من إرث الأب إلى اختبار الصندوق.. حظوظ فلافيو بولسونارو للفوز برئاسة البرازيل
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
برازيليا – لم يكن صعود فلافيو بولسونارو إلى واجهة اليمين البرازيلي حدثا مفاجئا، فهو الابن الأكبر للرئيس السابق جايير بولسونارو وأحد أكثر المقربين إليه سياسيا منذ بداية صعود التيار البولسوناري.
لكن انتقاله من موقع الوريث السياسي إلى موقع المرشح للانتخابات الرئاسية في البرازيل التي تجرى غدا الأحد، وضعه أمام تحدّ مختلف: هل يكفي حمل اسم والده وإرثه الانتخابي لخوض المعركة في بلد يشهد استقطابا حادا بين اليمين واليسار؟
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 سقوط الإمبراطور.. قصة أدريانو الذي هز أوروبا وهزمته المأساة
* list 2 of 2 برشلونة ينافس عملاقي إيطاليا على ظهير فيورنتينا end of list
ومنذ دخوله السباق بديلا عن والده، سعى فلافيو إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على القاعدة المحافظة التي صنعت نجاح البولسونارية خلال السنوات الماضية، وبين توسيع جاذبيته لدى الناخبين الوسطيين والقطاعات الاقتصادية التي تبحث عن خطاب أقل صدامية وأكثر براغماتية.
مشروع بولسونارو
ويقول أستاذ التاريخ بجامعة رورايما الفدرالية جاسي جيليرمي فييرا للجزيرة نت إن البولسونارية لا تمتلك أي مشروع حقيقي، لكنها تلبي تطلعات شريحة معينة وكبيرة من المجتمع، وهي القطاعات الأكثر إنتاجية المتمثلة في الأعمال الزراعية.
ويقوم مشروع بولسونارو -وفقا له- على تقليص دور الدولة عبر تخفيض الميزانيات المخصصة للتعليم والصحة، و"ممارسة ما نشعر به نحن في الشمال البرازيلي أكثر من غيرنا، وهو استغلال أراضي السكان الأصليين. هذا هو مشروع جايير الذي يتطوّر ويتراكم. مشروعهم هو تدمير كامل الجهاز الإداري والمؤسسي للدولة".
ويعتقد فييرا أن السوق سيدعم هذا النوع من المشاريع طالما أنه يضمن توفير الأموال للمصرفيين ولخدمة وسداد الدين العام للبلاد، "لذا فمن الطبيعي أن يدعم السوق فلافيو وتياره المحافظ".
لفهم موقع فلافيو اليوم داخل اليمين البرازيلي، لا بد من العودة إلى الخلفية السياسية التي نشأ فيها التيار البولسوناري، وكيف تحوّل من هامش السياسة الوطنية إلى أحد أبرز الفاعلين في المشهد الانتخابي.
وفي حوار مع الجزيرة نت، يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة الفدرالية في ريو دي جانيرو ومؤلف كتاب "الإمبريالية والدولة والعلاقات الدولية" لويز فيليبي أوسوريو، إن مسيرة فلافيو السياسية جاءت بدفع ومساندة كاملة من والده.
ويوضح أن جايير هو نقيب سابق في الجيش، مثّل في ثمانينيات القرن الماضي شريحة من المجتمع البرازيلي تُعرف بـ"الخط المتشدد" للديكتاتورية العسكرية، حيث عمل من خلال تحركات سياسية واعتداءات لمقاطعة وإحباط التحول الديمقراطي البطيء والتدريجي والآمن.
ويعتبر أوسوريو أنه رغم عدم نجاحه في ذلك، ومع قيام الجمهورية الجديدة عام 1985 وإقرار الدستور الاتحادي لعام 1988، واصل هذا الطيف السياسي الدفاع عن أجندته، وإن كان بحضور وجاذبية أقل.
مصدر الصورة
خلط المشهد السياسي
وفي هذا المضمار، ظل نحو 30 عاما يراوح ضمن أطياف الوسط السياسي الوطني. غير أن الانتصارات المتتالية لتيار الديمقراطية الاجتماعية وعجز اليمين عن العودة إلى السلطة أدى إلى إثارة القطاعات "الأكثر تطرفا" للدفاع عن خطاب "أكثر عدائية".
ويتابع أوسوريو، ثم جاءت الأزمة التي اندلعت بعد عزل الرئيسة السابقة ديلما روسيف لخلط المشهد السياسي بالكامل، حيث برز "اليمين المتطرف الممثل ببولسونارو كقوة شعبية". وعندما زادت فرص نجاحه، تقرب منه أصحاب رأس المال، وتحقق الفوز الانتخابي الذي جسد ميزان قوى جديدا في السياسة الوطنية.
فبعد أن كان المشهد يتكون من الوسط واليمين واليسار الديمقراطي الاجتماعي، أصبح -وفقا له- يتكون من اليمين، واليمين المتطرف، واليسار الديمقراطي الاجتماعي.
ويؤكد أوسوريو أنه حتى مع تحقيق اليمين "المتطرف" للنصر، فإنه لم يوحّد كل أطياف اليمين، بل ظهرت تصدعات وانقسامات بوضوح في انتخابات 2022 وعودة حزب العمال إلى السلطة بالتحالف مع اليمين المقرب من رأس المال المالي والديمقراطية الاجتماعية.
ولأن الانتخابات كانت مقسمة للغاية، فإن التيار البولسوناري، حسب أوسوريو، ورغم الهزيمة، ظل حاضرا في المعارضة وما زال قويا جدا انتخابيا. و"هنا يأتي فلافيو ليحل محل شخصية والده".
ومع انتقاله من دور الحليف السياسي إلى موقع المرشح الرئاسي، يواجه فلافيو -برأيه- معضلة أساسية تتمثل في الحفاظ على القاعدة البولسونارية الصلبة مع محاولة توسيع حضوره خارجها.
منافسة متكافئة
من ناحيته، يقول الأستاذ فييرا إن بولسونارو يجهد في البحث عن قاعدة انتخابية أقل تطرفا وبولسونارية، لكنه لا ينجح في ذلك كثيرا لأنه "متورط في العديد من الفضائح التي تتعلق بهذه العائلة، وهي عائلة المليشيات كما نسميها هنا". وأوضح "بالأمس فقط طرح بولسونارو فكرة الله والوطن والعائلة، لكن لم يكن لها أدنى أثر، لأنه في اليوم نفسه ظهرت أنباء عن فضائح".
وبرأيه، فإن بولسونارو لم ينجح في إرساء خطاب مختلف ولا إعادة صياغة رسالة مختلفة لكسب قاعدة انتخابية جديدة، ولم يستطع تحقيق ذلك. لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه في منافسة متكافئة تقريبا، أي "ندّ صلب لحكومة الرئيس لولا دا سيلفا المحافظة هي الأخرى، التي لا تختلف كثيرا عن حكومة بولسونارو، فهي أيضا ستنفذ الإصلاحات التي يحتاجها رأس المال للبقاء في السلطة".
ويقول أوسوريو إنه "نظرا لارتباط صورة جايير بولسونارو بالراديكالية والتطرف، يحاول المستشارون الإعلاميون تسويق فلافيو على أنه أكثر اعتدالا وميلا للتفاوض والحوار، ولكن في الجوهر لا توجد فروق كبيرة، ذلك لأن خطاب بولسونارو يحظى بشعبية ويجذب أصوات شريحة واسعة من المجتمع".
ويسعى التيار البولسوناري -بحسبه- إلى استغلال حالة عدم الرضا والاستياء لدى المواطنين الذين يعانون من تبعات 30 عاما من النيوليبرالية وتفكيك الدولة والاقتصاد الوطني. لذلك، وبغض النظر عن الشخصية التي تمثله، فإن الخطاب والبرنامج السياسي لا يتغيران.
غير أن الطريق إلى الرئاسة لا يمر عبر القاعدة المحافظة وحدها، إذ يتطلب الفوز -وفقا له- القدرة على استقطاب جزء من الناخبين الوسطيين من دون التفريط بالداعمين التقليديين للتيار البولسوناري.
مخاوف
أما فييرا فيعتقد أن استقطاب بولسونارو للناخبين "الأقل تطرفا" أصبح أكثر صعوبة قليلا؛ فالطبقة المتوسطة باتت ترى أن هذا الشخص "سيأتي بالمليشيات والخراب إلى قلب الجمهورية".
ويقول إن صحيفة "إستاداو" ذات الانتشار الواسع، وهي إحدى أكثر الصحف المحافظة في البرازيل، وجهت انتقادات حادة، وأبدت مخاوف شديدة من إمكانية وصول فلافيو إلى رئاسة الجمهورية، لأن "المليشيات، وهي من أكثر المنظمات الإجرامية خطورة في ريو دي جانيرو وتنتشر في مختلف أنحاء البلاد، ستدخل معه إلى مؤسسات الدولة".
ويعتبر أن "بولسونارو شخص مرتبط بشدة بهذه المليشيات وبالعالم الإجرامي منذ صغره في ريو دي جانيرو، منذ كان عضوا في مجلس المدينة ونائبا في برلمان الولاية".
ويجزم فييرا أنه من الصعب على بولسونارو كسب هذه الأصوات، "لكن المنافسة محتدمة وقوية جدا، ولا يمكننا التنبؤ بالنتيجة بعد".
ويختم أوسوريو قائلا إن حملة فلافيو تعتمد على رفض شريحة من السكان لحزب العمال الذي يقوده لولا. وخاصة بعد ولايته الثالثة، والتي اتسمت "بالتراجع والضغوط والتطلعات غير المحققة، يحاول التيار البولسوناري تعزيز موقفه وجذب الغاضبين والمستائين، مستهدفا انتزاع كتل من اليمين إلى جانبه".
وبينما يمنح اسم بولسونارو فلافيو قاعدة انتخابية جاهزة ومتماسكة، يبقى التحدي الحقيقي في قدرته على اختراق الوسط السياسي واستقطاب الناخبين المترددين. ففي بلد شديد الاستقطاب مثل البرازيل، قد يكون الإرث العائلي نقطة انطلاق مهمة، لكنه لا يضمن وحده الوصول إلى قصر بلانالتو.