في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أعاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام فتح واحد من أكثر الملفات السياسية حساسية في بريطانيا، بعدما أبدى استعداده للذهاب "حتى النهاية" إذا كان ذلك يعني إعادة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، في تحول يعيد إلى الواجهة السؤال الذي ظل حاضرا منذ تصويت البريطانيين على بريكست قبل عقد. فما الشكل الذي يمكن أن تتخذه علاقة لندن بأوروبا؟

تقول أنشال فوهرا في صحيفة "إندبندنت" إن تصريحات بيرنهام أثارت ارتياحا في بعض العواصم الأوروبية، التي ظلت خلال السنوات الماضية تنتظر أن تحدد بريطانيا ما تريده فعليا من علاقتها بالاتحاد، ونقلت عن دبلوماسي أوروبي أن لندن كانت دائما موضع ترحيب، لكنها تحتاج أولا إلى تحديد ما إذا كانت تريد العودة إلى الاتحاد الجمركي، أو السوق الموحدة، أو العضوية الكاملة في الاتحاد، بما يترتب عليها من حقوق وواجبات.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا هددت روسيا بريطانيا بالنووي؟
* list 2 of 2 من "الخيانة" إلى "الباب الصغير".. ماذا قالت صحافة البرتغال عن أزمة رونالدو؟ end of list

وتشير فوهرا إلى أن بروكسل أعلنت استعدادها للنظر في الخيارات التي قد تطرحها الحكومة البريطانية، وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي إن الأمر يعود إلى لندن لتحديد الطريقة التي تريد بها تطوير علاقتها بالاتحاد مستقبلا.

ويأتي ذلك في وقت أثارت فيه فكرة "العضوية المرتبطة" أو الشراكة الأوثق مع الاتحاد اهتماما متزايدا، خصوصا مع النقاش الأوروبي الدائر حول صيغ جديدة للعلاقة مع دول خارج التكتل.

مصدر الصورة الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي يقلل التعقيدات التي نشأت بعد بريكست (غيتي)

الانضمام إلى الاتحاد الجمركي

المسار الأول الذي عاد إلى الطاولة هو الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي. ووفقا لتحليل أوليفر رايت، محرر السياسة في "تايمز"، فإن هذا الخيار يمكن أن يسهل حركة السلع البريطانية إلى أكبر سوق تصدير للمملكة المتحدة، ويقلل التعقيدات التي نشأت بعد بريكست، كما يمكن أن يوفر حماية لبعض الصناعات البريطانية في مواجهة المنافسة الخارجية.

إعلان

لكن العودة إلى الاتحاد الجمركي تعني في المقابل قيودا على قدرة بريطانيا على إبرام اتفاقات تجارية مستقلة، فبموجب الاتحاد الجمركي، تصبح السياسة التجارية الخارجية في إطار الاتحاد الأوروبي، مما يعني أن لندن ستلتزم باتفاقات تجارية لا تكون لها بالضرورة قدرة مباشرة على صياغتها أو الاعتراض عليها، كما قد تضطر إلى إعادة النظر في بعض الاتفاقات التجارية التي أبرمتها منذ مغادرة الاتحاد.

تنظر بعض الدول الأوروبية خصوصا القريبة من روسيا، إلى بريطانيا بوصفها قوة عسكرية مهمة، وترى أن وجودها بصورة أوثق داخل البنية الأوروبية قد يكتسب أهمية أكبر مع تغير الدور الأمريكي في الأمن الأوروبي

العودة للسوق الأوروبية الموحدة

أما المسار الثاني فهو العودة إلى السوق الأوروبية الموحدة، وهو نموذج يقترب من الصيغة التي تتبعها النرويج، وتوضح تايمز أن السوق الموحدة تقوم على حرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص، مع الالتزام بمجموعة واسعة من القواعد والمعايير الأوروبية.

وبالنسبة لبريطانيا، قد يؤدي هذا الخيار إلى تخفيف العوائق التجارية التي ظهرت منذ بريكست، ولا سيما في قطاعات مثل المنتجات الغذائية والزراعية والكيميائيات، لكنه يفتح في الوقت نفسه ملف حرية حركة الأشخاص، وهو من أكثر القضايا السياسية حساسية في النقاش البريطاني حول بريكست، فضلا عن الحاجة إلى الالتزام بقواعد السوق الأوروبية ودور محكمة العدل الأوروبية في تفسيرها.

مصدر الصورة العودة الكاملة إلى الاتحاد الأوروبي تحظى بدرجات متفاوتة من الترحيب داخل أوروبا (غيتي)

العودة الكاملة

المسار الثالث هو العودة الكاملة إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الخيار الذي قال بيرنهام إنه لم يعد يستبعده. وترى "إندبندنت" أن هذا الاحتمال يحظى بدرجات متفاوتة من الترحيب داخل أوروبا، ونقلت الصحيفة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قوله إن باب الاتحاد "دائما مفتوح" أمام بريطانيا، كما وصف الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب بريكست بأنه "خطأ كبير"، وأعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن أسفه الشخصي المستمر لخروج بريطانيا.

لكن العودة الكاملة ستكون أكثر تعقيدا من مجرد قرار سياسي بريطاني، ويشير كريس بلاكهيرست في "إندبندنت" إلى أن الاتحاد الأوروبي سيحتاج إلى التأكد من وجود تأييد بريطاني مستقر وطويل الأمد، وقد يطلب إجراء استفتاء جديد، ولو فازت حكومة بيرنهام في الانتخابات على أساس برنامج يتضمن العودة إلى الاتحاد.

كما ستحتاج بريطانيا إلى التفاوض مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء جميعها، وقد تبرز قضايا مثل اليورو ومنطقة شنغن والمساهمات في ميزانية الاتحاد، ويقدر خبراء نقلت عنهم "إندبندنت" أن عملية العودة قد تستغرق سنوات، إذ قد تمتد المفاوضات وحدها أربع أو خمس سنوات قبل مراحل التصديق النهائية.

مسار آخر

أما المسار الرابع فهو اتفاق بريطاني أوروبي خاص، يقع بين العضوية الكاملة والخروج الكامل، ويستند هذا الخيار إلى نماذج قائمة مثل العلاقة السويسرية مع الاتحاد، أو إلى فكرة "العضوية المرتبطة" التي نوقشت في أوروبا بالنسبة لدول أخرى.

ويشير رايت في تايمز إلى أن هذا النموذج قد يسمح لبريطانيا بالحصول على درجات أوسع من الوصول إلى السوق الأوروبية من دون العودة الكاملة إلى الاتحاد، مع إمكان التفاوض على ترتيبات خاصة بشأن حركة الأشخاص والقواعد الأوروبية.

إعلان

لكن هذا الخيار لن يلغي الحاجة إلى تنازلات متبادلة، إذ إن الاتحاد الأوروبي يضم 27 دولة لكل منها مصالحها الوطنية، وقد لا تقبل هذه الدول ترتيبات تمنح بريطانيا مزايا اقتصادية واسعة من دون التزامات مقابلة.

وتبرز هنا أيضا مسألة الأمن والدفاع، فبحسب إندبندنت، تنظر بعض الدول الأوروبية خصوصا القريبة من روسيا، إلى بريطانيا بوصفها قوة عسكرية مهمة، وترى أن وجودها بصورة أوثق داخل البنية الأوروبية قد يكتسب أهمية أكبر مع تغير الدور الأمريكي في الأمن الأوروبي.

ويبدو أن بيرنهام يسعى إلى طرح هذه الخيارات في القمة المقبلة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بهدف تحديد صيغة مستقبلية للعلاقة، لكن الطريق إلى أي اتفاق لن يكون سهلا، لأن المسألة لا تتعلق بالتجارة وحدها، بل بالسيادة، والهجرة، والقواعد الأوروبية، والدفاع، وآلية اتخاذ القرار.

وبذلك يعود سؤال أوروبا إلى قلب السياسة البريطانية، لكن هذه المرة في صورة مختلفة عن استفتاء عام 2016، إذ ليس السؤال فقط: هل تعود بريطانيا إلى أوروبا؟ وإنما: أي مستوى من الارتباط يمكن أن تقبله لندن وبروكسل معا؟ وما الثمن السياسي والاقتصادي لكل مسار؟