آخر الأخبار

قمة شي وترامب.. المهم أن يستمر الحوار | الحرة

شارك

بعد ظهر الأربعاء، يعتزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوقوف على مدرج قاعدة أندروز الجوية، في انتظار هبوط الطائرة التي تقل الرئيس الصيني شي جينبينغ، في بادرة لم يسبق أن خص بها ترامب رئيس دولة زائرا.

ويقضي البروتوكول الأميركي باستقبال القادة في البيت الأبيض، مع استثناءات نادرة شملت البابا، وقبل 67 عاما رئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف. وعندما زار ترامب بكين في مايو، رفعت الصين مستوى البروتوكول المخصص لاستقباله، لكن شي نفسه لم يتوجه إلى المدرج، إذ تولى نائب الرئيس هان تشنغ استقباله في المطار.

وإذا نفذ ترامب خطته لاستقبال شي على المدرج، فستكون الخطوة بادرة احترام مهمة تجاه بكين، ورسالة واضحة إلى مدى أهمية القمة بالنسبة إلى واشنطن.

وبالنسبة إلى الزعيمين، قد يكون الإخراج البروتوكولي للقمة هو الجانب الأسهل في اللقاء من حيث القدرة على التحكم فيه بالكامل. أما المحللون المتابعون للعلاقات الأميركية-الصينية عن كثب، فلا يتوقعون اختراقات كبرى، لكنهم يتفقون على خلاصة بسيطة: الحدث يجب أن يستمر.

وقال السفير الأميركي السابق إدغارد كاغان، في استعراضه للقمة لصالح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث في واشنطن يشغل فيه منصب مستشار أول ورئيس كرسي فريمان لدراسات الصين: “الزيارة هي الرسالة”.

ويرى كاغان أن إدارة العلاقة بين الولايات المتحدة والصين لا يمكن أن تتم إلا من خلال تواصل منتظم على مستوى القادة. ويبدو أن ترامب وشي يشتركان في الاعتقاد بأن كلا منهما هو الشخص الوحيد القادر على إدارة العلاقة مع الآخر.

وقال سكوت كينيدي، الذي يرأس برنامج مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لمراقبة الاقتصاد والأعمال في الصين، إن التوتر بين القوتين العظميين يجعل معيار استمرار “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء” بسيطا: “هل يلتقي الزعيمان الآن أم لا؟ هذا هو المعيار”.

وقد تحدد قمة ترامب وشي هذا الأسبوع ملامح أجواء اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ المقرر في نوفمبر في مدينة شنتشن الصينية، وقمة مجموعة العشرين المقررة في ديسمبر في ميامي.

ملفات حساسة وتحذيرات

لعل أكثر الملفات حساسية بين القوتين العظميين هو حجم الدعم العسكري الأميركي لتايوان، التي تعتبرها بكين إقليما انفصاليا مصيره العودة إلى الصين.

وأبقى ترامب منذ أشهر على حزمة أسلحة لتايوان تبلغ قيمتها نحو 14 مليار دولار من دون المضي في تنفيذها. وأفادت وكالة كيودو اليابانية للأنباء مؤخرا بأن الصين طلبت من الولايات المتحدة الإبقاء على هذا الموقف إزاء مبيعات الأسلحة الجديدة لتايوان قبيل القمة. وقال بعض المحللين إن بكين قد تعيد النظر في زيارة شي برمتها إذا مضت واشنطن في الصفقة.

ويرى بعض المتابعين للشأن الصيني أن التحذير لا يتجاوز إعادة تأكيد بكين لـ”خطها الأحمر” المعتاد، وليس تهديدا فعليا بإلغاء الزيارة. لكنه، في الوقت نفسه، يأتي امتدادا لمسار بدأ يتبلور منذ قمة مايو.

وفي الوقت الراهن، لا تزال صفقة الأسلحة معلقة، فيما كرر ترامب التصور الذي تتبناه بكين بشأن المسافة والمخاطر. وقال في مايو: “آخر ما نحتاج إليه الآن هو حرب على بعد 9500 ميل”. ومن المرجح أن تعتبر بكين تمسكه بهذا الموقف مكسبا، بصرف النظر عما ستسفر عنه القمة من نتائج أخرى.

ثم يأتي ملف الذكاء الاصطناعي. ففي مقابلة مع “الحرة”، أشارت شيومينغ لو، مديرة التكنولوجيا الجيوسياسية في مجموعة أوراسيا، إلى التحذير المشترك الذي أصدرته هذا الشهر أجهزة الاستخبارات والأمن الأميركية بشأن ما يعرف بـ”استخلاص النماذج” في الصين، محذرة من أن بعض الشركات الصينية تستخدم الملكية الفكرية الأميركية بصورة غير قانونية.

وقالت إن هذه الخطوة “مجرد بداية” لما يمكن أن يكون تصعيدا أميركيا في هذا الملف.

وأضافت لو أن مسؤولا في السفارة الصينية أبلغها بأن بكين ستتعامل مع إدراج أي شركة صينية للذكاء الاصطناعي على قائمة الكيانات التابعة لوزارة التجارة الأميركية باعتباره “خيارا نوويا” يستدعي ردا قويا.

ويقع “استخلاص النماذج” في قلب المنافسة المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وعلى منظومة تقنيات الذكاء الاصطناعي الأوسع. وتمتلك الولايات المتحدة أفضلية في الرقائق وضوابط التصدير، بينما تملك الصين ورقة ضغط تتمثل في المعادن النادرة.

ويعمل الجانبان على قياس قدرات الآخر. ولا تزال المختبرات الأميركية متقدمة في مجال النماذج الرائدة، لكن الشركات الناشئة الصينية فاجأت القطاع مرارا خلال الأشهر الماضية، محققة مستويات أداء حقيقية باستخدام قدر أقل بكثير من القدرة الحوسبية.

الخلاصة أن لدى الجانبين أدوات تصعيد متاحة، لكن كلا منهما يفضل، في الوقت الراهن، عدم اللجوء إليها.

ما الذي يمكن حله فعليا؟

قال كاغان، في استعراض مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية للقمة، إن بكين تتوقع إعفاءات جمركية تبلغ نحو 30 مليار دولار مقابل الوفاء بتعهد قطعته في مايو بزيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية بمقدار 17 مليار دولار خلال السنوات المقبلة. لكن الصين متأخرة كثيرا عن تحقيق هذا الهدف، فيما تتوقع واشنطن انتزاع تعهدات شراء إضافية.

وتتوقع لو مسارا مشابها. وقالت إن الولايات المتحدة تريد تمديد خطة الإعفاءات الجمركية ستة أشهر، في حين تريد الصين تثبيتها لمدة عام على الأقل.

ورجحت أن يجري تجديد هذه الشروط، إلى جانب ترتيبات وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الأرضية النادرة، بدلا من حسمها بصورة نهائية. وفي تقديرها، تتمثل “الثمار السهلة” في ملف التجارة في الزراعة والطاقة وطائرات بوينغ التجارية.

أما إعلانات الاستثمار في قطاع التكنولوجيا، فهي أقل احتمالا بكثير، بحسب لو. فالبيئة السياسية الداخلية تجعل من الصعب على المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا الصينية الإعلان عن استثمارات كبيرة على الأراضي الأميركية في الوقت الراهن، حتى مع وجودهم ضمن وفد شي.

وكتب ياوي ليو، مدير برنامج الصين في مركز كارتر، في مقال حديث على مدونته في منصة “سبستاك” بعنوان “US-China Perception Monitor”، أن جوهر المظلمة الصينية يتمثل في استمرار واشنطن في انتزاع تنازلات تجارية واستثمارية من بكين، بالتزامن مع تشديد ضوابط التصدير على المعدات والبرمجيات التكنولوجية التي تحتاج إليها الصين.

ومن وجهة نظر بكين، يشكل ذلك مسارا أحادي الاتجاه بدلا من نظام تجاري مستقر، وهو ما يفسر عودة المفاوضين الصينيين مرارا إلى القيود التكنولوجية، حتى في محادثات تتمحور اسميا حول الرسوم الجمركية.

وفي ملف الذكاء الاصطناعي، برزت إشارة جديدة تستحق المتابعة. فقد التقى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ في 20 سبتمبر، واقترحا إنشاء “حوار أميركي-صيني للذكاء الاصطناعي” بصورة رسمية، إلى جانب آلية للإخطار بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي ترتقي إلى مستوى الأمن القومي.

ما الذي ينبغي أن يراقبه الشرق الأوسط؟

فيما يتعلق بإيران، تبدو نظرة واشنطن إلى الدور الصيني إيجابية. ففي اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في وقت سابق من هذا الشهر، قال بيسنت خلال جلسة حوارية غير رسمية إن الولايات المتحدة والصين لديهما “نقاط اتفاق أكثر من نقاط الاختلاف” بشأن إيران.

ويتوقع كاغان أن يضغط ترامب مباشرة على شي، بشأن ما إذا كانت مخاوف الصين المتعلقة بأمن الإمدادات، يمكن أن تتحول إلى ضغط فعلي على طهران للتوصل إلى تسوية.

وأشار كاغان، خلال إحاطة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن الصين زادت مشترياتها من النفط في السوق العالمية، بينما قلصت تحديدا مشترياتها من الخام الإيراني.

وبحسب بوني لين من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن هذا التحول يعود إلى صعوبة نقل النفط بأمان عبر مضيق هرمز. وأضافت تفصيلا لافتا، إذ قالت إن شي أبقى اتصاله بالرئيس الإيراني خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون الأخيرة في قرغيزستان مقتضبا ومنخفض المستوى إلى درجة أن وسائل الإعلام الرسمية الصينية لم تشر حتى إلى عقد اللقاء.

وتشير لين وآخرون إلى أن بكين تريد أن تبدو منخرطة في أنحاء الخليج عموما، لكنها تحرص في الوقت نفسه على ألا تبدو قريبة أكثر من اللازم من طهران تحديدا.

ويأتي حذر بكين تجاه إيران بالتوازي مع موقف أكثر جرأة بكثير في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، حيث ينمو نفوذها الاقتصادي والتجاري بسرعة .

وعلى صعيد التكنولوجيا، من المتوقع أن يحضر جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، مأدبة العشاء الرسمية التي يقيمها ترامب، إلى جانب وفد شي الذي يضم مسؤولين تنفيذيين في شركات تكنولوجيا صينية.

وسيكون ذلك انعكاسا للمنافسة نفسها على رقائق الذكاء الاصطناعي التي تدور رحاها في المنطقة، حيث تفوقت إنفيديا على هواوي للفوز بمشروع بناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر.

وعلى الصعيد العسكري، أمضت الصين العام الماضي على نحو هادئ. وكان من المتوقع أن تنضم إلى روسيا وإيران في تدريبات بحرية تحت اسم “حزام الأمن البحري” في مضيق هرمز في وقت سابق من العام، لكن وسائل الإعلام الرسمية الصينية، عندما أعلنت انتهاء التدريبات، لم تشر إلى مشاركة الصين فيها.

ورغم أن تقديم دعم عسكري مباشر لطهران لا يزال أمرا مستبعدا، فإن بكين أبدت استعدادا لتقديم أشكال من الدعم دون الوصول إلى هذا المستوى، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية ومواد كيميائية أولية تدخل في صناعة وقود الصواريخ، بحسب رايان بروبست من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية في واشنطن.

وبحسب تقارير، ساعد تبادل المعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الصناعية الصينية إيران في استهداف هجوم في الأردن في يوليو أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين.

وكشف تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن صور الأقمار الصناعية هذا الأسبوع أن منظومة هوائيات في قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي خضعت للتحديث بهدف مراقبة الإشارات الاستخباراتية في أنحاء الشرق الأوسط.

وقال بروبست إن على ترامب الضغط على شي لوقف عمليات تبادل المعلومات هذه، لأن العقوبات المفروضة على الشركات الصينية المعنية “لن تُخرج الأقمار الصناعية من الفضاء”.

ولا تشير هذه التطورات إلى وجود تحالف رسمي بين بكين وطهران. لكنها، مقترنة بالدفع الصيني نحو تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتعكس التنافس الإقليمي بين الولايات المتحدة والصين ، الذي ترى حكومات الخليج أنه يزداد حدة.

لا تريد الصين ولا الولايات المتحدة حدوث قطيعة في علاقتهما الهشة والحيوية، لكن التوترات التي تغذي هذه العلاقة لا تهدأ. وما يبدو أن قمة هذا الأسبوع ستنتجه هو إدارة للتوتر بعناية، لا تسوية نهائية.

فكلا الزعيمين يفضل أن يكون هناك اجتماع آخر على مستوى رؤساء الدول مدرجا على جدول الأعمال، سواء في منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ أو مجموعة العشرين، بدلا من حدوث قطيعة قد تفتح الباب أمام مشكلات أكبر بكثير في المستقبل.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا