في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"هل يمكن أن تغلق الأمم المتحدة أبوابها بسبب نقص التمويل؟"… سؤال لم يعد مجرد افتراض بعيد، بعدما وصلت المنظمة التي تأسست قبل أكثر من 8 عقود إلى واحدة من أخطر أزماتها المالية، في ظل تأخر عشرات الدول عن سداد مساهماتها وتراكم مليارات الدولارات من المستحقات غير المدفوعة.
الأمم المتحدة، التي تضم 193 دولة، وجدت نفسها أمام معادلة مالية صعبة: مهام تتسع وأزمات تتكاثر حول العالم، في مقابل أموال لا تصل في مواعيدها، الأمر الذي بدأ ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها على أداء وظائفها. ففي عام 2026، بلغت الموازنة العادية للأمم المتحدة نحو 3.45 مليارات دولار، تضاف إليها موازنة عمليات حفظ السلام البالغة نحو 5.1 مليارات دولار للسنة المالية 2027/2026.
الإجابة تقود مباشرة إلى الدول الأعضاء، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، اللتان تقدمان معا جزءا كبيرا من التمويل الذي تعتمد عليه المنظمة.
تتصدر الولايات المتحدة قائمة المساهمين في موازنة الأمم المتحدة، إذ تتحمل 22% من الموازنة العادية، و26.15% من موازنة حفظ السلام، لكن المشكلة تعود إلى سنوات طويلة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، وضعت واشنطن سقفا لمساهمتها في تمويل عمليات حفظ السلام عند 25%، رغم أن حصتها المقررة تبلغ 26.15%. الفارق بين النسبتين تراكم عبر السنوات، حتى تجاوزت قيمة المتأخرات الناجمة عنه مليار دولار.
ثم جاءت أزمة أكبر عام 2025 حين توقفت الولايات المتحدة تقريبا عن دفع مساهماتها، وبحلول فبراير/شباط 2026 لم تكن قد دفعت سوى نحو 160 مليون دولار من قرابة 4 مليارات دولار مستحقة عليها للأمم المتحدة. وهكذا لم تعد المشكلة مجرد فارق محدود في نسبة المساهمة، بل أصبحت جزءا رئيسيا من أزمة السيولة التي تواجهها المنظمة.
بعد الولايات المتحدة تأتي الصين، التي تعد ثاني أكبر ممول للأمم المتحدة، بحصة تتجاوز 20% من الموازنة العادية، ونحو 23.8% من موازنة حفظ السلام. لكن بكين بدورها تأخرت في سداد مستحقاتها. ففي عام 2024، سددت الصين حصتها كاملة قبل نهاية العام بـ4 أيام فقط، بينما لم تستكمل دفع مساهمتها لعام 2025 إلا في أكتوبر/تشرين الأول.
ومع تأخر أكبر ممولين، إلى جانب عشرات الدول الأخرى، بدأت تتسع الفجوة بين الأموال المطلوبة والأموال التي تصل فعليا إلى خزائن المنظمة.
وخلال عام 2024، عملت الأمم المتحدة من دون قرابة نصف أموال موازنتها، وفي عام 2025 استمر الوضع لنحو 10 أشهر. وانتهى عام 2025 بمتأخرات قياسية بلغت نحو 1.6 مليار دولار. لكن الأزمة لم تتوقف عند ذلك الحد. فحتى نهاية مايو/أيار 2026، كانت نحو 82 دولة لا تزال متأخرة عن سداد كامل حصصها للأمم المتحدة. وبذلك تحولت مشكلة التأخر في السداد إلى أزمة سيولة تضغط على المنظمة وتحد من قدرتها على التخطيط والإنفاق وتنفيذ المهام التي أنشئت من أجلها.
ولم تعد الأزمة مجرد أرقام في جداول الموازنة أو مليارات متأخرة عن السداد. فوراء كل رقم مهمة ربما لا تنفذ، وموظف قد يغادر، وفريق تحقيق قد يعمل بعدد أقل من أفراده، وبرنامج إنساني قد يجد نفسه مضطرا إلى تقليص نشاطه.
وعلى مدى أكثر من 80 عاما، بنت الأمم المتحدة منظومة واسعة من المؤسسات والبعثات والبرامج التي تعمل في مناطق مختلفة من العالم. لكن هذه المنظومة تحتاج إلى تمويل مستمر. وحين تتأخر الدول في دفع مساهماتها، لا تتوقف الالتزامات بالضرورة، بينما تتراجع الأموال المتاحة لتنفيذها. وهنا تكمن خطورة الأزمة الحالية. فالمشكلة لم تعد فقط في أن الأمم المتحدة لديها أموال أقل مما تحتاج، وإنما في أن الفجوة المالية بدأت تتحول إلى تراجع في عدد الموظفين والمهام والعمليات.
ومن واشنطن إلى بكين، ومن مليارات الدولارات المتأخرة إلى آلاف الموظفين والمهام التي جرى تقليصها، تكشف أزمة الأمم المتحدة المالية عن معادلة واضحة: كلما تأخرت الدول في سداد التزاماتها، تقلصت قدرة المنظمة على تنفيذ ما يطلب منها.
وفي حين تتزايد الأزمات والصراعات والحروب حول العالم، تجد الأمم المتحدة نفسها أمام أزمة من نوع مختلف؛ أزمة لا تأتي من ساحات القتال، وإنما من حساباتها المالية. فهل تستطيع المنظمة تجاوز هذه الأزمة، أم أن نقص الأموال سيواصل تقليص قدرتها على القيام بالدور الذي أنشئت من أجله؟
المصدر:
الجزيرة