في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- مع تفاقم تطورات الصراع الأمريكي الإيراني وتهاوي الريال الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة، تتحول العقوبات الأمريكية الجديدة إلى مادة دسمة للنقاش اليومي في شوارع طهران.
وثمة تساؤلات عميقة تتردد على الألسن: من يتحمل مسؤولية الأضرار التي لحقت بالمواطن العادي؟ هل واشنطن وحدها التي تشدد حصارها على بلد أنهكت اقتصاده بعقوباتها، أم طهران التي لم تنجح في تخفيف وطأة الضربات عن كاهل مواطنيها؟.
ولتفكيك معادلة "الصمود الأسطوري" الإيراني وعملية "المنبوذ الاقتصادي" الأمريكية، قام "الجزيرة نت" بجولة ميدانية في شوارع طهران، ووجّه هذه التساؤلات وغيرها إلى المارة الذين يستيقظون يوميا على أنباء جديدة عن الصراع، فيراقبون تطورات الحصار الاقتصادي المتفاقم على بلادهم وتراجع قيمة عملتها الوطنية أكثر وأكثر.
في شارع ميرزي شيرازي وسط طهران، التقى "الجزيرة نت" شهرام (51 عاما) وهو موظف حكومي، ولم يتردد لحظة في تحميل الولايات المتحدة ما حل ببلاده خلال العقود الماضية؛ إذ قال بصوت واثق "أمريكا ليست مسؤولة فقط عما يحدث اليوم، بل عما يحدث منذ أكثر من أربعة عقود. هذه الأضرار لم تبدأ مع حرب رمضان ولا مع الحرب الاقتصادية الأخيرة، بل منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة الإسلامية عام 1979″.
ثم بدأ يسرد، وكأنه يقلّب صفحات دفتر قديم "من دبّر الانقلابات ضد حكوماتنا؟ إنها أمريكا. من أسقط طائرتنا المدنية فوق المياه الخليجية وقتل كل ركابها؟ أمريكا. من اغتال قادتنا وفرض علينا آلاف العقوبات؟ نعم إنها أمريكا. من صادر أموال الشعب الإيراني؟ من منع عنا الدواء وحتى الطائرات المدنية؟ المسؤول الأول والأخير عن كل هذه الأضرار هي أمريكا".
وبينما يبدو عليه أنه من أولئك الذين لا يحتاجون إلى وقت طويل ليقولوا ما يؤمنون به، تابع حديثه للجزيرة نت "خلال الحرب الأخيرة، قصفت أمريكا مدرسة ميناب في جنوب البلاد وقتلت أطفالنا. القائمة طويلة جدا. لهذا أقول لك بكل قناعة إن الأمة الإيرانية لا تعرف عدوا غير أمريكا، هي التي أثبتت لنا أن مشروعها هو إيذاء هذا الشعب وكسر إرادته".
وأضاف أن الحرب الاقتصادية التي شنها الرئيس دونالد ترمب مؤخرا ليست سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة من العداء الأمريكي المستمر ضد الشعب الإيراني.
وبالقرب من جامعة "أمير كبير" الصناعية، نلتقي الثلاثينية نسرين، وهي طالبة دراسات عليا، وعبّرت عن قناعتها بأن ما يجري الآن ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هو انعكاس لبنية معقدة من الجمود الإستراتيجي عقب فشل الحرب العسكرية وتعقيد المشهد بتكريس طهران معادلة "لا نصر ولا هزيمة"، وهو ما يراه الجانب الأمريكي هزيمة له، يبرر بها الضغط أكثر فأكثر لثني إيران عن مواقفها الحالية.
وفي حديثها للجزيرة نت، تحث نسرين بلادها على إظهار "مرونة ولو شكلية" لإيجاد مخرج للجانب الأمريكي لكي يعلن نهاية الحرب مع حفظ هيبته. ثم توقفت لحظات وأضافت "الرئيس ترمب يبدو أنه أيقن أن الخيار العسكري غير مُجدٍ مع طهران التي لم يعد لديها ما تخسره جراء الحرب العسكرية، كما أن البقاء علی اتفاق إسلام آباد يحمل لمستقبله السياسي تكاليف باهظة".
وقالت "في ظل هذه الظروف، اعتقد أنه من الذكاء أن تتوصل طهران معه إلى صيغة تبرر له إعلان انتصار حول عدم امتلاك طهران القنبلة الذرية، وهي نقطة أثبتت الأخيرة أنها لا تنوي صناعتها، لا سيما أن الفرصة كانت سانحة بعد تعرضها لتهديد وجودي خلال الأشهر الماضية".
من جانبها، تحمّل شهناز (52 عاما) -وهي ربة منزل- سلطات بلادها مسؤولية ما آلت إليه الأمور، فتستعيد حكاية والدها الضابط في الجيش الملكي السابق، الذي خسر وظيفته بعد قيام الجمهورية الإسلامية، وعاش بقية عمره مهمشا، وتعرض لمضايقات عديدة قبل أن يموت كمدا -على حد وصفها- مؤكدة أنه لا ينبغي أن يكون الحديث عن العقوبات حديثا عن عدو خارجي، بل عن الثورة الإيرانية التي تصفها بأنها "جذر المأساة".
وفي حديثها للجزيرة نت، تقول شهناز التي تقطن بلدة "اكباتان" غربي العاصمة الإيرانية "لا أبرر سلوك أمريكا حيال بلادي، ولكن في الوقت ذاته كنت شاهدة على من بدأ هذه العداوة. الجمهورية الإسلامية هي التي رفعت شعار: الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، فأعلنت نيتها القضاء على إسرائيل، بل واتخذت خطوات عملية بتقديم الدعم للثوار الفلسطينيين. الكل يتذكر أن الثوار الإيرانيين هم من اقتحموا السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا رهائنها. ألم تكن طهران أول من نفذت عمليات ضد المصالح الأمريكية في المنطقة وخارجها؟".
ثم تكرر مقولتها "ما زلت أحب هذه البلاد ولم أغادرها رغم الجفاء الذي تعرضت له أسرتي"، وكأنها ترد على اتهام محتمل قد يُوجَّه إليها، فتضيف "واشنطن لم تبدأ العداء لإيران لو لم يكن هناك ما يبرر ذلك. سبق أن دعمت طهران بعد ثورة 1979 جميع الحركات التي تقف ضد الولايات المتحدة، وجعلت من ثورتها أساسا لتصدير مبادئها المعادية للمحور الأمريكي، بل ومشروعا سياسيا داعما للقضية الفلسطينية. الشعب الإيراني اليوم يدفع ثمن ذلك السلوك الذي لم يتوقف حتى اللحظة".
من جهته، يعتقد علي رضا (28 عاما) -وهو يحمل شهادة البكالوريوس لكنه عاطل عن العمل- أن الأحزاب السياسية في بلاده هي التي "ظلمتنا أكثر من الأعداء"، مضيفا "لا أنكر أن أمريكا ظالمة، ولكن لا ألومها على معاقبتها طهران لأن الحكومات الإيرانية المتعاقبة ومن وراءها التيارات السياسية التي تدعمها هي أول من نهب ثروات الشعب الإيراني وجعلتنا نعيش في فقر مدقع".
وأضاف "بعض من حاشية الحكومات والمحسوبين عليها يرتزقون جراء العقوبات، ولذلك لم يسمحوا بتعديل سياسات البلاد الخارجية. هؤلاء سماسرة يعيشون على إفقار الشعب الإيراني".
وأوضح -في حديثه للجزيرة نت- بنبرة تحمل مزيجا من الحسرة والأسى "أرى أن الحكومة الحالية تريد وضع حد لحالة العداء مع الدول الأخرى، لكن لدينا تيارات معروفة لا تريد حياة طبيعية لنا، ولذلك تضيّق على الحكومة وتهاجمها ليلا ونهارا، كما عارضت سياسات بعض الحكومات السابقة".
وقال "الناس تريد أن تعيش. أما أن يدفع الشعب ثمن عقائد وأخطاء التيارات المتنفذة رغما عن إرادة بعض الحكومات، فهذا ظلم يفوق ظلم واشنطن وتل أبيبت اللتين هاجمتا مصالح الشعب الإيراني".
أما فريد (68 عاما) -وهو متقاعد من وزارة التعليم العالي- فكان يتأمل المارة في شارع "مقدس أردبيلي" شمالي العاصمة، وينظر إلى المشهد من زوايا متعددة، فيعتقد أن مسؤولية الإضرار بالشعب الإيراني موزعة ولا يمكن اختزالها في طرف واحد "الجميع شريك في المأساة، لكن كل واحد بطريقته الخاصة".
ثم بدأ يفكك الخيوط بهدوء "برأيي، أول من يتحمل المسؤولية هو الضحية. نعم نحن الشعب الإيراني لطالما صفقنا للشعارات التي رفعتها السلطات وهللنا لسياساتها الخارجية، ولم نعارض بحزم سياساتها الداخلية"، مشبها الدعم الشعبي لنظام الجمهورية الإسلامية كمن "يصفق لمصارع في حلبة دون أن يعرف من سيدفع ثمن تلك المصارعة والحلبة".
وتابع أنه كان يجب على الشعب أن يعارض سياسات بلاده الخاطئة لكنه آثر الصمت إلى أن وجد نفسه غارقا في أزمة "لم ننتبه أصلا كيف خرجت عن السيطرة"، مضيفا أنه لا يمكن إغفال دور المعارضة الإيرانية في الخارج "لقد شجعت الأعداء على مهاجمة إيران وضغطت لفرض أقسى العقوبات عليها، بل قاموا بفبركة بيانات وتزويد الجهات الأجنبية بها لتبرير مزيد من الحصار علينا. هؤلاء لا يريدون تحرير إيران وإنما يدفعونها إلى الهاوية".
وبعد لحظات صمت، ينتقل فريد إلى الطرف الآخر من الأزمة "إسرائيل أيضا تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية. لقد مارست ضغوطا جبارة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتشديد الخناق على الإيرانيين، فتل أبيب كانت المستفيدة الكبرى من عزلة طهران واستنزاف ثروات الشعب الإيراني".
أما واشنطن، فيرى -المتحدث نفسه- أنها تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية لأن "عقوباتها لا تستهدف السلطات الإيرانية بل القوت اليومي للمواطن العادي، وكلما خرج الإيرانيون في احتجاجات سارعت واشنطن إلى إعلان دعمها لتبرر بذلك لسلطات طهران قمع المحتجين، كما أنها أثبتت بأنها ليست جديرة بالثقة، فكلما مدت بعض حكومات طهران يد التفاهم قطعتها".
ولم ينس فريد أن بعض الحكومات الإيرانية "طالما انحنت أمام إرادة المتطرفين في الداخل، فتبنت قرارات كانت تعرف أنها ستثقل كاهل المواطن، حتى تركت خلفها أخطاء متراكمة. وفي المحصلة، الشعب الإيراني محاصر من الخارج بأعداء لا يرحمونه ومن الداخل بأشقاء لا يراعون مصلحته، ومن المنفى بمعارضة لا تحمل سوى معول هدم بلاده".
وفي هذا المشهد، نختم جولتنا فيما تبدو لنا طهران وكأنها مدينة تحمل في قلبها كل هذه التناقضات، في حين يستمر الشارع بطرح السؤال ذاته "من يتحمل مسؤولية ما نحن فيه؟"، وربما في تعدد الإجابات وتباينها تكمن إجابة فريد الأخيرة "المسؤولية مشتركة، والخروج من الوضع الراهن لا يمكن أن يأتي من طرف واحد".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة