في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

وفي هذا السياق، تضيء الشهادة الأخيرة للمفكر والأكاديمي السوداني الراحل الدكتور التيجاني عبد القادر لبرنامج "موازين" الإجابة عن التساؤلات الأكثر تعقيدا في المشهد:


* كيف تصنع الجغرافيا المفتوحة والتهميش المتراكم تمردا مسلحا؟
* كيف تتحول مليشيا أنشأها المركز لضبط أطرافه إلى كيان عسكري ينازع الدولة وجودها ويبني سلطة موازية؟

ويقدم الراحل في هذه الشهادة تشخيصا عميقا للتحولات التاريخية والسياسية التي جعلت من الإقليم الساحة الفاصلة في الصراع الراهن بين الجيش السوداني و قوات الدعم السريع، والمحدد الأساسي لمصير البلاد وقدرتها على البقاء كدولة موحدة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "لواء قامشلو" في ثكنة طرطب.. دمج مقاتلي قسد في الجيش السوري
* list 2 of 2 "شبكات" يفتح ملفات الانسحاب الأمريكي واغتيال البيك ودراما خليجي 27 end of list

جغرافيا ثرية ونزاع ممتد

وتكتسب دارفور أهميتها الإستراتيجية -الدكتور التيجاني- من موقعها المفتوح المحاذي لعدة دول (جنوب السودان، أفريقيا الوسطى، تشاد، ليبيا) ووقوعها على امتداد طريق الحج ونطاق الساحل، فضلا عن تنوعها المناخي واكتنازها ثروات هائلة كاليورانيوم والمنغنيز والذهب والصمغ العربي والماشية.

لكن هذا التنوع أوجد ثنائية اقتصادية ومناخية حادة، فبين مناخ جبل مرة الخصب المرتفع زراعيا والجزء الشمالي الصحراوي الجاف، احتدم الصراع بين المزارعين المستقرين والرعاة المترحلين بفعل موجات الجفاف والتصحر.

مصدر الصورة شاحنات تجارية في دارفور (الجزيرة)

وتاريخيا، نجحت سلطنة دارفور (التي استمرت زهاء 3 قرون) في إدارة هذا التنوع، فرغم تأسيسها على يد سلاطين من قبيلة الفور، لم تكن دولة عرقية، بل شكلت حاضرة ثقافية وتجارية إسلامية.

وحسب الدكتور التيجاني، ابتكر السلاطين نظام "الحواكير" العادل لتوزيع الأراضي بين المزارعين والرعاة، واعتمدوا على الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية لفض النزاعات، معززين علاقاتهم الخارجية بمصر والحجاز عبر تقاليدهم الرسمية المتمثلة في تقديم "المحمل والصُّرة" لكسوة الكعبة المشرفة.

إرث الاستعمار وإخفاقات الخرطوم

وتسللت الهشاشة إلى الإقليم مع السقوط الأول للسلطنة على يد تاجر المغامرات الزبير باشا الذي شكل أول مليشيا مسلحة بالأسلحة النارية لحماية تجارته واجتاح بها السلطنة، ثم السقوط الثاني عام 1916 على يد الإنجليز إثر انحياز السلطان علي دينار للعثمانيين والسنوسية في الحرب العالمية الأولى.

وعقابا للإقليم، فرضت الإدارة البريطانية "قانون المناطق المقفولة" لتعزله تماما عن التنمية والتحديث خشية عودة الحركة المهدية وانتشارها، وزرعت بذور التفجير العرقي عبر تقسيم السكان إلى مزارعين أصليين يملكون حواكير ورعاة بدو بلا أراضٍ.

ولم تتدارك الحكومات الوطنية المتعاقبة هذا الخلل، إذ أقدم نظام الرئيس السوداني جعفر النميري عام 1970 على حل "الإدارة الأهلية" دون تقديم بديل حديث لفض النزاعات، فيما عجزت الأحزاب السياسية عن تقديم خطط تنموية واقتصر دورها على الضبط الأمني والجباية.

وتلا ذلك لجوء الخرطوم إلى التقسيم الإداري المتكرر للإقليم (من إقليم واحد إلى 3 ولايات عام 1994 ثم 5 ولايات عام 2012) لاسترضاء بعض المجموعات القبلية، مما فاقم الأعباء الإدارية دون تقديم حلول جدية، ورفع مناسيب الغضب ضد المركز.

مصدر الصورة الجزيرة)

من "الجنجويد" إلى "الدعم السريع"

ومع تقاطع التدخلات الإقليمية (كمشروع العقيد الليبي الراحل معمر القذافي لـ"دولة الساحل الكبرى" وطرد تشاد للقبائل العربية) وارتفاع وتيرة التهميش، انفجر التمرد المسلح عام 2003 بقيادة المجموعات غير العربية (الفور، الزغاوة، المساليت) لحماية أراضيها، معتمدة على استنساخ أيديولوجية الحركة الشعبية في الجنوب.

ولأن القوات المسلحة كانت منهكة في حرب الجنوب، استعانت الخرطوم بالمليشيات العربية ( الجنجويد وحرس الحدود) قبل أن تقرر شرعنتها وتقنينها لاحقا تحت اسم "قوات الدعم السريع".

ومع اكتشاف الذهب في جبل عامر عام 2012 وهيمنة شركة "الجنيد" تحول "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" من مجرد ذراع أمني للمركز إلى قوة عسكرية ومالية مستقلة تملك شبكة شركات وتصدير وتدريب وتحالفات إقليمية ودولية (كالروس) لتصبح جيشا موازيا يتطلع للاستحواذ على السلطة ورأس الدولة نفسها.

مصدر الصورة مليشيات الجنجويد تحولت لاحقا إلى قوات الدعم السريع (الجزيرة الوثائقية)

حرب أبريل وشروط التعافي

وأدى الخلاف الجوهري حول بند دمج "الدعم السريع" في القوات المسلحة ضمن الاتفاق الإطاري (بين رؤية الجيش للدمج السريع وفق قواعده العسكرية ورغبة الدعم السريع في تمديد الإطار الزمني للدمج إلى 10 سنوات وتفكيك شركات الجيش) إلى انفجار حرب 15 أبريل/نيسان 2023.

ومع سقوط الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 والانتهاكات العرقية بحق مجتمعات الزغاوة والمساليت والفور (والتي وصفتها بعثة أممية في فبراير/شباط 2026 بظروف مهلكة ترقى للإبادة الجماعية) تحولت الحرب إلى صراع وجودي، مما دفع "القوات المشتركة" للحركات المسلحة الموقعة على " اتفاق جوبا" للقتال إلى جانب الجيش.

ويهدف اتفاق جوبا بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة -الذي تم توقيعه مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2020 وتم اعتماده بنهاية الأسبوع الثالث منه- إلى تحقيق سلام شامل، وتوزيع السلطة بشكل عادل في إقليم دارفور ومنطقتي جنوب كردفان و النيل الأزرق، وحماية الموارد المحلية بالولايات الشمالية والوسطى.

ويؤكد الدكتور التيجاني أن إسرائيل والقوى الدولية تستغل سياسة "شد الأطراف" والسيولة الأمنية للسيطرة على باطن الأرض السودانية الغني بالمعادن النادرة.

ويخلص المفكر الراحل إلى أن الحسم العسكري الميداني سيفضي في النهاية إلى تسوية سياسية تعتمد "اتفاق جوبا" صيغة واقعية لإعادة دمج السلاح وقسمة السلطة والثروة.

ويشدد على أن حصانة السودان تكمن في بناء دولة ذات مؤسسة عسكرية قوية تحمي الحدود والسماء، وإنشاء قطاع صناعي يحول الموارد الخام (كالصمغ والماشية) إلى منتجات ذات قيمة مضافة عبر شبكات نقل كفؤة، لتخليص البلاد من حلقة الفقر والعوز وتجنب الوقوع في مصيدة المحاور الخارجية.