آخر الأخبار

تبغ وقهوة وقلم رصاص.. هكذا كتب فواز حداد تاريخ سوريا الحديث

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في الثامنة صباحا، وقبل أن أصل بثلاث ساعات إلى موعدنا، كان فواز حداد قد أخذ مكانه في طرف مقهى "نيرو" بريتشموند جنوب غربي لندن. النادلة البولندية التي غطّت الأوشامُ ذراعيها لم تسأله عما يريد؛ تعرف طلبه: كابتشينو واحد، سيبقى معه خمس ساعات، وسيبرد الكوب على مهل. فتح الحاسوب وأخذ يقرأ ما كتبه بالأمس ليواصل السير الكتابي. والموسيقى تهمس في أذنه. وقلمه إلى جانب الكوب لم تمسسه يده بعد.

مضت الساعة التاسعة، ثم العاشرة، والقلم في مكانه.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 فواز حداد للجزيرة نت: في الأنظمة الدكتاتورية يصبح الروائي الموهوب "مريباً" لامتلاكه مساحة للتحايل
* list 2 of 3 فواز حداد: المثقفون لم يدافعوا عن الثورة
* list 3 of 3 الكاتب فواز حداد.. الرواية جسر للتواصل end of list

حين دفعتُ باب المقهى في الحادية عشرة والربع، كانت الشرارة قد قدحت للتو وهو يقرأ. الرجل الذي يجلس إلى عمله سبعة أيام في الأسبوع، يقول إن العمل الفعلي في نهاره لا يتجاوز ساعتين. أما الساعات الثلاث التي سبقتني إلى الطاولة فهي فترة التهيّؤ للكتابة أشبه بنفخ الكِير على الموقد، تُحمى النار على الحديدة قبل أن يرفع حفيد الحداد المطرقة.

من محطة وستمنستر في قلب لندن، يأخذك خط الديستركت الأخضر جنوبا وغربا، خمسة عشر كيلومترا تنسلّ فيها لندن من كآبتها الخرسانية انسلالا، تضيق العمارات، وتتباعد، ثم تفسح الطريق لبيوت من الآجر الأحمر تتقدمها حدائق صغيرة مجزوزة العشب. في المنطقة الرابعة من خريطة القطارات، حيث يظن الغريب أن المدينة انتهت، تنفتح محطة ريتشموند على ضاحية يجري قربها التيمز بسكون.

كان ذلك في يوليو/تموز والشمس الإنجليزية الخجولة في أكرم مواسمها. مشيتُ من المحطة صعودا نحو بوابة الحديقة الكبرى، ريتشموند بارك، أوسع حدائق لندن الملكية، أرض صيد سيّجها تشارلز الأول قبل أربعة قرون ليطارد فيها الغزلان، حين دخلتُ إلى الحديقة شاهدتُ الغزلان، ولم أرَ أحدا من العائلة الملكية. مئات منها ترعى اليوم بين أشجار بلوط يتجاوز عمر بعضها السبعمئة عام، لا يفزعها عابر ولا يفكر في صيدها صياد.

إعلان

في المقهى كان فواز حداد ينتظرني بجسد نحيل وقامة منتصبة. خد حليق، وشارب مهذب يشرف على شفتيه شيئا قليلا، والشيب اللائح في شعره لا يخبرك بجديد بعد أن دلّتك تجاعيد وجهه على سنينه وما رآه فيها على مسرح الحياة.

الروائي الذي خرجت من قلمه سوريا بكاملها سردا روائيا رائقا، أسواقها في "موزاييك"، ومسارحها في "الضغينة والهوى"، وحربها التي أكلت الجميع في "السوريون الأعداء" ومحاكمها في "يوم الحساب" يجلس في انتظار صحفي جاءه يسأله عن طقوس كتابته.

قلت له: إن رجلا يجلس إلى عمله في الثامنة كل صباح، سبعة أيام في الأسبوع، لا أعياد ولا إجازات، كأنما يصف سجنا اختاره لنفسه. قال وهو يستوي في مقعده "هذا ليس عملا تقتضيه الوظيفة. بل هو من طبيعة الحياة التي اخترتها، وصنعتها عن سابق تصور". ثم أضاف "لكن لن أخفي عنك؛ العمل الفعلي.. الفعلي لا يتجاوز الساعتين، من بعده أنا حر من الرواية، وإن كانت ترافقني رغما عني".

"الكتابة لا تقبل عليك فورا، يجب عليك الدخول بالجو أولا، أي أن تصبح داخل الرواية، وجزءا منها"

ساعتان هل هي كافية؟ مع أنها تحتجز من الوقت لا أقل من خمس ساعات. قال: "الكتابة لا تقبل عليك فورا، يجب عليك الدخول بالجو أولا، أي أن تصبح داخل الرواية، وجزءا منها، ما يحتاج إلى تهيئة، بقراءة الفصل السابق أو أكثر، وأن تنسى نفسك، ولا تتنبه إلا لحظة تصل نقطة معينة تجعلها نقطة انطلاقك في الكتابة، ترافقها أحيانا الموسيقى، قد تحفّزني، وتفصلني عما حولي وتصلح مزاجي الكتابي، هذا الطقس يأخذ وقتا. أبدأ في الثامنة، وأمسك بالقلم في الحادية عشرة".

قلت: وبعد الحادية عشرة؟

خلع معطفه الصيفي الأنيق، ووضعه بجانبه، وقال: "بعدها تقدح الشرارة. وهذه الشرارة تكون عادة جملة، أو مشهد، أو خاطرة تأتيك وأنت تقرأ ما كتبت، أو فكرة ما تهبط بغفلة عنك. تستحوذ عليك، وتنشغل بها ساعتين أو ثلاثا من العمل، تعبر خلالها إلى جسم الرواية، ويندرج ما خطر لك في السياق".

نحن هنا في حضرة فواز حداد، الروائي السوري الذي ولد في دمشق عام 1947. حصل حداد على الإجازة في الحقوق من جامعة دمشق، وتأخر في نشر عمله الروائي الأول "موزاييك دمشق 39" حتى عام 1991. وتركز أعماله على توثيق التاريخ السياسي والاجتماعي لدمشق، وتفكيك بنية أجهزة السلطة، والتطرق إلى قضايا الاعتقال والحرية في سوريا. وصلت روايته "المترجم الخائن" إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) عام 2009. وتُعد رواياته، ومن أبرزها "الضغينة والهوى"، و"المترجم الخائن" و"السوريون الأعداء"، و"جنود الله"، و"يوم الحساب"، من أكثر الأعمال رصداً للتحولات الهيكلية في المجتمع السوري وعلاقة الفرد والمجتمع بالسلطة السياسية.

مصدر الصورة المترجم الخائن، رواية لفواز حداد وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) عام 2009 (الجزيرة)

يوميات كاتب

في السادسة صباحا يفتح ابن دمشق عينيه. يغسل وجهه ويتجاوز طاولة الطعام بسرعة بعد أن يضع في فمه إفطارا خفيفا، "بهذا أكون شطبت الإفطار من يومي لأبدأ العمل". يتعامل مع الطعام كعبء ليتفرغ للجزء المفضل من يومه، ثم يمضي لمطالعة العالم من شاشة حاسوبه، وتسجيل ما يحتاجه من مواد إخبارية في ملفات معدّة لديه سلفا.. "هذه الملفات، قد أعود إليها يوما ما عندما أباشر عملا على صلة بها". ثم يمارس الرياضة لربع ساعة، وقد ترى أثرها عليه، ثم يتجه إلى المقهى ليطلب قهوته.

إعلان

كيف تكتب؟ بالقلم أم على الحاسوب؟ فقال: على الحاسوب. ثم اعترف بسرعته المتمهلة في الطباعة اعترافا ظريفا: "أستخدم إصبعا أو إصبعين فقط".

"هذا بطيء" خرج التعليق من شخص مصاب بفرط الحركة.

"بل مفيد، هذا النمط من السرعة، يمنحني فرصة الانهماك في التفكير، تنسجم مع البطء في الكتابة، وتتسارع مع نقلها إلى الورق".

عندما ينتصف النهار في الظهيرة، ويبدأ بجمع أشيائه من طاولة المقهى، تنتقل الكتابة إلى جهد ذهني مجرد عن التقييد. يفتح باب المقهى فتتبعه الرواية. "في غمرة النهار، وأنا أستقل سيارة أو حافلة، تربض الرواية في لا وعي، أبحث -دون أن أدري- عن شيء ما، قد يكون كلمة، إذا صادفتها، أدرك أنها كانت تشغلني، جاءتني دونما قصد، هكذا من تلقاء نفسها؛ تماما كموال تجد نفسك تشدو به دون أن تشعر".

"بالمناسبة، أجد حلا لبعض ما يواجهني من معضلات روائية وأنا أتمشى".

مصدر الصورة الروائي السوري فواز حداد (الجزيرة)

الموال بدأ في ساروجة

طلبت منه أن يعود بي إلى البدايات: الميلاد، والوالد، والوالدة، والبيئة. نظر إليّ نظرة فيها شيء من التسلية وقال: "أنت هيك أسلوبك يعني؟". ثم استسلم: "ما بعرف ليش بتهمك التفصيلات، بس أحكي لك ياها".

ولد عام ألف وتسعمئة وسبعة وأربعين. مات والده بعدها بسنة. يقول لي: "لم أعرف والدي. توفي وأنا أعبر سنتي الأولى إلى الحياة. والدتي كانت امرأة حكيمة، فلم تشعرني قط أني .." وتوقف عند الكلمة، فأتممتها له: يتيم. قال: " نعم يتيم. كان لديّ أخوان، أكبرهما لعب دور الوالد".

في المدرسة أيقظته الحياة على بعض حقائقها، أدخل المدرسة في سن مبكرة بوساطة، وكان المدير قد أطلع المعلم على قصته، بداعي مراعاته، فما كان من المعلم إلا أن وقف يعرف به أمام الصف على أنه طفل يتيم. يسترجع تلك اللحظة قائلاً: "كانت تلك المرة الأولى التي أدرك فيها أنني يتيم، من دون إدراك معناها بالضبط. كانت أبصار الطلاب شاخصة إليّ".

سألته: "بماذا شعرت؟"

فأجاب: "بشعور غريب؛ خيبة وإحباط. لقد اكتشفتُ من عيونهم حقيقة أجهلها، تستدعي الرثاء لي، فنهضتُ وغادرتُ المدرسة عائداً إلى البيت، ولم أرجع إليها، تسجلت في مدرسة أخرى".

سألته عن سبب تلقّبه بـ"الحداد"، فأجاب: "الدمشقيون مثل غيرهم، يستمدون الكنى من العمل الذي مارسوه، ويبدو أن الجد كان حدادا، أو جد جدي، فنسبنا إليه".

لم يرث عن أجداده السندان، لكنه ورث منهم الدأب؛ إذ يحمي الحداد النار على حديدته أولاً، ثم يطرق ويطرق ويواصل الطرق حتى تستقيم له.

سألته عن البيت الذي نشأ فيه، فوسّع الدائرة ليحدثني عن حيه، البيئة الودودة التي عاش فيها طفولته وجزءا من شبابه: "أنا من ساروجة؛ نشأتُ في قلب دمشق، بالقرب من ساحة المرجة، وجسر فيكتوريا، وشارع بورسعيد… هذه المنطقة كانت الرئة الثقافية لدمشق. تحيط بها المكتبات، ودور السينما، المركز الثقافي العربي ليس بعيدا، في حي أبي رمانة. كانت أبواب الثقافة مشرعة في وجهي، وكانت الحياة الثقافية مفتوحة أمامي".

سألته: "وكيف دخلتَ هذا العالم؟"

فأجاب: "كنتُ انطوائيا، والانطوائي يبحث دائما عن أشياء تملأ وقته. وما إن تعلمتُ القراءة حتى صرتُ أقرأ كل ما يقع تحت يدي. كانت هناك مكتبة تُسمى المكتبة العمومية، أقف طويلا أمام واجهتها أتأمل الكتب الإنجليزية والفرنسية وأغلفتها الملونة، فيمسني سحرها".

مصدر الصورة فواز حداد كان طفلا انطوائيا يقضي وقته في المكتبات (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

في العطل الصيفية والنصفية، يواظب على زيارة المركز الثقافي قبل الظهر وبعده. يقول: "كانت هناك مكتبة خاصة بالأطفال قرأتها كاملة، ثم انتقلت إلى كتب اليافعين فأتممتها كلها أيضا. وبعد ذلك، وحين بلغتُ الثانية عشرة من عمري، أصبحتُ أقرأ كل شيء، وبدأتُ بالكتاب المصريين: يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، وغيرهم، إضافة إلى روايات مطبوعات كتابي المترجمة".

إعلان

وضحك وهو يستعيد حادثة لا ينسى تفاصيلها؛ فقد أنزل مجلد "مسرح المجتمع" لتوفيق الحكيم، وهو مجلد في نحو الألف صفحة، من مسرحيات الفصل الواحد. "كان هناك أحد أولئك المثقفين في المكان يشاهد ولدا في الثانية عشرة من عمره يفتح ذلك الكتاب الضخم! فذهب وجاء مرارا، يحاول استطلاع ما أقرأ، ثم تجاسر دون أن يتحدث معي، اقترب وأمسك الكتاب من دون استئذان، ونظر إلى غلافه ليعرف ما هو، فلما أطفأ جذوة فضوله انصرف يقلب كفيه منزعجا".

كان أخوه الأكبر يكافئه على النجاح بإهدائه الكتب. "مرة أخذني إلى مكتبة دار اليقظة القريبة. حينها صدرت ثلاثية جان بول سارتر الروائية، فاشتراها لي مع كتاب اللامنتمي لكولن ولسون وعدة كتب أخرى بنحو مئة ليرة".

قلتُ: "مئة ليرة! هذا راتب موظف يومها!".

فردّ كمن ينفي تهمة "نعم، راتب موظف. كنا ميسورين؛ لسنا أغنياء، لكننا ميسورون".

من تلك القراءات كتب روايته الأولى وهو في الخامسة عشرة من عمره. قال إنه كان مأخوذا بوجودية سارتر، ورواية "الغريب" لكامو، وأفكار العبث والاغتراب.

سألته: "عن ماذا كانت؟"

فأجاب: "عن ماذا تتصور؟ كانت عن مجموعة أصدقاء مراهقين يخوضون مغامرات فيها قدر من الطيش، والعبث مع الفتيات وما إلى ذلك". وبلغت ثمانين صفحة.

سألته: "وماذا حدث بعد ذلك؟"

قال: "ثم توقفتُ؛ توقفتُ لأن حدثا كبيرا وقع في حياتي".

في عام 1961 وقع الانفصال بين سوريا ومصر، وهو في الرابعة عشرة من عمره، وكان الطلاب يخرجون في تظاهرات تأييدا للوحدة ومناهضة للانفصال. يقول: "انسجمنا مع الحراك، فقد كانت التظاهرات أمرا مألوفا في دمشق". ثم جاء الثامن من مارس/ آذار عام 1963 وما تلاه من صدامات مع الناصريين، فخرج الطلاب في تظاهرة معارضة مرة أخرى، غير أن بعض المتظاهرين لم يعودوا إلى منازلهم هذه المرة.

يستذكر قائلاً: "اعتُقلتُ أنا وأربعة أو خمسة من أصدقائي، وسُجنتُ خمسة وخمسين يوما، بلغتُ السادسة عشرة وأنا في سجن القلعة؛ صادف عيد ميلادي وأنا هناك".

سألته عن خلاصة التجربة في تلك الأيام الخمسة والخمسين، فأجاب: "خرجتُ بنتيجة مفادها أن الاعتقال والسجن كتجربة لا يستحقان أكثر من هذه المدة. لكن لا يصح أن نتنكر للمبادئ والمجتمع، في ذلك الوقت كانت السياسة بالنسبة إلينا هي الدفاع عن الوحدة العربية. طبعا كان من المستحسن تجنب السجن بأي ثمن، ليس لأنه مضيعة للوقت، وإنما لأنه محرقة للإنسان".

سألته: "وماذا عن التعذيب؟"

قال: "لم تكن التجربة الوحشية قد نضجت بعد؛ كانت مجرد صفعات وأمور بسيطة من هذا القبيل. تشعر بإهانة كبيرة لكن حين تنظر إليها الآن تجدها لا شيء أمام ما حدث لاحقا".

ثم عاد إلى عبارة قالها لرفاقه وهو في السادسة عشرة من عمره، ولا يزال يراها وصفا دقيقا؛ إذ قال حينها: "يبدو أن لكل مواطن سوري دورا ينتظره في السجن".

مصدر الصورة أحد السجون التابعة للنظام في سوريا، ولفواز حداد عبارة قالها في السادسة عشرة من عمره: "يبدو أن لكل مواطن سوري دورا ينتظره في السجن" (الجزيرة)

خرج من السجن ولم يعد إلى روايته العابثة، بل عاد إلى القراءة وحدها.

يقول: "كانت أغلب المطبوعات المصرية تصل إلى سوريا: الصحف، والمجلات، والروايات. أنا مدين حقا للثقافة المصرية؛ اكتشفت نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، ومحمود أمين العالم، ويحيى حقي، وطبعا طه حسين وعباس محمود العقاد. هذا عدا الكثير من كتاب القصة القصيرة. منذئذ أصبحت على اتصال بالثقافة المصرية، لم ينقطع".

أسبوع واحد فقط كان يفصل بين صدور الرواية المصرية الجديدة ووصولها إلى القارئ السوري؛ يقول: "حين يُنشر لنجيب محفوظ رواية جديدة، تصل إلى دمشق بعد أسبوع واحد. كان لدار النشر المصرية وكيل وهو مكتبة النوري، فأقرأ الرواية في الأسبوع التالي، وفي الأسبوع الذي يليه، أقرأ المراجعات النقدية المكتوبة عنها بقلم محمود أمين العالم أو على الراعي، وعبد القادر القط وغيرهم".

أدمن الاطلاع على المجلات الأدبية اللبنانية، فكان يتابع مجلة "الأديب" لألبير أديب، و"الآداب" لسهيل إدريس، ومجلة "الثقافة الوطنية". ولما ذكّرتُه بمارون عبود، اهتزت نبرته انفعالا وهتف: "يا سلام! مارون عبود قامة فكرية وأدبية عظيمة، وكان رجلا يعتز بكبريائه الأدبي، فيرفض الكتابة في المجلات المصرية".

قلتُ له: "ألم تكن محسوباً على اتجاه سياسي أو أدبي معين؟".

"كان مناخ العصر يساريا، وكان اليسار هو المظلة الجامعة لثقافة ذلك الزمان"

فأجاب جازما: "لا، لا، لا… لم نكن شيوعيين ولا مسيسين ولا ينطبق علينا أي تصنيف حزبي، كنا متحمسين للتجربة الناصرية، كان ذاك الزمن، زمن عبد الناصر، نطلع على كل شاردة وواردة. ونميل إلى اليسار بطبيعة الحال؛ لأن مناخ العصر كان يساريا، وأغلب الترجمات الفكرية والأدبية كانت ذات اتجاهات يسارية، حتى إن حزب البعث كان يزعم أنه يساري، وكذلك التيار الناصري. كان اليسار هو المظلة الجامعة لثقافة ذلك الزمان".

إعلان

وسألته: "متى كانت بداية اعتيادك على الأدب الروسي وتأثرك به؟".

فتغيرت جلسة اعتداله، وتبدلت ملامحه وتحمس قائلا: "دوستويفسكي… بمجرد أن وصلت مؤلفاته الكاملة إلى سوريا، حتى اقتنيتها وقرأتها عن آخرها، خاصة رواياته الكبرى "الإخوة كارامازوف" و ‘الجريمة والعقاب" و "الأبله" و"الشياطين". وأعدت قراءة "الأبله" بالذات أكثر من مرة.

مصدر الصورة فيودور دوستويفسكي (غيتي)

فسألته: "بأي ترجمة قرأتها؟".

فقال: "بتعريب سامي الدروبي. أولا لما تتميز به من قالب جمالي بديع، وسلاسة بالغة الأهمية. ثم إن الدروبي أنجز عملا استثنائيا يعجز عنه أي مترجم بمفرده؛ فقد ترجم أعمال دوستويفسكي وتولستوي، وترجم للكاتب البوسني إيفو أندريتش -وأتمنى عليك إن لم تكن قد قرأت له أن تقرأ روايتيه: جسر على نهر درينا، ووقائع مدينة ترافينك- كما ترجم ثلاثية الأديب الجزائري محمد ديب" إضافة إلى أعمال فلسفية وأخرى في علم النفس.

اعترفتُ له بصراحة أنني لا أعرف محمد ديب، فرفع يده معترضا في نبرة استنكار: "لا بد لك أن تعرفه! إنه أهم أديب جزائري، وهو الذي أرسى دعائم الرواية الجزائرية، ولا سيما في ثلاثيته الروائية: ‘الدار الكبيرة’ "الحريق" و’النول'".

فقلتُ له: "وماذا عن أنطون تشيخوف؟".

فأجاب شغوفا: "ما زلتُ مع تشيخوف إلى اليوم أقرأ له، وكل قراءة تبدو وكأنها إعادة اكتشاف تفتح أفقا جميلا لم ألاحظه من قبل. وفي هذه الأيام، أسمع تسجيلات لقصصه القصيرة على منصة يوتيوب".

فسألته: "هل يمكننا أن نعدّ تشيخوف كاتبك المفضل من بين أدباء الروس؟".

رفض هذه الفكرة من أساسها وقال: "ينبغي ألا نغفل قيمة كاتب على حساب آخر، فكل واحد منهم متميز في مضماره. تولستوي مثلا -في روايتيه الخالدتين الحرب والسلام وآنا كارينينا- يبني عالما خارقا للعادة. لا يوجد كاتب يغنيك عن كاتب آخر، ومقولة هذا هو كاتبي المفضل مقولة لا تستقيم في عالم الأدب، هناك غوغول، وبوشكين وأندرييف وباسترناك، ولا أنسى رائعة سولجنتسين "جناح السرطان".

ثم انهمك يحدثني عن رواية تورغينيف غير المشهورة "دخان"، التي كان قد قرأها في شبابه وأحس بتميزها من ناحية التعرض إلى مجتمع المعارضين الروس في باريس، ثم عاد إليها قبل مدة وجيزة فوجدها رواية مذهلة. تشابه إلى حد ما مجتمع المعارضين السوريين في أوروبا.

"العمل الأدبي الجيد لا يمكن أن يخفى مهما طال الزمن"

ثم صرف ساقية الحديث السيال إلى رواية "ستونر" للكاتب الأمريكي جون وليامز، مشيرا إلى أنه قرأ منها أول الأمر ثلاثين صفحة فحسب، فشعر أنها عمل مثير يستحق العودة إليه، وأشاد بها في حديث صحفي ووصفها بأنها رواية ذات طابع مختلف. ثم فوجئ بعد شهرين أو ثلاثة بأن الإنجليز يعيدون اكتشاف هذه الرواية بعد مرور خمسين عاما على صدورها، ويعيدون الاعتبار لصاحبها. "قلتُ لنفسي حينها: يجب أن أثق بذائقتي تماما، فالعمل الأدبي الجيد لا يمكن أن يخفى مهما طال الزمن".

تدور أحداث الرواية حول ويليام ستونر، شاب من عائلة ريفية ضيقة الحال، أرسله والده إلى جامعة ميزوري في استثمار طويل الأمد لدراسة العلوم الزراعية، لينتفع به حين يعود، غير أنه أثناء دراسته وقع في غرام الأدب الإنجليزي، فقرر تغيير مساره الأكاديمي والعمل أستاذا جامعيا. تدور الرواية حول صراعاته الأكاديمية الصغيرة داخل أروقة الجامعة، وعلاقته المعقدة بابنته، وصولا إلى عاطفته المكتومة تجاه امرأة أخرى.

رواية "ستونر" للكاتب الأمريكي جون وليامز، لم تنل حقها عند نشرها، بل أعاد الإنجليز اكتشافها بعد 50 عاماً (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

بعد سنوات من القراءة الشاقة دلّني حداد على ميزانه في تقييم الأعمال الأدبية؛ إذ قال: "إن لم يمنحك الكتاب نفسه خلال الصفحات الخمس والعشرين إلى الخمسين الأولى؛ فلا تضيع وقتك معه. كنتُ في الماضي أجبر نفسي على إكمال الكتاب، أما الآن فلا أكرهها على شيء، صرت أتابع ما يروق لي فحسب".

ثم كرر عبارته الأثيرة التي يتردد صداها في حديثه: "هناك سويّة معينة في الكتابة لكل كاتب يجب ألا ينزل عنها بحال من الأحوال، وهذه السويّة تتجلى بوضوح من خلال دقة تعبيره في إيصال ما في رأسه إلى الورق".

لفت انتباهي أنه مع حديثه عن الكتب لا يتحدث عن مكتبته، فسألته عنها، صمت برهة وتغضنت ملامحه، كأني كشطت له جرحا يشرف على التعافي "تضم مكتبتي في دمشق ما لا يقل عن عشرة آلاف كتاب، وما زالت قائمة هناك، لكنني خرجتُ من سوريا منذ عام 2012 ولم أضف إليها أي كتاب منذ ذلك الحين". ثم استعاد نبرته الحماسية قائلا: "ولكن ماذا صنعت؟ أسستُ مكتبة إلكترونية تضم ما لا يقل عن خمسة عشر ألف كتاب؛ فأنا رجل لا أستطيع العيش من دون كتاب".

لفواز حداد مكتبة في دمشق تضم أكثر من عشرة آلاف كتاب (الجزيرة)

استدرجه حديث الكتب، لحكاية تعرضه للإشعاع الأدبي والفني، فقال: "غرقتُ في عالم المسرح وأمعنتُ في متابعة السينما؛ كانت هناك سلسلة شهيرة بعنوان روائع المسرح العالمي اقتنيتها بأكملها، واكبتها عدة سلاسل مسرحية صدرت من الكويت ومصر وأيضا في سوريا. كنتُ أقرأ كل يوم مسرحية أو مسرحيتين، فتح المسرح أمامنا آفاقاً وعوالم رائعة وتعرفنا على المئات من كتاب المسرح، وأصبحنا على دراية بالمسرح الفرنسي، والإنجليزي، والإسباني، والأمريكي… ولم يقتصر ذلك على المسرح الحديث، بل يشمل الكلاسيكي واليوناني والروماني طبعا".

"وهل جربت أن تكتب مسرحية؟" سألته.

فأجاب: "كتبتُ عدة مسرحيات".

"وهل نُشر منها شيء؟".

قال: "لا، لم يُنشر، ولم أحاول، لم تكن ناضجة، كانت تحت تأثير تلك الفترة التي ازدهر فيها المسرح في البلاد العربية خصوصا في مصر".

عاد يتذكر أنواع الأفلام التي كان يطاردها "كان هناك نشطاء ثقافيون من عشاق السينما، ما أتاح لنا الاطلاع على الكثير من الأفلام وكانت من جنسيات مختلفة؛ فحظينا بأسابيع للسينما الفرنسية واليابانية والروسية والبولونية والمجرية والبلغارية… كنا نحرص على حضور الأسبوع من بدايته إلى نهايته، فنشاهد فيلما كل يوم، وأحياناً نتابع فيلمين في اليوم الواحد". كان حداد يطمح لدراسة الإخراج السينمائي في القاهرة، غير أنه فوجئ بشرط معهد السينما الذي لا يقبل إلا خريجي الجامعات. "بناءً على ذلك، التحقتُ بكلية الحقوق وأتممتُ دراستي الجامعية فيها، دون أن أحضر محاضرة واحدة طوال سنوات الدراسة الأربع".

"ولا محاضرة واحدة؟! فكيف تخرجت إذا؟". علقتُ بإعجاب مصطنع في الحقيقة، فمحاورُهُ، تخرج من قسم الفلسفة وتاريخ الأديان، دون أن يشتري مقررا واحدا طوال 4 سنوات.

فأجاب ضاحكا: "في الشهر الأخير قبل الامتحانات، أراجع الكتب وعادة يجري التركيز على الأسئلة الهامة المتوقعة، أتقدم للامتحان وأنجح! كنتُ أدخل القاعة فلا يعرفني أحد، وكان الطلاب يتساءلون مدهوشين: من هذا الفتى؟. حتى إن أحدهم كان عالقا في مادة واحدة طوال خمس سنوات، بينما تخرجتُ أنا من الدورة الأولى".

ولما تخرج وهمّ بالسفر إلى مصر، صدر قرار يمنع السفر قبل أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، فخدم في الجيش نحو ثلاث سنوات. وحين أنهى خدمته، كان قد أعاد حساباته مليا: "كان السينمائيون الذين تخرجوا من مصر أو روسيا يعودون إلى سوريا ليمكثوا بلا عمل ولا إنتاج؛ يتقاضون راتبا شهريا، كأنه راتب تقاعدي، وقد يتاح لأحدهم إخراج فيلم أو لا يتاح. لقد قبع كثيرون سنوات طويلة من دون الظفر بإنتاج العمل الذي يرغبون فيه، وبعضهم لم يخرج أي عمل سينمائي، فضلا عن سيطرة الدولة التامة على القطاع السينمائي، ناهيك عن معضلة الرقابة؛ فأنت تكتب سيناريو، وعيون الرقابة تلاحقك، فزهدتُ في الأمر برمته".

رغم حلمه بدراسة الإخراج السينمائي، إلا أن واقع السينمائيين آنذاك جعله يلتفت كليا إلى الكتابة (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

تركَ شغفه السينمائي على مذبح الرقابة، "هل يُعقل أن أتعامل مع ما لا أدري من الرقباء؟! لذا قررتُ الاتجاه إلى كتابة الرواية؛ فالورقة والقلم يكفيانني".

كتب بعد ذلك أربع روايات أو خمسا، ولم ينشر منها حرفا واحدا. وحين سألته عن السبب، التفت إليّ باهتمام كمن يريد أن تُفهم منه هذه النقطة بالذات وقال: "انتبه لهذه المسألة جليا: إذا كنتَ تطمح إلى أن تكون كاتبا حقيقيا تعبر عما تفكر فيه، كما ترغب وتريد، فأن تعمل حسابا للرقابة، وتكتب مراعيا الخطوط الحمراء التي تعرفها والتي لا تعرفها، ليس إلا مقتلا للرواية، إن خضعتَ لها أصبحتَ عبئا عليك، وتقييدا لك. يكفي الكاتب أن تكون معركته مع رقابته الذاتية".

فسألته: "ولماذا لم تُنشر تلك الروايات؟ هل بسبب جرأتها؟".

فأجاب: "إذا نحيت جانبا عدم قناعتي بها؛ فأنت تكتب عن وطن، وعن واقع، وعن مفاسد، وجرائم وإساءات، فستكتشف أنه من المستحيل أن تُنشر".

وأضاف: "وسط هذه المماحكات والسجالات المتواصلة، التفتُّ لأجد نفسي وقد ناهزتُ الأربعين من عمري دون أن أنشر شيئا".

فاتجهت إلى كتابة القصة القصيرة: "كانت كل قصة تعتكف معي شهرا أو شهرين"، حتى اكتملت لديه مجموعة قصصية رآها جديرة بالنشر.

الدخول للواقع من بوابة التاريخ

بينما كان يقلّب صفحات أحد الكتب في مكتبته، انسلت منه صورة قديمة لفتت نظره: "صورة المفوض السامي الفرنسي بيو قادما من بيروت لحظة وصوله إلى سوريا، يعبر جسر فيكتوريا، يلتف موكبه حول ساحة المرجة، المتاجر مغلقة، والجو بارد، دمشق تستقبل المفوض السامي بإضراب شامل لا يقل عن الصقيع. وقع ذلك المشهد عام 1939، عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، في خضم مفاوضات مضنية مع فرنسا لنيل الاستقلال. حينها قلتُ لنفسي: هذا المشهد ينبض بالدراما الروائية!". واستيقظ ماردُ الكتابة بداخله.

استقبلت دمشق المفوض السامي بإضراب لا يقل عن الصقيع (ملكية عامة)

انقدحت الفكرة في ذهن حداد وصار يعمل على بعث الحركة في أوصال تلك اللحظة التاريخية؛ فالشخصيات الروائية تتحرك فوق مسرح من الأحداث الواقعية: تريد أن تأكل، وتنام، وتجلس على المقاهي. ولأجل ذلك، "استغرقت في البحث للتعرف إلى دمشق كما كانت عام 1939، ووصل بي البحث إلى باريس للتعرف إليها بكل ما يمت بصلة إلى الرواية".

تضع الروائية الأمريكية آن لاموت على مكتبها إطار صورة صغيرا لا يتجاوز ضلعه بوصة واحدة، تنظر من خلاله كلما هالها حجم المادة التي تنوي كتابتها، فلا تكتب في يومها إلا ما يتسع له ذلك الإطار الضيق: وصف غرفة، أو ملامح وجه، أو طبق على مائدة. وإذا أعوزتها تفصيلة دقيقة لا تعرفها -كزراعة الحدائق أو الاسم العلمي للسلك المعدني الذي يطوق زجاجة الشمبانيا كما تقول- جعلت من عاداتها اليومية الاتصال بالخبراء والجهات المعنية للاستفسار منهم، معتبرة تلك الاتصالات جزءا أصيلا من عملها الكتابي ومحفزا يخرجها من عزلتها ويعيد إليها نشاطها.

أما إطار صاحبنا، فكان خريطة لدمشق في العام بعينه، وكانت اتصالاته بحثا في الأرشيف وصور التاريخ وجداول مواعيد البواخر القديمة؛ حتى إذا جاع رجل في الفصل الثالث، عرف بدقة أين يأكل وكم يدفع لقاء وجبته.

"الكتابة ليلا مذهب معروف لدى أرباب هذه الصنعة على اختلاف أسبابهم"

أمضى سنة ونصف السنة في عمل متواصل ودؤوب بعد انقضاء ساعات عمله الرسمي: "كنتُ أعود من عملي ليلا لأشرع في الكتابة. أضع علبة السجائر، وفنجان القهوة، وأمسك بقلم الرصاص لأكتب. وكنتُ خلال الكتابة أخوض في عوالم مضى عليها الزمن، وأعيد اكتشافها".

الكتابة ليلا مذهب معروف لدى أرباب هذه الصنعة على اختلاف أسبابهم؛ خذ مثلا لورنس ويشلر الصحفي المحترف لكتابة البروفايلات في مجلة نيويوركر الأمريكية، لا يبدأ إلا عند الحادية عشرة ليلا ويمضي حتى الرابعة أو الخامسة فجراً، ليضمن أنه لن يقطعه عن العمل هاتف صديق ولا إزعاج محرر. وكذلك يفعل إريك شلوسر الصحفي الاستقصائي الأمريكي، يؤخر الكتابة إلى ما بعد منتصف الليل، ولكن بحجة أكثر ظرافه، فهو يقول: إن الرقيب القابع في رأسه يغط في النوم في تلك الساعة فتخلو له الطاولة. أما صاحبنا، فقد فرض عليه دوام عمله هذا التوقيت الليلي، لتبقى له علبة السجائر وفنجان القهوة وقلم الرصاص.

"موزاييك دمشق 39″، رواية كتبها فواز حداد عن دمشق عام 1939، وصاحبته أثناء كتابتها خريطة دمشق، والتفاصيل التي عثر عليها عن المدينة في تلك الفترة (الجزيرة)

وهكذا ولدت روايته "موزاييك 39″، التي مرت من مقصلة الرقابة دون تدقيق شديد. أما الناشر، فطلب تكلفة الطباعة وأرباحه المضمونة، على أن يمنحه مئة وخمسين أو مئتي نسخة ويبيع الباقي لحسابه الخاص. بلغ المبلغ نحو عشرين ألف ليرة سورية عام 1990، لتخرج الرواية إلى النور عام 1991.

لم تمر الرواية في الصفحات الثقافية مرور الكرام كعمل لكاتب جديد، بل انهال عليها النقد في صحيفتي "تشرين" و"الثورة" بتهم مستهلكة؛ كادعاء أنها رواية غير وطنية، أو برجوازية، وأن شخصياتها سلبية. ولم يتأثر بتلك السهام لأنه كان يعلم جودة ما صنع، ولأن أولئك النقاد كانوا ينطلقون من المنظور الواقعي الاشتراكي الضيق الذي طالما انتقده وزهد فيه. ولم يلتفت لمعرفة ما إذا كانت الطبعة الأولى قد نفدت، بل انكب فورا على كتابة روايته الثانية.

"بنى حداد ثلاث روايات متتالية على ثلاث سنوات مفصلية من تاريخ دمشق"

بنى ثلاث روايات متتالية على ثلاث سنوات مفصلية من تاريخ دمشق: "موزاييك 39″ تناولت دمشق عام 1939، و"تياترو 1949″ تناولت دمشق عام 1949، و"صورة الروائي" تناولت دمشق عام 1970. عند حدود عقد السبعينيات، وقفت مقصلة الرقابة بالمرصاد.

حُظرت الرواية فور تقديمها كمخطوط إلى اتحاد الكتاب، ثم قامت السيدة الناشرة بطبعها في بيروت، ولم توافق وزارة الإعلام على إدخالها إلى سوريا، فرفعت الناشرة الأمر كي تحصل على موافقة القيادة القطرية للحزب، فقيل لها إن هذا مستحيل، وقالت له: "يبدو أنك تطرقت إلى أمور تثير حفيظتهم". فقد تناول نشأة حزب البعث من واقع الكواليس والمذكرات التاريخية، وتحدث بجرأة عن القمع والسجون والتعذيب.

ودخل اسمه القائمة السوداء، فصارت بيروت منفذه الوحيد؛ فنشر "الولد الجاهل"، أما "الضغينة والهوى" فتسللت من مقصلة الرقيب في دمشق، لكنها عوقبت بعقوبة يعرفها جميع الكتاب، التجاهل التام من الصحافة الثقافية، عدا مقال يتيم.

"صورة الروائي"، هي رواية تناولت دمشق عند عام 1970، وكان من الطبيعي أن تقابلها مقصلة الرقابة، فمنعت من دخول سوريا (الجزيرة)

ثم جاءت رواية "مرسال الغرام" التي تتناول جانبا من الفساد على مختلف الأصعدة، فتيقن أنها لن تُنشر في سوريا، وأن نشرها في بيروت يتطلب ناشرا بقامة رياض الريس. أرسل المخطوط الضخم إلى الريس الذي كان يفضل الروايات الرشيقة، وعلى عداء مع الروايات الضخمة، فوضعت على الرف. وكلما سأله عنها أجابه: "تمهل قليلا". فاتصل به قائلا: "يا أستاذ رياض، إن كان الأمر يتصل بالتكلفة المادية فأنا مستعد لدفعها". فأجابه الريس: "لا، ليس الأمر ماديا". لكنه سيدفع بالمخطوط إلى لجنة القراءة، ولم يُقرأ منها أكثر من خمسين صفحة قبل الموافقة على الطبع فورا. وصدرت الرواية عام 2004 بعد حذف بعض الأسطر بداعي الحساسية السياسية. وحين احتج على الحذف، جاءه جواب يختصر جو الثقافة العربية برمتها: "قال لي رياض الريس: يا فواز، أنت مقيم في الداخل وليس في الخارج، وحذف هذه المقاطع إنما هو مراعاة لسلامتك وأنت داخل سوريا".

دخلت الرواية دمشق بـ"المعيّة" إذ سأل وزير إعلام جديد عن الكتب الموقوفة، فقيل له إنها عشرون كتابا أكثر من نصفها لدار نشر رياض الريس، فأمر بإجازتها. وكتب ناقد حينها: "لن نتحدث عن الجرأة اللافتة للرواية، بل عن جرأة الرقابة التي سمحت بدخولها!".

أما رواية "مشهد عابر" فظلت حبيسة أدراج الريس ثلاث سنوات، وكان يقول له: "يا فواز، نحن لا نخشى على أنفسنا، بل نخشى عليك". طبعا صدرت ولم تدخل إلى سوريا بشكل رسمي، وإنما عبرت الحدود مئات النسخ، باعتبارها من الممنوعات، عدا ما جرى تصويره من نسخ وتوزيعه في الداخل.

"مشهد عابر"، الرواية التي ظلت حبيسة أدراج الناشر رياض الريس 3 سنوات، وعندما أصدرتها الدار، دخل منها إلى سوريا مئات النسخ بشكل غير رسمي (الجزيرة)

عضلات أدبية

عندما يجلس حداد للكتابة يقتل عشرات المخبرين في ذهنه، ليمارس حريته المطلقة دون أدنى اعتبار للرقابة؛ "مراعاة الرقيب تعني ممارسة رقابة ذاتية قمعية على الذات". ذكرني طقسه الثوري بشيء قرأته عن الكاتبة آن لاموت؛ إذ تغمض عينيها حين تعلو الأصوات التي تشكك فيما تكتبه، وتتخيل أصحابها فئرانا تمسك كل واحد منها من ذيله وتدسه في مرطبان زجاجي، ثم تخفض له زر الصوت حتى يخيم الصمت؛ وتسمي هذا البث الداخلي محطة وهمية تبث في رأس الكاتب طوال النهار. غير أن الأصوات التي كان على صاحبنا أن يصمتها ذات مبانٍ وعناوين بريدية وأختام وأضابير رسمية، فكان يكتفي بمقاومتها ذهنيا!

ثم جاءت رواية "المترجم الخائن" ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، فدل عليه نجاحه، فكُرّم محليا بالحظر المعتاد. لم يفتعل ضجة قط حين يطال المنع أعماله، معللا ذلك بقوله: "كان البعض يقيم الدنيا إذا مُنع له عمل صغير، أما أنا فلم أفتح فمي أو أفتعل مشكلة، فالمخابرات بالمرصاد، لأن ما أكتبه كان لا يستهان به، وكانت الصحافة الثقافية تراعي ألا تكتب عن رواياتي لئلا أحظى بالشهرة، لكنهم كانوا لا يتورعون عن الكتابة ضد رواياتي في الخارج أو يكلفون واحدا من زبانيتهم بالكتابة عنها بشكل يسيء للرواية، وكان بداعي الغيرة والحسد. أما أنا فلم أسع إلى الشهرة لم تكن تهمني، لئلا تؤذيني، فأنا في دمشق، كان كل ما أبتغيه هو الاستمرار في الكتابة من دون إضاعة الوقت".

قلتُ من قبل إن الحداد ورث من أجداده دأب الصنعة؛ قال لي إنه عمل عملا مضنيا في توثيق رواية "السوريون الأعداء" حيث استند إلى نحو ألف ومئتي ملف، أما رواية "جنود الله" فبناها على زهاء ألف ملف من الأخبار والمقالات والوثائق.

"بنى حداد رواياته على آلاف المقالات والوثائق"

كانت تلك الملفات تساعد على تشكيل "المناخ الروائي"، أو ما يطلق عليه حداد بـ "الجهد العضلي" لتأمين الأرضية الصلبة للعمل. قرأت مرة للكاتب الأمريكي رون روزنباوم أن لديه جهدا عضليا من نوع آخر؛ إذ يكتب المقال ثم يطبعه، ويضع الورقة المطبوعة بجانبه ليعيد طباعتها من بدايتها على آلته الكاتبة القديمة، مؤكدا أن المجهود العضلي في إعادة الطباعة هو الذي يفتح له آفاقا لتطوير النص. يجهد روزنباوم عضلته في إعادة كتابة كل صفحة، ويجهد صاحبنا عضلته بجمع ألف ومئتي ملف قبل خط السطر الأول!

في روايته "جنود الله" خرج حداد عن سوريا إلى العراق (كتابيا فحسب) حيث تتناول روايته قصة شاب سوري يلتحق بتنظيم الزرقاوي، فيسعى الأب لاستعادته. وترصد الرواية الرحلة من سوريا إلى العراق، والوصول إلى الابن، واللقاء بالزرقاوي، مع رسم دقيق لخريطة العراق، ومناطق الاشتباكات مع الأمريكيين، والمنطقة الخضراء. حتى أن العراقيين الذين قرأوا الرواية لم يصدقوا أنه لم يزر العراق قط، وحسبوه عراقيا أصيلا.

رواية "جنود الله"، تتناول قصة شاب سوري يلتحق بتنظيم الزرقاوي، فيسعى الأب لاستعادته (الجزيرة)

في "السوريون الأعداء"، كان جمع الملفات الأولية على أنها مراجع للفترة التي يعمل عليها، أما الأرضية فكانت متوفرة بحكم معايشته للفترة ذاتها: "أنا أعيش في سوريا، ولا تخفى علي أساليب حزب البعث وأجهزة المخابرات وتجاوزاتها وجرائمها. بقي فقط أن أعثر على نقطة الانطلاق، لتفسير قيام الثورة في 2011 فوجدتُ أن النقطة الأساسية هي أحداث حماة، ولا سيما بعد صدور مذكرات لأشخاص شهدوا الأحداث وشاركوا فيها. صممتُ الرواية على ثلاثة خطوط متوازية، وأمضيتُ ثلاث سنوات في عمل يومي شاق وممتع".

وحين اتهمه أنصار النظام بالطائفية، رد جازما عليهم: "وصفوها بأنها رواية طائفية، لأنهم لم يعتادوا تسمية الأمور بأسمائها، كانوا يعملون على التغطية على نظام طائفي حتى العظم، يستفيدون منه، وكانوا أحد أركانه. لقد كتبتُ الواقع كما هو على الأرض، حيث كانت الناس من الطرفين تُقتل على الهوية. فإذا كان هذا ما يحدث في الواقع، فلماذا يحجب في الرواية، ألا يستدعى معرفة الأسباب؟".

وتتابعت أعماله بعد ذلك، فأصدر: "الشاعر وجامع الهوامش"، و"تفسير اللاشيء"، و"يوم الحساب"، و"جمهورية الظلام". ويعكس هذا النتاج دأبه الشديد وحرصه على الصنعة الأدبية بعيدا عن التوثيق الجاف، إذ يؤكد دائما: "أنا أكتب رواية، ولا أكتب تاريخا ولا بحثا؛ أنا روائي أولا وأخيرا".

ويتجلى هذا الإخلاص الفني في أسلوب عمله؛ فعند كتابة رواية "الشاعر وجامع الهوامش"، بلغ عدد مراجعاته لها ست عشرة مرة من بدايتها إلى نهايتها بالتعديل والإضافة. كما أنه يواصل النهج نفسه مع روايته الأخيرة "الروائي المريب"، التي أعاد كتابتها للمرة الثانية عشرة!

"يوم الحساب"، من أكثر الأعمال رصدا للتحولات الهيكلية في المجتمع السوري وعلاقة الفرد والمجتمع بالسلطة السياسية (الجزيرة)

كان الشاعر زهير بن أبي سلمى يمكث على القصيدة حولا كاملا ينقحها ويهذبها، فسميت قصائده بالحوليات؛ بيد أن زهيرا كان يعكف على مئة بيت، بينما يعكف صاحبنا على تجويد ما يزيد أحيانا على خمسمئة صفحة. وقد لا ينتبه القارئ العربي لجماليات هذا الجهد الشاق، لكن حدادا يعلل ذلك بقوله: "قليل من القراء من يأخذ هذا الجهد بعين الاعتبار، ولكنها السوية الأدبية؛ فحين تملك ذائقة رفيعة وقارئا حقيقيا في داخلك، تتشكل لديك سوية لا يمكنك الهبوط عنها أبدا" أما ما يفخر به فهو أنه "يحترم القارئ".

وعن اللحظة التي تنشأ فيها الصلة بين الكتاب وقارئه، يرجع شيء ما منها إلى إدراك قيمة المدخل إلى الرواية: "أحرص على المقطع الذي يعلن بداية الرواية والذي لا يزيد عن بضعة أسطر، أن يحمل شيئا من الجاذبية؛ قد يكون أمرا غامضا أو لافتا. لا بد من صنع رابط بين الكتاب والقارئ، هذا الرابط قد يحفز القارئ، بما يوحيه له عن عالم يرغب في التعرف إليه".

"تلك الأسطر الأولى هي ذاتها التي يجلس لها الكبار جلسات مضنية"

تلك الأسطر الأولى هي ذاتها التي يجلس لها الكبار جلسات مضنية؛ فغاي تاليز يبدأ بطباعة كلماته الأولى بأحرف كبيرة منفصلة بقلم الرصاص على ألواح الكرتون الرقيقة التي تأتي مع القمصان المغسولة، ويمضي يومين كاملين في صياغة بضع جمل. وجون كراكاور يجلس أمام الشاشة في السابعة والنصف صباحا، فيمضي ساعتين في المماطلة وساعتين في مصارعة الجملة الأولى، ولا ينطلق قلمه بالكتابة إلا بعد الثالثة عصرا حين يداهمه الذعر من ضياع النهار!

وحجة فواز في ذلك تمس جوهر الفن: "أقول لنفسي: إن كانت هذه الفكرة قد جذبتني وجعلتني أكرس من عمري سنتين أو ثلاثا لأكتبها، فلا بد أن تجذب القارئ. فالرواية برمتها هي بحث في المصائر الإنسانية، تحفز القارئ على متابعة بشر يشبهونه، فلا يعود يتقصى مصائرهم، وإنما مصيره".

أما الشقاء المكابد في الصنعة فمعلوم عنده: "قد تجلس يومين أو ثلاثة لتخرج بصفحة واحدة، وقد لا تخرج بشيء، وهذا لون من الشقاء. ولكن حين تحصل على بغيتك وتصل إلى ما تريد، تشعر بمتعة استثنائية تجبّ كل ما قبلها". وقد ألّف كتابا عن تجربته الروائية بعنوان: "لقد مررت من هذا العصر" من ناحية التصاقها بالعصر الذي عاشه.

تبغٌ وقهوة وقلم رصاص.. هكذا يكتب فواز حداد (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

كان لقائي معه قبل عودته إلى دمشق، فسألته عما تعني له الغربة والعيش في جو لندني رمادي على امتداد اثنتي عشرة سنة قضى منها خمس سنوات في الدوحة، بعيدا عن دمشق، وعن ابنه وأحفاده، فكان جوابه طريفا: "لا أشعر بوطأة الغربة كثيرا لأنني لا أعرف الفراغ. منذ خرجتُ وأنا أعيش تقريبا بين أربعة جدران. لم يتح لي الشعور بالملل قط، كان وقتي ممتلئا عن آخره، ولأن رواياتي تدور في سوريا، فقد كان شعوري بأنني لم أغادرها".

"حين أفتح عيني في السادسة صباحاً وأتساءل عما سأفعله في هذا اليوم، أجده يغص بمهام تفيض إلى اليوم التالي. أمارس الكتابة بشكل يومي، سواء في الرواية أو مقالي الأسبوعي، وقراءات أحرص عليها حتى إنني أتمنى ألا أكتب يوم الجمعة لأتفرغ للقراءة فقط، فضلا عن متابعة السينما. حقا، ليس لدي أدنى وقت أتمتع فيه بالفراغ، فأن أعيش في عالم يزدحم بالأشخاص والأحداث، الحياة فيه لا تكف عن الجريان". يعيش الكتاب المحترفون في عوالم موازية لها شخوصها وتحدياتها، ولذلك مقارنتهم بحيوات البشر العاديين، لا تخلو من مجازفة.

بردت آخر رشفة في كوب الكابتشينو الذي يطلبه حداد كل صباح ويبقى يحتسيه على امتداد خمس ساعات، في نهاية حديثنا أعاد فتح حاسوبه وقرأ من الشاشة سطرا في سره، ثم حرك القلم على الورقة ليكتب عدة كلمات بخط غير مفهوم، سيعود إليها بعد ربع ساعة قبل أن تغدو غير مقروءة… إنها الرواية التي كانت بين يديه، في المراجعة الثانية عشرة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا