آخر الأخبار

هل يصمد أم يتصدع "جدار الحماية" ضد "حزب البديل" في ألمانيا؟

شارك
ألمانيا، برلين 2025 - مظاهرة حاشدة داعمة للقيم الديمقراطية ضد "حزب البديل من أجل ألمانيا".صورة من: Christian Mang/Reuters

في الأصل، يُستخدم الجدار الناري في المباني، أو الجدار العازل للحرائق، لمنع انتقال الحريق من مبنى إلى آخر. وفي السياسة الألمانية يُستخدم مصطلح "الجدار الناري" كاستعارة للتعبير عن التمييز الصارم تجاه الأحزاب التي تُعتبر متطرفة. وكما يهدف الجدار الناري إلى حماية المباني فإن الجدار الناري السياسي يهدف إلى حماية الديمقراطية.

لم يتم حتى الآن توضيح قضائيا إنْ كان حزب "البديل من أجل ألمانيا" (أيه إف دي) معاديا للديمقراطية بالفعل. صحيح أن جهاز حماية الدستور قد صنف بعض الفروع الإقليمية للحزب على أنها "متطرفة يمينية مؤكدة" لكن مسألة إنْ كان الحزب يتعارض مع الدستور الألماني أم لا يجب أن تحسمها المحكمة الدستورية الاتحادية في إجراءات حظر. يتم مناقشة طلب حظر حزب "البديل من أجل ألمانيا" مرارا لكنه لم يُقدَّم حتى الآن.

ألمانيا - مدينة ماغدبورغ 2026 - أولريش زيغموند (إلى اليسار في الصوة) من حزب البديل الشعبوي يصافح سفين شولتسه من الحزب المسيحي الديمقراطي.صورة من: Klaus-Dietmar Gabbert/dpa/picture alliance

أصبح مصطلح "الجدار الناري" يزعج المستشار ميرتس الآن

لا يمكن نسب مصطلح "الجدار الناري" السياسي بشكل قاطع إلى منشئ واحد. لكنه يدين بانتشاره الواسع بشكل كبير إلى فريدريش ميرتس. فقد قال في ديسمبر/كانون الأول 2021 عند توليه منصب رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي (أو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي) في مجلة "شبيغل": "معي سيكون هناك جدار ناري يفصل بيننا وبين حزب البديل من أجل ألمانيا ".

أما ميرتس الذي أصبح الآن مستشارا اتحاديًّا فيتجنب استخدام هذه الكلمة ويبدو منزعجا بشكل متزايد عندما يُسأل عنها. لكنه يظل متمسكا بالمعنى الذي تحمله الكلمة: الحزب المسيحي الديمقراطي ينأى بنفسه عن حزب البديل من أجل ألمانيا وكذلك عن حزب اليسار. وقد اتخذ حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في مؤتمره الحزبي عام 2018 ما يُعرف بـ"قرار عدم التوافق": "يُرفض تشكيل ائتلافات وأشكال مماثلة من التعاون" مع حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار.

ولا يقتصر ذلك على الاتفاقات الثابتة والائتلافات مع حزب البديل من أجل ألمانيا فحسب. ففي بعض الأحيان شكل الحزب المسيحي الديمقراطي أغلبية خاصة به عن عمد دون دعم من "حزب البديل من أجل ألمانيا" ولم يقبل نواب الحزب المسيحي الديمقراطي أن يتم انتخابهم لمناصب سياسية بأصوات من حزب "البديل من أجل ألمانيا".

واتخذ الحزب الليبرالي (إف دي بيه) قرارا مشابها. ويتعامل كل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي (إس بيه دي) وحزب الخضر مع حزب "البديل من أجل ألمانيا" بنفس الطريقة ولكن دون قرارات رسمية.

أما سارا فاغنكنيشت، مؤسِّسة (حزب بي إس دبليو) فهي تعارض صراحةً تهميش "حزب البديل من أجل ألمانيا"، بل إنها مواقفها قد تسهم في تمهيد الطريق لحكومة يقودها هذا الحزب في ولاية ساكسونيا أنهالت حيث تُجرى الانتخابات في السادس من سبتمبر/أيلول 2026.

ألمانيا - برلين 2025 - أليس فايدل خلال مناقشة الميزانية في البوندستاغ، وهي تُعَد القيادية الأبرز لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي.صورة من: Kay Nietfeld/dpa/picture alliance

لا يوجد "جدار واقٍ" على مستوى البلديات

ولكنْ حتى السياسيون المنتمون إلى الأحزاب التي تدافع في الأصل عن "الجدار الواقي" لا يشاركون بالضرورة دائما في تهميش حزب البديل. وفيما يلي المثالان الأكثر شهرة:

في عام 2020 انتُخب السياسي التابع للحزب الليبرالي (الحر الديمقراطي) (إف دي بيه) توماس كيميريش رئيسا لوزراء ولاية تورينغن بأصوات من حزب البديل من أجل ألمانيا . شعرت المستشارة الألمانية آنذاك أنغيلا ميركل التي كانت تنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي بالقلق وطالبَت خلال رحلة خارجية بـ "إبطال" نتيجة الانتخابات. استقال كيميريش بعد بضعة أيام.

في يناير 2025 تم إقرار اقتراح قدمه الحزب المسيحي الديمقراطي في البوندستاغ بإعادة طالبي اللجوء على الحدود أو منع دخولهم وذلك بدعم من أصوات حزب البديل من أجل ألمانيا أيضا. وكان ميرتس آنذاك قبيل انتخابات البوندستاغ زعيم المعارضة. ولا يزال يُتهم حتى اليوم بأن هذا يمثل خرقًا لسياسة "الجدار الناري".

على المستوى المحلي يبدو "الجدار الناري" أقل صلابة بل ويُعد قابلا للاختراق على أي حال. ففي المجالس البلدية والمحلية تتكرر الأمثلة التي يظهر فيها سياسيون من أحزاب أخرى يصوتون جنبا إلى جنب مع حزب البديل.

وغالبا ما تُساق الحجة القائلة بأن بناء حضانة للأطفال على سبيل المثال ليس أمرا سيئًا لمجرد أن حزب البديل يؤيده أيضا. ومع ذلك يحذر النقاد بانتظام من عملية التعود الخفية: فذلك يجعل حزب البديل مقبولا في الأوساط السياسية وستتحول السياسة المحلية في نهاية المطاف إلى سياسة على مستوى الولاية أو حتى على المستوى الاتحادي.

ألمانيا - مدينة إرفورت 2020 - بيورن هوكه (إلى اليسار في الصورة) زعيم حزب البديل في ولاية تورينغن يهنئ توماس كيميريش من الحزب الليبرالي الديمقراطي الحر على انتخابه رئيسا لوزراء الولاية.صورة من: Star-Media/IMAGO

هل يمكن تجاهل 40% من الناخبين في ولاية ساكسونيا-أنهالت؟

تتباين الآراء حول جدوى "جدار الحماية" هذا. تعتبر أحزاب الوسط السياسي، الاتحاد المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر أنه وسيلة للحفاظ على النظافة السياسية أو الحفاظ على سلامة النظام الديمقراطي أو حماية للحياة السياسية الديمقراطية. أما حزب البديل نفسه فيتهمها بأنها تسعى من خلال ذلك إلى إضعاف منافستها السياسية.

على أي حال لا يبدو أن سياسة "الجدار الحاجز" تضر بحزب البديل، بل على العكس: تواصل نتائج استطلاعات الرأي الخاصة به الارتفاع على الرغم من "الجدار الحاجز" أو ربما بسببه.

في ظل قوة كبيرة لحزب البديل كما هو الحال في معظم أنحاء شرق ألمانيا غالبا ما تضطر جميع الأحزاب الأخرى في المجالس التشريعية للولايات إلى التحالف لمنع تشكيل حكومة ولاية بقيادة البديل. ويحدث ذلك على حساب مصداقية أحزاب تتباعد أيديولوجياً بشكل كبير. ففي الشرق على سبيل المثال يقدم حزب اليسار، الحزب الذي يُعد وريث حزب الوحدة الاشتراكية الحاكم سابقاً في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، عروضا صريحة للتقارب مع الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ. صحيح أن الحزب المسيحي الديمقراطي يرفض رسميًّا تشكيل ائتلافات مع حزب اليسار تماما كما يرفضها مع حزب البديل من أجل ألمانيا . لكن في عدة ولايات أصبح من الصعب بشكل متزايد منع تشكيل حكومة بقيادة "حزب البديل من أجل ألمانيا" دون مثل هذا التعاون.

كما يشير خبراء العلوم السياسية إلى وجود عجز ديمقراطي في حال تم تجاهل الإرادة السياسية لناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا على المدى الطويل. كما صرحت مؤخرا سارا فاغِنكنيشت، مؤسِّسة حزب "بي إس دبليو" بشأن ولاية ساكسونيا-أنهالت قائلةً: "إن استبعاد حزب يحظى (في هذه الولاية) بتأييد حوالي 40 في المائة من الناخبين بشكل دائم هو أمر غير ديمقراطي تماما. لقد فشل جدار الحماية".

تُعرَف كل من سارا فاغنكنيشت وأليس فايدل بمواقف تدعو إلى انتهاج سياسة أكثر براغماتية تجاه روسيا مقارنة بمعظم الأحزاب الألمانية. (الصورة من فعاليات الكرنفال ضمن موكب إثنين الورود "روزنمونتاغ" في مدينة ماينتس).صورة من: Michael Probst/AP/picture alliance

البعض في الحزب المسيحي الديمقراطي يرغبون في هدم هذا الحاجز

يشكك بعض السياسيين من الحزب المسيحي الديمقراطي في شرق ألمانيا في جدوى "جدار الحماية". وقد تقدمت "اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد في براندنبورغ" وهي هيئة تمثل المصالح داخل الحزب مؤخرا بطلب "للعمل على المستوى الاتحادي من أجل إلغاء أو إعادة صياغة جذرية لقرار عدم التوافق الذي اتخذه الحزب المسيحي الديمقراطي تجاه حزب البديل من أجل ألمانيا . وقد سحبت الطلب بعد انتقادات شديدة من الحزب الفيدرالي.

وكان ميشاييل كريتشمر، رئيس وزراء ولاية ساكسونيا المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي والذي يقود حكومة أقلية في دريسدن قد صرح مؤخرا لصحيفة "هاندلْسبلات": "من لم يزال يتحدث عن الجدران النارية لم يدرك علامات العصر. علينا التحدث مع كل من يرغب في الحوار". ومع ذلك فإنه يصر على التمييز بين حزبه وحزب البديل من أجل ألمانيا .

يسعى الحزب المسيحي الديمقراطي الاتحادي إلى وقف مثل هذه المناقشات. ولا ينوي تورستن فراي، الرئيس الجديد لكتلة اتحاد الحزب المسيحي الديمقراطي مع الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري في البوندستاغ، التسامح مع أي انحرافات من جانب الفروع الإقليمية الفردية: "حظر التعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا هو قرار مبدئي في الحزب المسيحي الديمقراطي. ولا يمكن التعامل معه بشكل مختلف باختلاف الولاية"، كما صرح لصحف مجموعة "فونكه" الإعلامية.

ألمانيا - برلين 2024 - مناظرة تلفزيونية بين أليس فايدل وسارا فاغنكنيشت.صورة من: Kay Nietfeld/dpa/picture alliance

كما يظل المستشار متمسكا بموقفه. فعلى الرغم من الضغوط الهائلة والظروف السياسية الصعبة في ولايات ألمانيا الشرقية فإنه يلتزم بقرار عدم التوافق مع حزب البديل وكذلك مع حزب اليسار. وتبقى مسألة كيفية تشكيل أغلبية حكومية ضد حزب البديل في المستقبل مسألة مفتوحة.

أعده للعربية: م.أ.م

تحرير: علي المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا