باتت توصف بـ"قوة إستعمارية جديدة" ـ هل تغرق تركيا في "مستنقع" الصراع في الصومال؟
أطلقت مقاتلات تركية من طراز إف-16 صواريخ في محيط مدينة بيدوا في جنوب الصومال الاثنين (28 أيلول/سبتمبر 2026)، لمساندة القوات الفدرالية في صدّ هجوم شنّته قوات موالية لحاكم ولاية مخلوع.
واتُّهمت تركيا أيضا بتنفيذ ضربة جوية في الثالث من أيلول/سبتمبر أسفرت عن إصابة القيادي المعارض الجنرال مهد عبد الرحمن في بلدة دولو الجنوبية، فيما قالت الحكومة إنه أصيب جراء انفجار عبوات ناسفة "كانت تُجهَّز داخل المنزل".
وأثارت الحادثة احتجاجات ضدّ تركيا قلّما يُسجّل مثلها في المنطقة، أحرق خلالها بعض المتظاهرين العلم التركي وصور الرئيس رجب طيب أردوغان .
وقال المسؤول المحلي عمر عبد الله أمام حشد من المتظاهرين في أفمدو المجاورة: "تركيا قوة استعمارية جديدة تحتل الصومال وتقتل الشعب الصومالي". وأضاف "ألسنا، اعتبارا من اليوم، في حال حرب مع تركيا؟".
استثمارات ضخمة
فيما سئمت دول غربية عدة تمويل بلد يعيش نزاعا مستمرا، أقامت تركيا في الصومال أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج. وتبني أيضا قاعدة فضائية على الساحل الصومالي مخصّصة لعمليات الإطلاق وتقنيات الأقمار الاصطناعية، ودخلت كذلك مجال التنقيب عن النفط.
ودرّب الأتراك قوات صومالية، وقدّموا مساعدات خلال موجات الجفاف والفيضانات والمجاعات، وساهموا في تنمية العاصمة مقديشو وإنارة الشوارع بالطاقة الشمسية، فيما تدير شركات تركية مطار المدينة وميناءها.
ويشعر كثير من الصوماليين بالامتنان، خصوصا بعدما قلّصت واشنطن مساعدات حيوية لازمة لمحاربة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تسيطر على مساحات واسعة من البلاد.
وشهدت عمليات القرصنة قبالة سواحل الصومال تصاعدا ملحوظا منذ نيسان/أبريل، مع تسجيل ما لا يقل عن 15 هجوما هذا العام، وهو أعلى رقم منذ العام 2013، وفق المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة.
لكن أحزاب المعارضة تقول إن التدريب العسكري التركي والآليات والمسيّرات التي كان الهدف منها أساسا محاربة حركة الشباب ، تُستخدم ضدّها وضدّ ميليشياتها، بما في ذلك خلال مواجهات سياسية شهدتها مقديشو في حزيران/يونيو.
ويشهد الصومال أزمة سياسية عميقة بعدما أقرّ الرئيس حسن شيخ محمود قرارات لا تحظى بتأييد شعبي، شملت تمديد ولايته عاما. والتقت المعارضة دبلوماسيين أتراكا لتحذيرهم من الانحياز إلى أي طرف.
"تعاون تام"
رغم ذلك، تستمرّ أعمال البناء التركية.
وقال مسؤول محلي طلب عدم كشف هويته إن المرحلة الأولى من القاعدة الفضائية في ورشيخ، على بُعد نحو 70 كيلومترا شمال مقديشو، يُفترض أن تُنجَز قريبا.
وتعتزم تركيا البقاء في الصومال على المدى الطويل، وتتجاوز مصالحها بكثير الحكومة الحالية.وقال مسؤول تركي رفيع المستوى يتابع الملف الصومالي: "تعاقب رؤساء وسياسيون على الحكم، وعملنا بتعاون تام مع هؤلاء". وأضاف "جميع الأطراف السياسية في الصومال تعرف أن دعم تركيا موجّه إلى الشعب الصومالي والصومال، وليس إلى أي توجّه سياسي بعينه".
وأيّد دبلوماسي غربي مقيم في مقديشو هذا الرأي. وقال لفرانس برس: "تركيا طرف بالغ الحنكة وستدعم مَن يضمن مصالحها بأفضل طريقة".
"تضليل"
وتقول الحكومة الصومالية إن المعارضة تستخدم "التضليل" للإساءة إلى العلاقة مع تركيا. وقال رئيس البرلمان عبد القادر محمد نور خلال فعالية لإحياء الشراكة في التاسع من أيلول/سبتمبر "كان من المخزي رؤية العلم التركي يُحرق على الأراضي الصومالية".
وقالت النائبة الصومالية أمينة محمد مرسل لفرانس برس إن الأتراك: "إخوتنا وأخواتنا.. لقد هبّوا لمساعدتنا في الأوقات الصعبة".
لكن بعض الصوماليين ما زالوا متوجّسين. وقال طاهر أحمد، وهو من سكان مقديشو، لفرانس برس: "لم يعد من الممكن النظر إلى تركيا باعتبارها شريكا محايدا.. فدعمها لقيادة الحكومة الفدرالية يعمّق الانقسامات السياسية ويؤجّج استياءنا".
وأضاف شعيب ياري، وهو رجل أعمال من المغتربين الصوماليين، "بات كثيرون ينتقدون تركيا علنا، في تحوّل واضح عن التأييد الواسع الذي حظيت به عند بداية انخراطها في الصومال".