مع الظهور الأول لاسمي "الشرقية-إنبي " و "بتروجيت-منتخب السويس " في جدول الدوري المصري لكرة القدم، تدخل تجربة الشراكة بين أندية الشركات والأندية الجماهيرية مرحلة الاختبار الحقيقي.
وبين البحث عن المال الذي يعيد الأندية الشعبية إلى المنافسة، والمخاوف على الهوية ومصير النادي بعد انتهاء الشراكة، يبرز السؤال: هل يكون "الدمج " طوق نجاة للأندية الجماهيرية أم بداية لتحولها إلى كيانات جديدة؟
يأتي هذا السؤال في وقت لم تعد فيه الجماهير وحدها كافية لإنقاذ الأندية الشعبية في كرة القدم المصرية، كما لم يعد التاريخ قادرا بمفرده على دفع فرق عريقة -مثل الإسماعيلي الذي هبط إلى دوري الدرجة الأدنى- إلى المنافسة في دوري الأضواء. وحيث تحولت كرة القدم إلى صناعة تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، تجد أندية جماهيرية نفسها عاجزة عن توفير تكلفة فريق قادر على الصعود أو حتى ضمان البقاء في الدرجات الأعلى.
ومن هنا تبرز فكرة الشراكة مع أندية الشركات والمستثمرين باعتبارها محاولة لإعادة رسم المعادلة: "المال والخبرة في مقابل الجماهير والتاريخ والهوية ".
رغم انتشار وصف "الدمج " إعلاميا، تؤكد وزارة الشباب والرياضة أن ما يجري ليس دمجا بالمعنى التقليدي، وإنما شراكة إستراتيجية داخل كرة القدم من خلال إنشاء شركات خدمات رياضية، مع بقاء الناديين كيانين مستقلين.
ويقول المتحدث باسم الوزارة محمد الشاذلي للجزيرة نت، إن تحرك الوزارة جاء بعد بحث الأوضاع المالية والاستثمارية للأندية الجماهيرية، وتكاليف المشاركة في المسابقات، ورواتب اللاعبين، والانتقالات، وملفات القيد.
وتقوم الفكرة على إنشاء شركة تتولى إدارة النشاط الكروي، بما يشمل الفريق الأول وفرق الناشئين، بينما يحتفظ كل ناد بشخصيته الاعتبارية وأنشطته الأخرى.
وفي نموذج الشرقية وإنبي، يضم مجلس إدارة الشركة خمسة أعضاء: ثلاثة يمثلون إنبي واثنان يمثلان الشرقية، إلى جانب لجان فنية ومالية مشتركة. وبذلك لا يختفي النادي الشعبي وفق التصور الرسمي، وإنما تنتقل إدارة كرة القدم إلى كيان جديد.
لكن السؤال الأصعب يظل حاضرا: من يملك القرار عندما تصبح كرة القدم نشاطا تديره شركة؟
بالنسبة إلى الأندية الجماهيرية، لا تبدو الأزمة نظرية؛ إذ يقول رئيس نادي الشرقية حمدي مرزوق إن النادي ينفق نحو 5 ملايين جنيه (نحو 100 ألف دولار) سنويا على كرة القدم، من دون أن ينجح في تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في الصعود إلى درجات أعلى أو حتى ضمان الابتعاد عن خطر الهبوط.
ويختصر مرزوق في حديثه للجزيرة نت المشكلة بقوله إن النادي "بقاله سنين بيصرف 5 ملايين جنيه بيروحوا في الهوا "، بينما يظل الفريق معرضًا للهبوط إلى درجات أدنى.
لذلك يرى أن الشراكة قد تحول الإنفاق من عبء مستمر إلى استثمار، وتمنح الشرقية فرصة امتلاك فريق قادر على المنافسة في الدوري الممتاز بصورة دائمة، وهو ما يصعب تحقيقه بالإمكانات الذاتية للنادي. ويضيف أن الفائدة لا تقتصر على الفريق الأول، بل يمكن أن تمتد إلى تطوير الملاعب والمنشآت وإنشاء أكاديميات لاكتشاف المواهب في المحافظة.
وهنا تبدو المعادلة واضحة من وجهة نظر مرزوق: "إنبي يملك الإمكانات المالية والخبرة، والشرقية يملك الجمهور والاسم والتاريخ . لكن يظل السؤال: هل يمكن لهذه المعادلة أن تعيد النادي إلى المكانة التي تريدها جماهيره؟
يرى نجم منتخب مصر السابق أحمد حسن أن الأندية الجماهيرية تستحق العودة إلى دوري الأضواء، وأن الجمهور يمثل أحد أهم عناصر قوة كرة القدم، بل أهمها على الإطلاق.
ومن وجهة نظره، قد يكون إنشاء شركات متخصصة في كرة القدم هو الحل، على أن تتولى الإدارة والاستثمار بعيدًا عن مجالس إدارات الأندية، مع بقاء النادي الأصلي قائما.
لكن حسن، في حديثه للجزيرة نت، يلفت إلى أن نجاح التجربة يتطلب قواعد واضحة، خصوصا إذا وقع خلاف بين طرفي الشراكة. ويطرح تساؤلا يراه شديد الحساسية: "إذا انتهت الشراكة، من أين يبدأ النادي الشعبي؟ ".
فبحسب نجم منتخب مصر السابق ومديره الإداري الأسبق، إذا جرى تجميد الفريق الأصلي أو الاستغناء عن لاعبيه خلال فترة الشراكة، فقد يجد النادي نفسه بلا فريق قادر على العودة إلى المنافسة، فضلا عن علامات الاستفهام حول قطاع الناشئين والاسم والكيان الرياضي.
كما يفتح حسن ملفا آخر يتعلق بحقوق البث، معتبرا أن الأندية التي تمتلك قاعدة جماهيرية وتصنع المشاهدة يجب أن تحصل على عائد أكبر؛ لأن الجمهور – في نظره – ليس مجرد مشجع، وإنما قيمة اقتصادية. وهنا تتحول الجماهير من عنصر رمزي إلى أصل يمكن قياس قيمته بالمال.
لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدا من الناحية القانونية؛ إذ يرى خبير اللوائح والقوانين الرياضية عامر العمايرة أن مصطلح "دمج الأندية " لا يمثل توصيفا قانونيا دقيقا لما يجري، موضحا للجزيرة نت أن النادي الشعبي لا يمكن التعامل معه باعتباره أصلا يمكن بيعه أو التصرف فيه.
وبحسب العمايرة، فإن السيناريو الأقرب هو تأسيس شركة لكرة القدم يدخل فيها مستثمر أو كيان تابع لشركة كشريك، وليس بيع النادي الجماهيري أو اختفاءه داخل ناد آخر.
ويشير إلى أن التجارب الحالية لم تستكمل بعد جميع مراحلها القانونية والإجرائية، وأن ما جرى حتى الآن يتمثل في مذكرات تفاهم تستهدف تأسيس الشركات واستكمال الاتفاقات والحصول على الموافقات اللازمة. والأهم – وفق رؤيته – هو مصير النادي بعد انتهاء الشراكة، خصوصا إذا كان الفريق الأصلي قد جرى تجميده أو الاستغناء عن لاعبيه.
تضع التجربة الجديدة كرة القدم المصرية أمام سؤال يتجاوز الشرقية أو منتخب السويس: هل تحتاج الأندية الجماهيرية إلى أندية الشركات لإنقاذها، أم أن أندية الشركات هي التي تحتاج إلى جمهور الأندية الشعبية لتوسيع قيمتها؟
المعادلة تبدو مغرية للطرفين؛ فالأندية الجماهيرية تمتلك ما يصعب شراؤه وهو التاريخ والجمهور، بينما تمتلك أندية الشركات ما يصعب على النادي الشعبي توفيره وهو المال والخبرة والقدرة على تحمل تكلفة المنافسة.
لكن نجاح التجربة لن يقاس بمجرد عودة فريق إلى الدوري الممتاز لموسم أو موسمين، وإنما بقدرتها على خلق موارد مستدامة، وبناء قطاع ناشئين، وتطوير المنشآت، وزيادة الإيرادات، وضمان استمرار النادي حتى إذا انتهت الشراكة.
فإذا نجحت الشراكات في تحقيق هذه المعادلة، فقد تتحول إلى نموذج لإنقاذ أندية جماهيرية أخرى مهددة بالهبوط والاختفاء من خريطة الكرة المصرية. أما إذا بقيت مجرد اتفاقات محددة المدة من دون حسم حقوق الطرفين ومصير الفريق والرخصة واللاعبين بعد انتهاء الشراكة، فقد يتحول "الإنقاذ " إلى مجرد تأجيل للأزمة.
في النهاية، القضية ليست مجرد دمج شعارات أو تشكيل فريق جديد، وإنما اختبار لقدرة كرة القدم المصرية على الجمع بين قوة المال وقوة الجماهير من دون أن تبتلع إحداهما الأخرى.
والسؤال الذي ستجيب عنه التجربة على أرض الملعب هو: هل يكون المال جسرا يعيد الأندية الجماهيرية إلى المنافسة، أم ثمنا تدفعه هذه الأندية من هويتها وتاريخها؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة