في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أعادت التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن رسم خريطة النفوذ على الساحل الغربي للبلاد، بعدما تمكنت جماعة أنصار الله ( الحوثيين) من السيطرة على مدينة المخا ومينائها، ثم جزيرة ميون (بريم) ومناطق وجزر أخرى في محيط باب المندب، في تقدم عسكري نقل أحد أهم ممرات التجارة البحرية في العالم إلى قلب الصراع اليمني والإقليمي.

ولا تقتصر أهمية هذا التطور على ميزان القوى داخل اليمن، فالممر البحري يمثل شريانا رئيسيا للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. كما أن اضطراب الملاحة فيه خلال السنوات الماضية دفع شركات شحن إلى تغيير مساراتها، ورفع كلفة النقل والتأمين.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 اليمن.. تصاعد المعارك وقوات الحكومة تدعو للابتعاد عن مواقع الحوثيين
* list 2 of 2 وزيرة خارجية اليمن تكتب بالتلغراف عن تشكل محور إرهابي جديد في البحر الأحمر end of list

لكن اللافت في التطورات الأخيرة هو أن التوسع العسكري الحوثي ترافق مع رسائل سياسية من الجماعة تطمئن العالم، والولايات المتحدة تحديدا، باستمرار حرية الملاحة.

ففي الوقت الذي باتت فيه الجماعة تحكم قبضتها على المضيق، تسعى إلى إقناع القوى الدولية بأن استهدافها لن يشمل الملاحة الدولية بصورة عامة، وأن المواجهة البحرية يمكن حصرها في استهداف السفن السعودية، وفق بيانات الجماعة.

فهل تمثل هذه الرسائل تحولا حقيقيا في سياسة الحوثيين تجاه الملاحة، أم أنها محاولة لإدارة المخاطر الناجمة عن سيطرتهم الجديدة على باب المندب؟

مصدر الصورة خريطة لمضيق باب المندب والمخا و ذوباب وجزيرة ميون (الجزيرة)

مكسب يتجاوز الجغرافيا اليمنية

تمثل المخا، بحكم موقعها الساحلي ومينائها وقربها من باب المندب، مكسبا عسكريا وسياسيا مهما للحوثيين.

فالميناء كان أحد آخر الموانئ الرئيسية على الساحل الغربي التي كانت تحت سيطرة قوات المقاومة الوطنية التابعة للحكومة اليمنية، كما أن الطريق الممتد من المخا باتجاه تعز يمثل شريانا مهما للقوات المناهضة للحوثيين.

أما جزيرة ميون، الواقعة في قلب باب المندب، فتكتسب أهمية إضافية بسبب موقعها الجغرافي داخل المضيق، ويؤدي سقوطها في يد الحوثيين إلى تعزيز قدرتهم على مراقبة المجال البحري المحيط بالممر والتأثير في أمنه، وإن كان ذلك لا يعني امتلاكهم سيطرة مطلقة على كل حركة بحرية فيه، خصوصا مع استمرار وجود قوى بحرية دولية في المنطقة.

إعلان

ويضاف إلى ذلك أن الحوثيين لم يكتفوا بالوصول إلى المخا وميون، بل حاولوا -ولا يزالون يحاولون- التقدم نحو المرتفعات المطلة على باب المندب، لا سيما مرتفعات كهبوب، وهو ما يفسر استمرار المعارك في محافظتي تعز ولحج، إذ تمنح السيطرة على تلك المرتفعات الحوثيين موقعا أكثر ملاءمة لتأمين مواقعهم الساحلية وربطها بالمناطق الخاضعة لسيطرتهم.

لماذا يطمئن الحوثيون المجتمع الدولي؟

منذ بداية التقدم على الساحل، حاول الحوثيون إرسال رسائل تطمئن القوى الدولية بأن السيطرة على باب المندب لا تعني استهداف الملاحة الدولية بصورة عشوائية.

وفي هذا السياق، كشفت وكالة رويترز في 16 سبتمبر/أيلول عن اجتماع في السفارة الأمريكية بمسقط، جمع مسؤولين أمريكيين وممثلين عن جماعة الحوثي، وفق مصادر مطلعة على المحادثات.

وبحسب رويترز، أبلغ ممثلو الحوثيين الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع واشنطن عام 2025. كما قالت مصادر إن التعهد شمل السفن الإسرائيلية والتجارية الأخرى، مع استثناء السفن السعودية.

بدوره، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الحوثيين طلبوا عدم تدخل الولايات المتحدة في اليمن بعد سيطرتهم على مضيق باب المندب، في حين قال نائبه جيه دي فانس إن الولايات المتحدة أجرت محادثات مباشرة مع "الحوثيين" بشأن التطورات الميدانية الأخيرة في اليمن، مؤكدا أن واشنطن تتواصل مع السعودية بشأن ما يجري في اليمن.

وتكشف هذه الاتصالات عن محاولة واضحة من الحوثيين لرسم حدود للمواجهة البحرية، بعدم تحويل السيطرة على باب المندب إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة والقوى الدولية، مع الإبقاء على السعودية في دائرة الاستهداف.

مصدر الصورة دشيلة يرى أن الحوثيين يريدون عبر رسائل طمأنة المجتمع الدولي تسويق أنفسهم بوصفهم فاعلا إقليميا وتجنب أي ضربات دولية (الجزيرة)

وفي هذا الشأن، يرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية عادل دشيلة، في حديث للجزيرة نت، أن الحوثيين حاولوا منذ اليوم الأول إرسال رسائل تطمئن المجتمع الدولي مفادها أنهم لن يستهدفوا سوى المصالح السعودية، مشيرا إلى لقاءاتهم مع الأمريكيين في سلطنة عمان.

ويقول دشيلة إن المجتمع الدولي، عندما يتعامل مع جماعة ما "دون الدولة"، يظل في تعامله معها محكوما بدرجة كبيرة بالمنظور الأمني وحماية مصالحه في المدى القريب، ولذلك فإن الرسائل السياسية لا تعني بالضرورة انتقالا إلى الاعتراف السياسي بالجماعة.

تحييد القوى الدولية وكسب الوقت

كما يمكن قراءة هذه الرسائل الحوثية في ضوء 3 أهداف مترابطة:


* أولها تقليل احتمالات المواجهة الدولية المباشرة.

فالحوثيون يدركون أن تحول باب المندب إلى ساحة تهديد مفتوح للسفن الأمريكية أو التجارية سيمنح واشنطن وغيرها مبررات إضافية لتكثيف الضربات ضد مواقع الجماعة، كما قد يدفع قوى بحرية أخرى إلى توسيع انتشارها في المنطقة.


* وثانيها كسب الوقت لتثبيت المكاسب العسكرية الجديدة.

فالسيطرة على الساحل الغربي والجزر قرب باب المندب خلال فترة زمنية قصيرة لا تعني انتهاء المعركة، بل تفتح مرحلة جديدة عنوانها تثبيت السيطرة وإعادة تنظيم القوات وتأمين خطوط الإمداد والمواقع الساحلية.

إعلان

* وثالثها تحويل السيطرة العسكرية إلى ورقة تفاوضية.

فكلما أصبح الحوثيون طرفا قادرا على التأثير في ممر بحري دولي، زادت أهمية التواصل معهم في حسابات القوى الدولية، حتى لو ظل ذلك التواصل محصورا في إدارة المخاطر الأمنية.

مصدر الصورة صورة نشرها الحوثيون لسيطرتهم على سفينة الشحن "غالاكسي ليدر" 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 (أسوشيتد برس)

فاعل إقليمي وأزمة ثقة

ولا تتوقف الرسائل الحوثية، وفق قراءة دشيلة، عند محاولة تحييد الولايات المتحدة أو تجنب الضربات الدولية، إذ يقول للجزيرة نت إن الحوثيين يسعون كذلك إلى تسويق أنفسهم بوصفهم فاعلا إقليميا، ومن ثم محاولتهم الدفع باتجاه تعامل المجتمع الدولي مع سلطتهم بوصفها واقعا لا يمكن تجاوزه لحماية مصالحه.

لكن دشيلة يرى أن الحديث عن نجاح الجماعة في الوصول إلى مرحلة الاعتراف بها بهذه الصفة لا يزال سابقا لأوانه.

لكن الرسائل الحوثية تواجه عقبة أساسية تتمثل في غياب الثقة، ويضع دشيلة هذا العامل في صلب تفسير محدودية أثر التطمينات الحوثية.

فبحسب الباحث اليمني، فإن هناك حالة من عدم اليقين تجاه الجماعة بسبب ارتباطها بإيران، وهو ما يجعل التعهدات التي تقدمها اليوم عرضة للتغير إذا تغيرت البيئة الإقليمية أو تعرضت طهران لضغوط عسكرية جديدة.

مصدر الصورة مظاهرة سابقة نظمها الحوثيون بصنعاء (رويترز)

ويطرح دشيلة سيناريو مفاده أن تعرض إيران لضربات عسكرية أو ضغوط إضافية قد يدفع الحوثيين إلى التخلي عن الالتزامات التي أعلنوا عنها والعودة إلى استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر بهدف تخفيف الضغط عن إيران.

وهذا، في تقديره، يجعل المجتمع الدولي يتعامل مع التعهدات الحوثية بحذر، لأن اختبارها الحقيقي لا يكون في الظروف الهادئة، وإنما عندما تتغير موازين الصراع الإقليمي.

ومن هنا، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بما تقوله الجماعة اليوم، بل بمدى قدرتها واستعدادها للحفاظ على هذه الالتزامات إذا تغيرت الظروف.

يضاف إلى ذلك أن الرسائل الحوثية المتعلقة بأمن الملاحة تواجه مشكلة أخرى تتمثل في الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري، ذلك أن شركات النقل البحري لا تعتمد في تقييم مخاطرها على تصريحات الأطراف المتحاربة فقط، بل على مؤشرات أكثر تعقيدا تشمل احتمالات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، إضافة إلى التأمين وإمكانية تأمين السفن والطاقم والبضائع.

وقد أثبتت تجربة السنوات السابقة أن مجرد إعلان طرف مسلح أنه لا يستهدف الملاحة الدولية لا يكفي لإعادة شركات الشحن إلى مسار البحر تماما بشكل طبيعي.

فالهجمات التي تعرضت لها سفن في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 دفعت شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما أطال الرحلات ورفع تكاليف النقل والتأمين وأثر في حركة قناة السويس، لذا فإن استعادة الثقة بالممر البحري تحتاج إلى تغير مستدام في الواقع الأمني، وليس فقط إلى رسائل سياسية.

المعركة لم تنتهِ

ورغم المكاسب الساحلية للحوثيين، فإن تقارير عدة تشير إلى استمرار القتال حول المرتفعات التي تطل على باب المندب، في وقت تحاول فيه القوات المناهضة للحوثيين منع الجماعة من ربط مواقعها الساحلية بالمناطق الجبلية.

كما أعلنت القوات الحكومية شن ضربات على مواقع حوثية قرب المخا وعلى الطريق المؤدي إلى ذو باب بعد سقوط المدينة، لا سيما في المنطقة التي سمتها "صندوق القتل".

وبحسب دشيلة، فإن أحد أهم دوافع تكرار رسائل التطمين هو خشية الجماعة من عمليات عسكرية جديدة ضدها بقيادة السعودية وبدعم دولي.

ويشير الباحث إلى وجود تحركات في هذا الاتجاه، ويرى أن هذه المخاوف تفسر جانبا من السلوك الحوثي الحالي ومحاولته تقديم نفسه بوصفه طرفا لا يهدد المصالح الدولية بصورة عامة.

هل تنجح رسائل الطمأنة؟

ويرى الباحث اليمني دشيلة أن العوامل السابقة تجعل قدرة الحوثيين على الحصول على ضمانات دولية محدودة، فالمجتمع الدولي، بحسب قراءته، لن يكتفي بالرسائل السياسية، خصوصا في ظل تغير المعطيات على الأرض.

إعلان

ويضيف أن الأحداث السابقة أثبتت صعوبة بناء الثقة مع جماعات من خارج إطار الدولة، لأن التعهدات السياسية لا تملك بالضرورة الآليات المؤسسية التي تضمن استمرارها.

كما يبقى العامل الأكثر حساسية هو علاقة الجبهة اليمنية بالتوتر الإقليمي، لا سيما بطرفيه الإيراني الأمريكي والأوضاع في مضيق هرمز.