آخر الأخبار

الانسحاب من القاعة.. تقليد راسخ في الجمعية العامة للأمم المتحدة

شارك





نتنياهو يلقي كلمته أمام قاعة شبه خاوية (أرشيفية - موقع أكسيوس)

في قاعة يفترض أن تكون الكلمات فيها الأداة الأساسية للتعبير عن المواقف، قد تتحول مغادرة المقعد إلى رسالة سياسية أكثر وضوحاً من أي خطاب.

ومع تصاعد حدة الخلافات بين الدول خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تكرر على مدى عقود مشهد مألوف: مقاعد تُترك شاغرة، ووفود تتجه نحو الأبواب، في احتجاج صامت لا يحتاج إلى منصة أو ميكروفون.

هذا التقليد تجسد بشكل صارخ، الخميس، مع بدء رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة في دورتها الحادية والثمانين، إذ غادرت وفود من دول عدة قاعة الجمعية العامة احتجاجاً على كلمته، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحداً من أكثر أشكال الاحتجاج الدبلوماسي وضوحاً داخل الأمم المتحدة.

وأفادت تقارير صحافية بأن عشرات المبعوثين غادروا القاعة مع اعتلاء نتنياهو المنصة


المقاعد الفارغة.. احتجاج بلا كلمات

يحظى قادة الدول وكبار المسؤولين بمنصة الجمعية العامة لعرض مواقف بلدانهم أمام العالم، بينما يجلس داخل القاعة عدد كبير من الدبلوماسيين الذين لا يملكون سوى خيارات محدودة للتعبير عن اعتراضهم على ما يسمعونه: البقاء في مقاعدهم أو مغادرة القاعة.


ومع مرور السنوات، أصبح الانسحاب الجماعي أحد أشكال الاحتجاج المتكررة خلال أسبوع المناقشة العامة. ففي الأربعاء، غادر الدبلوماسي الأميركي الوحيد الموجود في القاعة مقعده أثناء كلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بعدما اتهم الولايات المتحدة باستهداف المدنيين في بلاده، في مشهد جاء بعد يوم واحد من مغادرة أعضاء الوفد الإيراني القاعة بصورة شبه كاملة أثناء كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وكان ترامب قد تحدث في كلمته عن الخيار الذي قال إن إيران تواجهه، بين إبرام اتفاق سلام أو "إبادة" البلاد.

كما غادر أربعة أعضاء من الوفد الكوبي القاعة خلال كلمة ترامب، بعدما وصف كوبا بأنها "دولة فاشلة" وتعهد بإسقاط حكومتها.

ولا تحتاج هذه الخطوة إلى قرار إجرائي أو طلب رسمي، فبحسب البروفيسورة روزا فريدمان، أستاذة القانون في جامعة ريدينغ والمتخصصة في شؤون الأمم المتحدة، يمثل الانسحاب السلمي شكلاً مسموحاً من أشكال الاحتجاج الدبلوماسي، وقد مارسته وفود الأمم المتحدة على مدى عقود.


موقف يتكرر.. ووفود تختار الانسحاب

هذا التقليد ليس وليد السنوات الأخيرة، بل تعود جذوره إلى عقود مضت. ففي خمسينيات القرن الماضي، كان الدبلوماسيون الفرنسيون يغادرون قاعة الجمعية العامة عندما تطرح الأمم المتحدة قضية حرب الاستقلال الجزائرية، إذ كانت باريس تعتبر القضية شأناً داخلياً لا يدخل ضمن اختصاص المنظمة الدولية.


هذا التقليد ليس جديداً على الجمعية العامة، بل يعود إلى أكثر من 70 عاماً. ففي خضم حرب استقلال الجزائر عن فرنسا خلال خمسينيات القرن الماضي، كان الدبلوماسيون الفرنسيون يغادرون القاعة كلما طرحت الهيئة الدولية ملف الصراع للنقاش، باعتبار أن باريس كانت ترى أن القضية لا تندرج ضمن اختصاصات الأمم المتحدة.

وفي عام 1956، جاءت إحدى المحطات اللافتة في خضم الأزمة المجرية، التي ناقشتها الجمعية العامة على خلفية التدخل العسكري السوفيتي في المجر. ودانت الجمعية العامة استخدام القوات السوفيتية لقمع الانتفاضة المجرية، وطالبت بانسحابها من البلاد.

وبعد ذلك بسنوات، تكرر المشهد خلال دورة عام 1964، عندما غادر دبلوماسيون من نحو 40 دولة القاعة خلال كلمة لوزير خارجية جنوب أفريقيا، بعدما دافع عن نظام الفصل العنصري في بلاده، في احتجاج عكس حجم الرفض الدولي لذلك النظام في تلك المرحلة.

وفي عام 2010، عاد الانسحاب الجماعي إلى الواجهة خلال كلمة الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد، بعدما تحدث عن نظريات مؤامرة تتعلق بهجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001. وغادر دبلوماسيون من أكثر من 30 دولة القاعة، بينهم ممثلون للولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى.


حين تتحدث المقاعد الخالية بصوت أعلى

وكان نتنياهو نفسه قد واجه مشهداً مماثلاً في الجمعية العامة العام الماضي، عندما غادرت وفود عدة القاعة مع اقترابه من المنصة لإلقاء كلمته، في وقت بقي فيه عدد من الدبلوماسيين في مقاعدهم.

وأشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن خطابه في 26 سبتمبر 2025 قوبل بانسحاب وفود عدة، فيما واصل نتنياهو كلمته أمام القاعة.

وفي ذلك اليوم، بدا الانسحاب أكثر من مجرد حركة عابرة داخل القاعة؛ إذ تزامن مع انتقادات واسعة للحرب في غزة، بينما واجهت إسرائيل اعتراضات دبلوماسية متزايدة على عملياتها العسكرية وسياساتها تجاه الفلسطينيين.

جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة (أرشيفية-فرانس برس)

أما هذا العام، فقد سبق كلمة نتنياهو ترقب واسع لموقف الوفود، في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد الخلافات الدبلوماسية حول إسرائيل.

وكانت تقارير صحافية قد توقعت أن يركز نتنياهو في خطابه على الدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية ومواجهة منتقديه، إلى جانب الحديث عن إيران.

وبمجرد بدء كلمته، الخميس، تحقق مشهد الانسحاب مجدداً، إذ وقفت وفود من دول عدة وغادرت القاعة، بينما واصل نتنياهو حديثه أمام الحاضرين. ووصفت تقارير إعلامية المشهد بأنه احتجاج دبلوماسي جماعي على الكلمة.

لا تحمل المقاعد الفارغة في الجمعية العامة صوتاً، لكنها قد تحمل رسالة سياسية واضحة. فالانسحاب لا يوقف الكلمة ولا يمنع المتحدث من مواصلة خطابه، لكنه يحول حركة الوفود نفسها إلى مشهد مرئي أمام الكاميرات ووسائل الإعلام.

العربيّة المصدر: العربيّة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا