرجع ذلك إلى أن قيمة البيانات تتغير بحسب نوعها ودقتها وحداثتها والغرض من استخدامها، فضلا عن إمكانية إعادة استخدامها في أغراض متعددة.

ولهذا تتحدث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن تعدد طرق تقييم البيانات وصعوبة اعتماد مقياس واحد لقيمتها الاقتصادية.

والأهم اقتصاديا أن قيمة البيانات قد لا تظهر في فاتورة يدفعها المستخدم.

فعندما يستخدم شخص محرك بحث أو منصة اجتماعية أو خدمة رقمية مجانا، قد تكون البيانات الناتجة عن استخدامه جزءا من المدخلات التي تساعد الشركة على تطوير الخدمة أو تحسين الاستهداف الإعلاني أو تحليل سلوك العملاء.

لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس: كم تدفع الشركة مقابل بيانات الفرد؟ بل: ما القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنتجها البيانات بعد جمعها وتحليلها واستخدامها؟ ومن يستفيد من هذه القيمة؟

وفي هذا السياق، يوضح الخبير في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هاني البطش -في حديث للجزيرة نت- أن البيانات الشخصية أصبحت أصلا إستراتيجيا لا يُقاس برقم ثابت لبيانات الفرد، مشيرا إلى أن العملية لا تنتج مجرد سجل للمواقع، بل تشكل "بصمة رقمية" متكاملة.

ويضيف البطش أن الذكاء الاصطناعي "لم يعد يكتفي بالمعلومات التي نقدمها عن أنفسنا بل يستطيع تحليل سلوكنا واستخراج استنتاجات واحتمالات".

وتابع "قد لا أقول للشركة إنني أفكر بشراء سيارة، لكن إذا بحثت وشاهدت مراجعات وقارنت الأسعار، تستنتج الخوارزميات اهتمامي الشديد بالشراء".

سوق الإعلان الرقمي.. المقياس الأوضح لاقتصاد البيانات

يمكن قياس جزء من اقتصاد البيانات من خلال سوق الإعلان الرقمي، وإن كان من الخطأ اعتبار إيراداته معادلة لقيمة بيانات المستخدمين نفسها.

فقد بلغت إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة 294.6 مليار دولار عام 2025، بزيادة 13.9% على أساس سنوي، وفقا لتقرير رابطة الإعلان التفاعلي (IAB) الذي أعدته شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" (PwC).

ولا تعني هذه الأرقام أن البيانات الشخصية تساوي 294.6 مليار دولار، فالإعلان الرقمي سوق متكاملة يدخل فيها الإنفاق الإعلاني والمنصات والمحتوى والتقنيات وغيرها، لكنها تكشف حجم الاقتصاد الذي أصبحت البيانات والتحليلات جزءا أساسيا من بنيته.

ومع توسُّع الذكاء الاصطناعي، تتزايد أهمية البيانات بوصفها مادة خاما للتدريب والتحليل وتطوير المنتجات، وهو ما يرفع أهمية السؤال المتعلق بمن يستطيع الوصول إلى مجموعات البيانات الكبيرة ومن يملك القدرة التقنية على تحويلها إلى قيمة اقتصادية.

مصدر الصورة كل عملية بحث أو زيارة لموقع أو استخدام تطبيق يمكن أن تنتج بيانات (غيتي)

ماذا تعرف المنصات عنك؟

لا تقتصر البيانات على المعلومات التي يدخلها المستخدم بنفسه. فقد تشمل أيضا بيانات ناتجة عن طريقة استخدامه للمنصات والمواقع المختلفة، مثل الصفحات التي يزورها وعمليات البحث ومدة التصفح والجهاز المستخدم والموقع والمنتجات التي يبحث عنها أو يتفاعل معها.

كما يمكن أن تأتي بعض البيانات من تقنيات التتبع التي تتيح ربط النشاط الرقمي للمستخدم عبر مواقع وخدمات مختلفة.

هذه البيانات لا تصبح ذات قيمة لمجرد جمعها، وإنما عندما تستطيع الشركات تنظيمها وتحليلها وربطها بقرارات تجارية.

إعلان

ومن هنا تنشأ الفجوة بين المعلومة التي ينتجها المستخدم والقيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنتجها الشركة من تحليل تلك المعلومة.

هل تبيع الشركات بياناتك؟

اختزال اقتصاد البيانات في فكرة بيع الشركات بيانات المستخدمين يحجب جزءا كبيرا من طريقة توليد القيمة في السوق الرقمية.

فالقيمة يمكن أن تتولد من استخدام البيانات داخل الشركة نفسها، مثل تحسين المنتجات وتحليل العملاء والتنبؤ بالطلب وتخصيص المحتوى والإعلانات، كما يمكن أن تشمل مشاركة البيانات أو إتاحتها لأطراف أخرى وفقا لنموذج العمل والقوانين وشروط الخدمة.

ولهذا فإن القضية الاقتصادية الأساسية لا تتعلق فقط بعملية البيع المباشر، بل بسلسلة كاملة تبدأ من جمع البيانات، ثم تخزينها وتحليلها، ثم تحويلها إلى معرفة أو خدمة أو قرار تجاري.

ويؤكد الخبير هاني البطش هذه الفكرة للجزيرة نت قائلا "أهم تحول حدث مع الذكاء الاصطناعي هو الانتقال من اقتصاد جمع البيانات إلى اقتصاد فهم البيانات والتنبؤ من خلالها. نحن نرى نقرة واحدة، لكن الخوارزمية تراها ضمن آلاف الإشارات المرتبطة بسلوكنا".

ويضيف "لذلك أصبحت البيانات الشخصية جزءا من القيمة الاقتصادية للشركات، ليس بالضرورة لأنها تبيع بياناتنا مباشرة، وإنما لأنها تستطيع استخدامها لتحسين قراراتها وزيادة كفاءة عملياتها وتقديم خدمات أكثر دقة وتحقيق إيرادات أكبر".

مصدر الصورة

قضايا تنظيمية وانتهاكات الخصوصية

وتكشف قضايا تنظيمية في الولايات المتحدة كيف يمكن تحويل بيانات المستخدمين إلى أصل تجاري. ففي قضية شركة أفاست (Avast)، قالت لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية إن الشركة جمعت معلومات تصفح المستخدمين عبر برامج مكافحة الفيروسات وإضافات المتصفح، ثم باعتها عبر شركتها التابعة جامب شوت (Jumpshot) لأكثر من 100 طرف آخرين، بينهم شركات إعلانات وتسويق وتحليلات ووسطاء بيانات.

وذكرت اللجنة أن البيانات تضمنت عمليات البحث والمواقع التي زارها المستخدمون، بما يمكن أن يكشف معلومات حساسة عن الصحة والمعتقدات الدينية والميول السياسية والوضع المالي والموقع.

وفي يونيو/حزيران 2024، أصدرت اللجنة أمرا نهائيا يحظر على أفاست (Avast) بيع أو ترخيص بيانات تصفح الويب لأغراض إعلانية، ويلزمها بدفع 16.5 مليون دولار، إلى جانب حذف البيانات التي نقلت إلى جامب شوت (Jumpshot) وإبلاغ المستهلكين المتضررين.

وتظهر قضايا أخرى أن بيانات الموقع الجغرافي أصبحت بدورها جزءا من اقتصاد البيانات.

فقد خلصت لجنة التجارة الفدرالية، في أمر نهائي ضد وسيط البيانات "إكس-مود" (X-Mode) وخلَفه "أوت لوجيك" (Outlogic)، إلى حظر بيع أو مشاركة بيانات الموقع الحساسة، بعد اتهامات بأن الشركة باعت بيانات دقيقة يمكن أن تكشف زيارات أشخاص إلى مواقع حساسة، بينها عيادات صحية وأماكن عبادة.

وفي قضية منفصلة، اتهمت اللجنة شركة "إن ماركت" (InMarket) بجمع بيانات الموقع من تطبيقاتها وتطبيقات تستخدم أدواتها البرمجية، ودمجها مع بيانات أخرى لإنشاء شرائح للمستهلكين واستهدافهم إعلانيا؛ وانتهى الأمر بحظر بيع أو مشاركة بيانات الموقع الدقيقة.

وتوضح هذه القضايا أن القيمة الاقتصادية للبيانات لا ترتبط فقط باسم المستخدم، بل أيضا بالقدرة على استخراج معلومات واستنتاجات حساسة من أنماط التصفح والحركة.

مصدر الصورة طرق تقييم البيانات تتعدد مع صعوبة اعتماد مقياس واحد لقيمتها الاقتصادية (غيتي)

البيانات وتحديد الأسعار

قد يصل استخدام البيانات إلى مجال أكثر حساسية، هو تحديد السعر الذي يعرض على المستهلك.

ففي دراسة نشرتها في يناير/كانون الثاني 2025، بحثت لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية في تقنيات "التسعير القائم على المراقبة"، وقالت إن بعض الشركات قد تستخدم معلومات مثل الموقع الدقيق وسِجل تصفح الإنترنت، بل وحتى حركات مؤشر الفأرة والمنتجات التي أضيفت إلى سلة التسوق ولم يتم شراؤها، لتحديد أسعار أو عروض مختلفة للمستهلكين.

إعلان

ولا تعني الدراسة أن كل متجر أو منصة يستخدم هذه الأساليب، لكنها توضح كيف يمكن للبيانات التي تبدو في ظاهرها معلومات عادية عن سلوك المستخدم أن تتحول إلى مدخل في قرار اقتصادي مباشر يتعلق بالسعر.

ويرى البطش أن السؤال الجوهري في الاقتصاد الرقمي اليوم لم يعد مجرد "ماذا تعرف الشركة عني؟"، بل السؤال الأكثر إثارة وتأثيرا اقتصاديا "ماذا تستطيع الشركة أن تستنتج عني من أشياء لم أخبرها بها أصلا؟" وهنا تحديدا تظهر القوة الاقتصادية الحقيقية للبيانات في عصر الذكاء الاصطناعي.

من يحصل على قيمة البيانات؟

المستخدم ينتج البيانات من خلال نشاطه، والشركة قد تنفق على جمعها وتخزينها وتحليلها، ثم تستخدم النتائج لتطوير خدمة أو استهداف إعلان أو اتخاذ قرار تجاري، وبين هذه المراحل تتشكل قيمة اقتصادية يصعب فصل مساهمة كل طرف فيها.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن قيمة البيانات ترتبط بإطار الحوكمة الذي يحدد كيفية إنشائها ومشاركتها واستخدامها.

وبذلك تصبح قواعد الوصول إلى البيانات واستخدامها ونقلها جزءا من البنية الاقتصادية للسوق، وليست مجرد مسألة تقنية أو قانونية.

ومن هذا المنظور، فإن قوانين حماية البيانات لا تتعلق فقط بحماية الخصوصية، بل تحدد أيضا الشروط التي يمكن في ظلها تحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية.

مصدر الصورة إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة بلغت 294.6 مليار دولار عام 2025 (أسوشيتد برس)

أوروبا وحدود استخدام البيانات

ظهر هذا النقاش بوضوح في أوروبا، حيث أعلنت المفوضية الأوروبية في يوليو/تموز 2024 أن نتائجها الأولية في قضية نموذج "الدفع أو الموافقة" الذي تستخدمه شركة ميتا (الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام) أظهرت مخاوف من أن الخيار المعروض على المستخدمين قد يدفعهم إلى الموافقة على جمع بياناتهم ودمجها لأغراض الإعلانات المخصصة، من دون توفير خيار مكافئ أقل اعتمادا على البيانات.

وأكدت المفوضية حينها أن النتائج كانت أولية وليست قرارا نهائيا. وتكشف القضية عن سؤال اقتصادي يتجاوز الخصوصية: إذا كانت البيانات أحد مدخلات نموذج الأعمال الرقمي، فما حدود قدرة الشركة على الحصول عليها مقابل تقديم خدمة رقمية؟

المنطقة العربية.. سوق إعلانية تتجاوز 8 مليارات دولار

لا يقتصر زخم اقتصاد البيانات على الأسواق الغربية، إذ تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولا ملموسا يتجلى في قفزات غير مسبوقة للإنفاق الإعلاني الرقمي، بالتوازي مع تسارع خطى البيئة التنظيمية لحماية الخصوصية وحوكمة البيانات.

ووفقا لأحدث التقارير الصادرة عن "مكتب الإعلانات التفاعلية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (IAB MENA)، واصل حجم الإنفاق على الإعلان الرقمي في المنطقة مساره التصاعدي المتسارع؛ إذ ارتفع من 6.95 مليارات دولار عام 2024 ليتجاوز حاجز 8.18 مليارات دولار عام 2025 بنسبة نمو سنوي بلغت نحو 17.8%.

ولا تمثل هذه الأرقام قيمة بيانات المستخدمين، لكنها تعكس حجم أحد الأسواق التي تعتمد على البيانات والتحليلات في استهداف الجمهور وقياس سلوكه.

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد قفزات غير مسبوقة للإنفاق الإعلاني الرقمي (غيتي)

تشريعات لحماية البيانات

ولحماية بيانات المستخدمين اتجهت دول عدة إلى وضع أطر قانونية لتنظيم جمع البيانات الشخصية ومعالجتها ونقلها واستخدامها.

ففي السعودية يمنح نظام حماية البيانات الشخصية الأفراد حقوقا تتعلق بمعرفة الأساس النظامي والغرض من جمع البيانات، والوصول إليها والحصول عليها وتصحيحها، وطلب إتلافها وسحب الموافقة في الحالات التي يسمح بها النظام، مع وجود استثناءات وضوابط قانونية.

وفي قطر، ينظم القانون رقم 13 لسنة 2016 بشأن حماية خصوصية البيانات الشخصية معالجة البيانات الشخصية، ويقرر حق الفرد في الخصوصية، ويشترط في الأصل موافقة الشخص على معالجة بياناته إلا في الحالات التي يسمح بها القانون.

والبيانات المتعلقة بالصحة والحالة الجسدية والنفسية مصنفة ضمن البيانات الشخصية ذات الطبيعة الخاصة، ويخضع التعامل معها لضوابط إضافية.

وتكتسب هذه القواعد أهمية اقتصادية لأن تحديد من يستطيع جمع البيانات، ولأي غرض، وكيف يمكن الاحتفاظ بها أو مشاركتها، يحدد بدوره المساحة التي تستطيع الشركات والمؤسسات التحرك فيها لتحويل البيانات إلى خدمات أو إيرادات أو أصول معرفية.

البيانات الصحية.. أصول وطنية وإستراتيجية

تظهر القيمة الاقتصادية والإستراتيجية للبيانات بصورة أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر بالبيانات الصحية، التي قد تجمع معلومات واسعة عن ملايين الأشخاص.

إعلان

وفي تحقيق نشره موقع "بروبابليكا" (ProPublica) في 17 يونيو/حزيران 2026، بعنوان "الاستعمار الرقمي: مطالب أمريكية بالوصول إلى بيانات الأفارقة تثير مخاوف بشأن الخصوصية والسيادة"، تناول التحقيق اتفاقات مساعدات صحية أمريكية جديدة مع دول أفريقية، وركز على ما تتضمنه من ترتيبات للوصول إلى البيانات.

ووفقا للتحقيق، ينص الاتفاق مع أوغندا على حصول الولايات المتحدة على وصول مباشر وفوري إلى 9 أنظمة للبيانات الصحية لمدة 7 سنوات، من بينها:


* مستودع البيانات المركزي.
* بيانات المختبرات.
* البيانات التي يجمعها العاملون الصحيون في المجتمع.
* نظام السجلات الطبية الإلكترونية للأفراد.

في المقابل، ستقدم الولايات المتحدة لأوغندا ما يصل إلى 1.7 مليار دولار على مدى 5 سنوات لتعزيز الأمن الصحي العالمي وعلاج أمراض والوقاية منها، بينها الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية وشلل الأطفال.

وتقول وزارة الخارجية الأمريكية إن البيانات التي ستتم مشاركتها ستكون مجمعة ومنزوعة المعلومات التي تحدد هوية الأشخاص، وإن مشاركة البيانات ستتوافق مع قوانين كل دولة وموافقاتها، وإن الحكومة الأمريكية لن تتلقى أو تشارك معلومات شخصية تحدد هوية أصحابها.

لكن التحقيق نقل عن خبراء في الخصوصية والصحة العالمية مخاوف من اتساع بعض بنود الاتفاقات، ومن إمكانية إعادة التعرف على الأشخاص من بيانات جرى إخفاء هوياتهم باستخدام تقنيات متقدمة.

مطالب أمريكية بالوصول إلى بيانات الأفارقة تثير مخاوف بشأن الخصوصية والسيادة (أسوشيتد برس)

المساعدات مقابل البيانات

وتوضح الحالة الأوغندية كيف يمكن أن تصبح البيانات جزءا من معادلة اقتصادية تتجاوز قيمتها المباشرة.

ففي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت مجموعات البيانات الصحية الكبيرة ذات قيمة محتملة للشركات التي تستخدمها في تدريب النماذج وتطوير التقنيات الصحية.

ويشير تحقيق "بروبابليكا" إلى أن صناعة شراء وبيع مجموعات المعلومات الصحية تقدر بمليارات الدولارات، في حين أصبحت دول عدة تنظر إلى السجلات الصحية لمواطنيها باعتبارها أصولا وطنية يمكن أن تمنح مزايا اقتصادية وإستراتيجية.

وهنا لا يعود السؤال متعلقا فقط بمن يملك حق الوصول إلى البيانات، بل بمن يحصل على القيمة التي تنتج عنها لاحقا: هل تبقى داخل الدولة التي أنتجت البيانات؟ أم تنتقل إلى شركات أو مؤسسات قادرة على تحويلها إلى منتجات وأدوية ونماذج ذكاء اصطناعي؟

وتبرز الأرقام التي أوردها التحقيق هذه المسألة بوضوح؛ ففي كينيا، ارتبط الحصول على 1.6 مليار دولار من المساعدات بإتاحة الوصول إلى 7 سنوات من السجلات الصحية، وهي مدة تزيد عامين على فترة الدعم المالي الأمريكي.

كما وجد التحقيق أن 5 من أصل 6 اتفاقات راجعها بشأن مشاركة عينات مسببة للأوبئة تنص على أن الحكومة الأمريكية "تعطي الأولوية" لطلب الدولة صاحبة العينة بعد تلبية الاحتياجات الأمريكية، بينما تضمن الاتفاقية مع نيجيريا وصولا ذا أولوية إلى المنتجات الطبية التي تطور باستخدام العينات، بل والتبرع بها.

لماذا يصعب وضع سعر للبيانات؟

تكشف هذه الأمثلة سبب صعوبة اختزال اقتصاد البيانات في رقم واحد. فالبيانات الشخصية قد تكون قيمتها محدودة في شكلها الخام، لكنها قد تصبح ذات قيمة كبيرة عندما تتراكم وتترابط وتدخل في نماذج تحليلية أو تجارية.

في المقابل، فإن القيمة لا تعتمد على البيانات وحدها، بل على البنية التكنولوجية والخبرة والقدرة على تحليلها وتحويلها إلى منتج أو قرار.

لهذا تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تعدد مناهج تقييم البيانات، وإلى صعوبة قياس قيمتها الاقتصادية، خصوصا أن معظم البيانات لا يجري تداولها في الأسواق بصورة مباشرة.

البيانات يمكن أن تكون مصدرا للقيمة الاقتصادية والاجتماعية (أسوشيتد برس)

التكلفة الحقيقية للخدمات المجانية

قد لا يدفع المستخدم مقابلا ماليا مباشرا نظير استخدام محرك بحث أو منصة اجتماعية أو تطبيق، لكن ذلك لا يعني أن العملية خالية من قيمة اقتصادية.

فالبيانات الناتجة عن الاستخدام تدخل في اقتصاد أوسع يشمل الإعلان الرقمي، وتحليل العملاء، وتطوير المنتجات، والتسعير، والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.

ويشير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن البيانات يمكن أن تكون مصدرا للقيمة الاقتصادية والاجتماعية، لكن تحويلها إلى قيمة لا يعني تلقائيا أن المنافع موزعة بالتساوي بين جميع الأطراف.

ومن هنا فإن اقتصاد البيانات لا يدور حول سؤال "كم تساوي بياناتي؟" فقط، بل حول سلسلة أكبر من الأسئلة:


* من ينتج البيانات؟
* من يستطيع الوصول إليها؟
* من يملك القدرة على تحليلها؟
* من يحولها إلى منتج أو خدمة؟
* من يحصل في النهاية على العائد الاقتصادي؟

هذه الأسئلة ستزداد أهمية مع توسُّع الذكاء الاصطناعي، لأن البيانات لم تعد مجرد منتج ثانوي لاستخدام الخدمات الرقمية، بل أصبحت أحد المدخلات الأساسية في اقتصاد رقمي تتسع قيمته وأسواقه بسرعة.

وحول الموازنة بين حماية المستخدم وفهم القيمة الاستثمارية، يختتم هاني البطش حديثه للجزيرة نت قائلا "يجب ألا ننظر إلى الموضوع دائما من زاوية سلبية، فهناك استخدامات مشروعة للبيانات لتحسين الخدمات والأمن وتجربة المستخدم".

ويضيف "لكن التحدي الحقيقي هو الشفافية وضمان معرفة المستخدم لما يُجمع عنه وكيف يُستخدم. باختصار: البيانات هي المادة الخام، والذكاء الاصطناعي هو المصنع الذي يحولها إلى معرفة وتوقعات وقيمة اقتصادية".

اقتصاد البيانات في أرقام


* 294.6 مليار دولار: إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة عام 2025.
* %13.9: نمو إيرادات الإعلان الرقمي الأمريكي في 2025.
* 8.19 مليارات دولار: حجم سوق الإعلان الرقمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2025.
* %17.8: نمو سوق الإعلان الرقمي في المنطقة في 2025.
* 1.7 مليار دولار: مساعدات أمريكية مقررة لأوغندا على مدى 5 سنوات مقابل بيانات صحية، وفقا لتحقيق بروبابليكا.
* 7 سنوات: مدة الوصول الأمريكي إلى 9 أنظمة بيانات صحية أوغندية، ومدة السجلات الصحية التي وافقت كينيا على إتاحة الوصول إليها.
* 1.6 مليار دولار: قيمة المساعدات المرتبطة باتفاق البيانات الصحية مع كينيا.

الخلاصة أنه لا توجد بورصة عالمية تضع سعرا موحدا لبيانات الفرد، لذلك قد لا يكون السؤال الأهم هو كم تساوي بيانات الفرد، بل كيف تتحول هذه البيانات إلى قيمة اقتصادية؟ ومن يملك القدرة على استخراجها؟ ومن يحصل على العائد الناتج عنها؟

ومع توسُّع الذكاء الاصطناعي، تتسع أهمية هذه الأسئلة، لتصبح قواعد الوصول إلى البيانات واستخدامها وتقاسم منافعها جزءا من قواعد الاقتصاد الرقمي نفسه.