أقرت وزارة التربية والتعليم السورية تعديلات جديدة على آلية تدريس اللغة الكردية، قبل أيام من انطلاق العام الدراسي الجديد، لتصبح جزءا من المناهج المعتمدة في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها المواطنون الأكراد نسبة ملحوظة من السكان.
وبموجب قرار صادر في 27 أغسطس/آب الجاري، تدرّس اللغة الكردية في جميع المراحل التعليمية بواقع 3 حصص أسبوعيا، إلى جانب اللغتين العربية والإنجليزية، وتدخل علامتها ضمن المجموع النهائي للطالب. كما خصصت الوزارة حصة أسبوعية للأنشطة باللغة الكردية.
ويأتي القرار المعدّل بعد أشهر من الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية لإدخال الكردية إلى النظام التعليمي الرسمي، لكنه يفتح في الوقت نفسه أسئلة عملية بشأن المدارس المشمولة، والمناهج التي سيدرسها الطلاب، ومن سيقوم بالتدريس، ومدى قدرة الوزارة على تأمين هذه المتطلبات مع بداية العام الدراسي.
لا يعني القرار أن اللغة الكردية ستُدرّس في جميع المدارس السورية. فالوزارة ربطت تطبيقها بالمدارس الحكومية والخاصة الواقعة في المناطق ذات الحضور الكردي البارز، على أن تقترح مديريات التربية في المحافظات المدارس المشمولة بالتنسيق مع المحافظين، ثم تعتمد الوزارة هذه المقترحات.
وهذا يجعل تحديد المدارس إحدى أولى الخطوات التنفيذية المطلوبة، إذ لم يكتف القرار بالنص على تدريس اللغة، وإنما ربط التطبيق بالواقع السكاني والإمكانات التعليمية المتاحة.
أما الطلاب فسيجدون الكردية ضمن الخطة الدراسية إلى جانب العربية والإنجليزية، على أن تدخل علامتها في المجموع النهائي.
وفي العام الدراسي الأول من تطبيق القرار، أتاحت الوزارة أيضا للطلاب اختيار دراسة مواد الدراسات الاجتماعية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة باللغة العربية أو الكردية، وفق المناهج المعتمدة. ويقتصر هذا الخيار على السنة الدراسية الانتقالية الأولى.
قبل تعديل القرار الأخير، بدأت وزارة التربية بالفعل في البحث عن مدرسين قادرين على تدريس الكردية.
وفي 17 أغسطس/آب، أعلنت الوزارة استقطاب مدرسين من بين موظفيها أو من خارجهم، واشترطت إتقان اللغة الكردية، مع إمكانية الاستعانة بحملة الإجازات الجامعية أو شهادات معاهد إعداد المدرسين، إضافة إلى حملة الثانوية العامة عند الضرورة.
ولن يكون إتقان اللغة وحده كافيا، إذ يخضع المتقدمون لاختبارات كتابية وشفهية وفق معايير موحدة، بهدف التحقق من مستواهم اللغوي.
كما نصت التعليمات على تدريب المدرسين وتأهيلهم بما يرفع كفاءتهم التعليمية والتربوية. وتطرح هذه الخطوة تحديا آخر أمام الوزارة: هل سيكون عدد المدرسين المؤهلين كافيا لتغطية المدارس التي سيشملها القرار؟
كلفت وزارة التربية المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية بإعداد مناهج اللغة الكردية لجميع المراحل التعليمية، وفق الأسس العلمية والتربوية المعتمدة والإطار الوطني للمناهج. كما يتولى المركز إعداد وترجمة مادة الأنشطة إلى الكردية.
وتعني هذه الخطوة أن دخول اللغة الكردية إلى المدارس لا يقتصر على إضافة مادة جديدة إلى جدول الحصص، بل يتطلب إعداد كتب ومناهج ومعايير تعليمية وآليات تقييم خاصة بها.
تعود الخطوة الأساسية إلى 16 يناير/كانون الثاني 2026، عندما أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 13، الذي نص على أن "المواطنين السوريين الأكراد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية".
واعتبر المرسوم اللغة الكردية لغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، باعتبارها جزءا من المناهج الاختيارية أو نشاطا ثقافيا تعليميا.
وألزم المرسوم الجهات الحكومية بإصدار التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق هذه المواد.
وبعد أيام، في 26 يناير/كانون الثاني، أصدرت وزارة التربية تعليماتها التنفيذية الأولى، وكلفت المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد مناهج اللغة الكردية لجميع المراحل في مدة لا تتجاوز 6 أشهر، على أن تستكمل إجراءات الإعداد والاعتماد والطباعة قبل بدء العام الدراسي.
وفي تلك المرحلة، حُددت الكردية مادة وطنية اختيارية بواقع حصتين أسبوعيا، من دون أن تؤثر نتيجتها على النجاح أو الرسوب، مع تسجيل درجتها ضمن المجموع العام. كما كلفت مديريات التربية باقتراح المدارس التي يمكن أن تشملها عملية التدريس وفق الواقع السكاني والإمكانات المتاحة.
مع اقتراب العام الدراسي، بدأت الوزارة الانتقال من مرحلة وضع الإطار القانوني إلى مرحلة تأمين الكوادر اللازمة للتنفيذ.
وفي أغسطس/آب، أعلنت استقطاب المدرسين وإخضاع المتقدمين لاختبارات لغوية، قبل أن يأتي قرار 27 أغسطس/آب بتعديل الآلية ورفع عدد حصص اللغة الكردية من حصتين إلى 3 حصص أسبوعيا، وإدخال علامتها ضمن المجموع النهائي للطالب.
وبذلك انتقلت الكردية من صيغة مادة اختيارية ذات حضور محدود إلى مادة مدرجة بصورة أوضح ضمن الخطة الدراسية في المدارس المشمولة بالقرار.
ليس تماما، فالقرار الحالي ينص على كون اللغة الكردية مادة دراسية، وليس تحويلها إلى لغة أساسية للتدريس في جميع المواد. وهنا يظهر أحد أبرز النقاشات التي رافقت القرار.
ففي الحسكة، نظم معلمون ومعلمات وقفة احتجاجية في 30 أغسطس/آب، طالبوا فيها بتوسيع نطاق التعليم باللغة الكردية، معتبرين أن الاعتراف باللغة بوصفها لغة وطنية ينبغي أن تتبعه إتاحة التعليم بها، وليس الاكتفاء بتدريسها مادة فقط.
ويشير المحتجون إلى وجود تجربة سابقة للتعليم باللغة الكردية في مناطق شمال شرقي سوريا، امتدت نحو 14 عاما، وتكوّنت فيها كوادر ومناهج وخبرات تعليمية باللغة الكردية.
وبذلك لا يدور النقاش الحالي بشأن ما إذا كانت الكردية ستدخل المدارس فحسب، بل المكان الذي ستحتله داخل العملية التعليمية: هل تبقى مادة لغوية ضمن المنهاج، أم تتوسع مستقبلا لتصبح لغة يمكن أن يتلقى بها الطلاب مواد دراسية أخرى؟
مع بدء العام الدراسي 2026-2027، ستواجه وزارة التربية الاختبار العملي للقرار: تحديد المدارس المشمولة وتوفير المدرسين واستكمال المناهج، إضافة إلى تنظيم آلية التقييم والامتحانات.
أما الطلاب في المناطق المشمولة، فسيكون أمامهم للمرة الأولى ضمن النظام التعليمي الرسمي الجديد مقرر للكردية بـ3 حصص أسبوعيا، ودرجة تدخل في مجموعهم النهائي.
وبين الاعتراف الرسمي باللغة الكردية، ومطالب جعلها لغة للتدريس، تبدو السنة الدراسية المقبلة مرحلة اختبار لنموذج تعليمي جديد في سوريا، لاختبار مدى قدرة القرار على الانتقال من النصوص والتعليمات إلى غرفة الصف.
يتركز معظم السوريين الأكراد في شمال وشمال شرقي سوريا، مع وجود تجمعات كردية في مناطق أخرى من البلاد، بينها دمشق.
ومحافظة الحسكة هي أبرز مناطق الوجود الكردي، خاصة في مدن وبلدات مثل القامشلي وعامودا والدرباسية ورأس العين والمالكية، إضافة إلى مناطق في شمال محافظة حلب، أبرزها عفرين ومناطق محيطة بها.
ولا يعني ذلك أن جميع سكان هذه المناطق من الأكراد، إذ تتسم تركيبتها السكانية بالتنوع، وهو ما يجعل تحديد المدارس المشمولة بقرار وزارة التربية مرتبطا بالواقع السكاني لكل منطقة، وبالمقترحات التي سترفعها مديريات التربية إلى الوزارة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة