آخر الأخبار

عمر لطفي باشا.. كيف أصبح الجندي النمساوي الهارب قائد جيوش العثمانيين؟

شارك

في سجل الدولة العثمانية قادة كثيرون، لكن عمر لطفي باشا تحديدا له قصة خاصة. بدأ الرجل حياته مسيحيا أرثوذكسيا في خدمة أخطر الأعداء الأوروبيين، ثم انتهى به المقام في أعلى مناصب الجيش العثماني، حاملا لقب "سردار أكرم" الذي لم يكن يُمنح لغير قادة الجيش أو الصدور العظام (رؤساء الوزراء) حين يخرجون لقيادة الجيوش بأنفسهم.

يعرفه التاريخ العثماني باسم عمر لطفي باشا "النمساوي"، فيما يعرفه التاريخ الأوروبي باسم عمر باشا لاتاس، وهو رجل اختصر في سيرته قصة التغيرات العميقة التي طرأت على الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر حيث الانتقال من أساليب الإدارة القديمة، إلى النظم والتشكيلات الغربية الحديثة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 شفرة "إيرورزفيدكا".. منظومة الهواة التي أقر الجيش الأمريكي بعجزه أمامها
* list 2 of 2 الميليشيات التي حكمت العالم.. قصة الجيش الأمريكي الذي حذر منه مؤسسوه end of list

المولد والالتحاق بالدولة العثمانية

وُلد عمر باشا عام 1806 في الأراضي النمساوية المتاخمة للحدود مع الدولة العثمانية، تلك المنطقة الحدودية التي أنشأها آل هابسبورغ حكام الإمبراطورية النمساوية وحافظوا عليها على مدار قرون، لتكون حاجزا بشريا في وجه "الزحف العثماني"، فكان أهلها يُجنّدون منذ الصغر لحمل السلاح دفاعا عن تخوم الإمبراطورية، وكان اسمه يومئذ ميخائيل لاتاس أو ميهايلو لاتاس بالصربية.

كان ميهايلو ابنا لأبوين أرثوذكسيين صربيين ملتزمين، وكان أبوه ضابطا صغيرا في الخدمة النمساوية، وتختلف المصادر الصربية والغربية حول تحديد مسقط رأسه، فبعضها يذكر قرية "يانيا غورا" (Janja Gora)، بينما تذكر مصادر تركية مغايرة أن مولده كان في بلدة تُدعى "بلاشكي" (Plaški) القريبة منها في إقليم ليكا بكرواتيا، وكلا الموضعين كانا في ذلك الوقت ضمن المنطقة الجغرافية نفسها.

"فر لاتاس من الخدمة النمساوية إلى الأراضي العثمانية في البوسنة"

تلقى الفتى تعليمه في المدرسة العسكرية النمساوية فيما بعد، وبدا أن مستقبله قد رُسم سلفا، إذ سيسير على خُطا والده ليصبح ضابطا في جيش الإمبراطورية، لكن القدر خبأ له مسارا مختلفا، فقد فرّ لاتاس من الخدمة النمساوية وهو جندي إلى الأراضي العثمانية في البوسنة، وهنا يقع الخلاف حول أسباب هذا الأمر، فالروايات الصربية والغربية تؤرخ الفرار عام 1823 وتربطه بمواجهته باتهامات اختلاس دفعته إلى الهرب، بينما تؤرخه مصادر تركية لعامي 1827 و1828 لأسباب متعلقة بضيق ذات اليد والبحث عن فرص جديدة في الأراضي العثمانية.

إعلان

عقب هروبه عاش لاتاس في البوسنة فترة من الضيق حتى عُرض عليه أن يعمل معلما لأبناء أحد التجار المسلمين إذا اعتنق الإسلام، فأسلم بالفعل واتخذ اسم عمر ثم أُلحق به لقب لطفي، وقد تكون هذه الخطوة في ظاهرها مخرجا من ضائقة معيشية كانت تلازمه وقتئذ، لكنها كانت في حقيقتها نقطة التحول الكبرى في حياته، إذ ربطت مصيره ربطا لا فكاك منه بالدولة العثمانية.

مصدر الصورة عمر باشا انتقل إلى إسطنبول حيث عمل مدرسا للفنون العسكرية في المدرسة الحربية، حتى غدا معلما لولي العهد الأمير عبد المجيد (غيتي)

جاء دخوله الخدمة العسكرية العثمانية في توقيت ثوري، فقد كان السلطان محمود الثاني قد ألغى قبل سنوات قليلة الجيش الإنكشاري القديم فيما عُرف بـ"الواقعة الخيرية" عام 1826، وقد شرع في بناء جيش نظامي حديث على النمط الأوروبي، وكانت الدولة تبحث بلهفة عن ضباط يعرفون فنون الحرب الحديثة ويجيدون لغات أوروبا، ولم يكن هناك أثمن من جندي نمساوي سابق بدراسة عسكرية أوروبية في لحظة كهذه، ومن ثم التحق عمر لطفي لاتاس بالجيش العثماني برتبة ضابط، ووجد أمامه أبوابا مشرعة كان يندر أن تُفتح لوافد غريب.

"عمل عمر مدرسا للفنون العسكرية في المدرسة الحربية بإسطنبول، ثم اتصلت أسبابه بالقصر السلطاني حتى غدا معلما لولي العهد الأمير عبد المجيد"

انتقل عمر من البوسنة إلى إسطنبول حيث عمل مدرسا للفنون العسكرية في المدرسة الحربية، ثم اتصلت أسبابه بالقصر السلطاني حتى غدا معلما لولي العهد الأمير عبد المجيد، وهي صلة سيكون لها ما بعدها حين يعتلي التلميذ عبد المجيد عرش آبائه عام 1839، كما عمل مترجما في باب السرعسكر (مقر قيادة الجيش) لحاجة أعمال التحديث العسكري إلى من ينقل عن اللغات الغربية؛ وهكذا تدرّج عمر النمساوي في المراتب من بكباشي إلى قائمقام إلى ميرالاي فأمير لواء "ميرلوا"، مستندا إلى خبرته الأوروبية وإلى حظوته لدى السلطان الشاب عبد المجيد.

لم يكن هذا الصعود خطا مستقيما بلا تعثّر، ففي عام 1843 في غمار عمليات إعادة تنظيم الجيش، أُبعد عمر لطفي عن الخدمة العسكرية وأُلحق به لقب ساخر هو "الباشا المدني"، وكانت الباشوية وقتئذ لا تُعطى إلا لأصحاب الرتب العالية في الجيش العثماني، ولكن واقعة تالية كشفت عن مهارته وأعادته إلى الميدان العسكري من جديد، فقد حضر ذات مرة تدريبا بالذخيرة الحية فلمح خطأ في الترتيب العسكري، فلم يطق صبرا على الخطأ الفني حيث تولى القيادة بنفسه وصحح الوضع لقادة الميدان أمام أعين الحاضرين وعلى رأسهم السلطان، فأُعجب السلطان عبد المجيد بذلك أيما إعجاب، ورد إليه رتبته وصفته العسكرية.

مصدر الصورة السلطان عبد المجيد الأول (شترستوك)

عمر باشا في الأقاليم المتمردة

وقبل أن يبلغ عمر لطفي ذروة مجده في حرب القرم، أمضى سنوات في مهمة واحدة متكررة تمثلت في إخضاع الأقاليم المتمردة على الدولة العثمانية، وقد بدأ ذلك في جبل لبنان عام 1841، حين أُرسل أميرا إلى إمارة كانت تحكمها الأسرة الشهابية حُكما شبه ذاتي منذ فترة طويلة، وكانت تُمزقها اشتباكات درزية-مارونية متقطعة.

وحين تفجر الخلاف حول الضرائب إلى صراع طائفي، ألغى العثمانيون الحكم الذاتي وعُين عمر لطفي حاكما على جبل لبنان، بيد أن المسألة اللبنانية تحولت سريعا إلى قضية دولية تدخلت فيها إنجلترا وفرنسا بحجة الدفاع عن الأقليات الدينية، بل أصرت القوى الأوروبية على تولية حاكم مسيحي، وخشية من ازدياد المشكلة أُعفي عمر لطفي من منصبه عام 1842 رغم رضا كثير من الأهالي عن عدله ومهارته في الإدارة.

إعلان

ثم توالت مهامه في ضبط المناطق المشتعلة الأخرى، فكان على رأس قمع تمرد وقع في ألبانيا عامي 1843 و1844 قاده أعيان مسلمون رفضوا مركزية التنظيمات الجديدة في الدولة وما فرضته من تجنيد وضرائب ملزمة، ثم قاد حملة في المناطق ذات الأغلبية الكردية عقب اضطرابات الأمير بدرخان (حركة انفصالية كردية) في عام 1846، وفي هذه الجولات جميعا ترسّخت صورة عمر باشا التي ستلازمه إلى آخر أيامه، وهي كونه قائدا صارما منضبطا، ويد الدولة العثمانية القوية في إخضاع القوى المحلية وتطبيق إصلاحات التنظيمات الجديدة رغما عن الجميع.

"أصبح عمر باشا يد الدولة العثمانية القوية في إخضاع القوى المحلية وتطبيق الإصلاحات التنظيمية الجديدة"

على أن الاختبار الأهم لقدراته جاء مع ثورات عام 1848 التي زلزلت أوروبا، فقد امتد لهيبها إلى إمارات الدانوب، تحديدا إقليمَي الأفلاق والبغدان (وَلاشيا ومولدافيا) في أراضي رومانيا ومولدوفا حاليا. وقتها، تحركت جماعات قومية تطالب باستقلال البغدان واتحاده مع الأفلاق، وحين انتهزت روسيا الفرصة وخالفت الاتفاقيات وبدأت احتلال مناطق الشمال لهذه الأقاليم، كُلّف عمر باشا بضبط الجنوب وتأمينه لقطع الطريق أمام خطط الروس، فتحرك الجيش العثماني بسرعة وأحكم سيطرته على القسم الجنوبي من الإقليمين اعتبارا من يوليو/تموز 1848، وحال بتدابيره الحاسمة دون أن تفرض روسيا الأمر الواقع على المنطقة.

وفي تلك الأثناء برزت مهارة عمر لطفي باشا الدبلوماسية إلى جانب حنكته العسكرية؛ فقد فر آلاف الثوار المجريين والبولنديين إلى الأراضي العثمانية عقب سحق ثورة المجر عام 1849، فطالبت النمسا وروسيا الدولة العثمانية بتسليمهم؛ الأمر الذي كان يعني إعدامهم، فرفضت الدولة العثمانية ذلك رفضا حازما حفظا لكرامتها وتقاليدها في الإجارة، وكانت الأزمة على شفا التحول إلى حرب، لكن أسهم عمر باشا مع فؤاد أفندي الذي سيصبح فيما بعد الصدر الأعظم فؤاد باشا في إدارتها بحكمة نزعت فتيل الانفجار.

ونظير هذه النجاحات المتلاحقة، رُفِّع إلى رتبة الوزارة وعُيّن مشيرا وقائدا أعلى لجيش الروملي (جيش الدولة العثمانية في أوروبا) في يونيو/حزيران 1849، ثم جاءت حملة الجبل الأسود في ديسمبر/كانون الأول 1852 حيث أخمد تمرد أنصار الاستقلال بمزيج لافت من الحصار البحري لسواحل ألبانيا واستمالة الأهالي بالإضافة إلى العمليات البرية، فأبرم اتفاق العودة إلى ما قبل الحرب مع الثائرين في 3 مارس/آذار 1853، وكانت خبرة حرب الجبال هذه رصيدا جديدا سيكون سببا في استدعائه مرتين في البوسنة وفي كريت لاحقا لإخماد ثورات مناظرة.

مصدر الصورة عمر باشا يشرف على عمليات تحميل المدفعية والمعدات على متن السفن خلال حرب القرم (غيتي)

قمة المجد العسكري.. حرب القرم

وجاء الاختبار الأعظم في عام 1853 حين اندلعت حرب القرم، ذلك الصراع الكبير الذي وقفت فيه الدولة العثمانية إلى جانب بريطانيا وفرنسا في مواجهة روسيا القيصرية الطامعة في وراثة العثمانيين ومناطقهم، وكانت شرارتها نزاعا مزعوما حول حماية المسيحيين الأرثوذكس في الأراضي المقدسة، سرعان ما تحوّل إلى اختبار وجودي للدولة العثمانية، وفي هذه الحرب بلغ عمر لطفي باشا قمة مجده العسكري، إذ تولى القيادة العليا للقوات العثمانية.

اندلعت الحرب في سياق من التنافس الروسي العثماني على النفوذ في البلقان والبحر الأسود، وتحت ذريعة حماية روسيا للأرثوذكس داخل الدولة العثمانية، وهي ذريعة رفضتها الدولة العثمانية وعدتها مساسا بسيادتها، وسرعان ما تحولت الأزمة إلى حرب واسعة دخلت فيها بريطانيا وفرنسا لاحقا إلى جانب الدولة العثمانية، خشية تمدد النفوذ الروسي نحو المضائق والبحر المتوسط.

"تولى عمر باشا القيادة العليا للقوات العثمانية أثناء حرب القرم"

وكانت جبهة نهر الدانوب في شرق أوروبا أول ميادين القتال الكبرى، حيث امتدت هذه الجبهة بين إقليمي الأفلاق والبغدان، وهناك برز عمر باشا بوصفه قائدا عسكريا ذا قدرة تنظيمية لافتة؛ فقد أدرك مبكرا أهمية التقنية الحديثة في إدارة الحرب، فأنشأ خطا تلغرافيا يربط نقاط المراقبة على امتداد النهر بمركز قيادته، مما مكّنه من متابعة تحركات الروس بسرعة وكفاءة.

إعلان

وحين تيقّن عمر باشا من نية الروس الهجوم، بادر هو بالتحرك فعبر نهر الدانوب رغم محدودية قواته، وأنزل بالجيش الروسي هزيمتين متتاليتين؛ كانت الأولى في منطقة أولتنيتسا الرومانية في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1853، حيث صمدت قواته أمام جيش روسي يفوقها عددا بقيادة الجنرال بيوتر داننبرغ. أما الثانية فكانت في جتاته قرب كالافات الرومانية اليوم في 5 يناير/كانون الثاني 1854، وقد منحت هذه الانتصارات عمر باشا مكانة عسكرية رفيعة، فخلع عليه السلطان عبد المجيد لقب "سردار أكرم"؛ وهو من أعلى الألقاب العسكرية في الدولة العثمانية، وكان غالبا لا يُمنح إلا لكبار القادة والصدور العظام.

وتعزز موقفه بانتصار جورجيو في جنوب رومانيا على الحدود مع بلغاريا، الذي أجبر الروس على التراجع عبر الدانوب نحو البغدان؛ وبذلك استعاد العثمانيون سيطرتهم المطلقة على الأفلاق والبغدان، ودخلت قوات عمر باشا بوخارست العاصمة، غير أن الدولة العثمانية قبلت لاحقا بانتشار القوات النمساوية في الإقليمين، بشرط حمايتهما من أي هجوم روسي حتى نهاية الحرب. ومع انسحاب روسيا من تلك الأراضي، أُغلقت جبهة الدانوب عمليا، وانتقل مركز الثقل العسكري إلى شبه جزيرة القرم، حيث توجه عمر باشا النمساوي بجيش الدانوب إلى ميدان جديد ستتحدد فيه أبرز فصول الحرب.

مصدر الصورة القوات العثمانية بقيادة عمر باشا تتصدى لهجوم شنته القوات الروسية خلال حصار سيليستريا عام 1854 إبان حرب القرم (غيتي)

في مطلع عام 1855، وبناءً على طلب الحلفاء، نقل عمر لطفي باشا قسما من قواته إلى شبه جزيرة القرم، وهنالك كان الحلفاء البريطانيون والفرنسيون يحاصرون قلعة سيباستوبول الروسية الحصينة منذ خريف 1854، وقد كسروا المقاومة الروسية في معارك ألما وبالاكلافا وإنكرمان، وفي ذلك المشهد برزت أهمية مدينة غوزلوه الساحلية وهي التي يسمّيها الروس يفباتوريا، وكانت مدينة تتارية قديمة بنى بها المعمار العثماني الأشهر سنان جامعا عام 1552، وكانت غوزلوه تقع قرب برزخ شبه الجزيرة الضيق، على خط إمداد الروس وانسحابهم، فتحوّلت إلى شوكة في خاصرة الجيش القيصري، وقاعدة أمامية للحلفاء تهدد ظهورهم.

وقد أُسند الدفاع عن هذه المدينة الإستراتيجية إلى عمر لطفي باشا، فتولاها بقوة قوامها ثلاث فرق مشاة وفرقة فرسان عثمانية كانت تعزّزها فرقة مصرية بقيادة الفريق سليم باشا، وتساندها سفن حربية بريطانية وفرنسية وعثمانية راسية في الميناء تؤمّن الغطاء المدفعي من البحر، وفي 17 فبراير/شباط 1855 اندفعت نحو المدينة قوة روسية ضخمة بقيادة الفريق ستيبان خروليف كان قوامها نحو 19 ألف جندي مدعومين بست كتائب مشاة ولوائي فرسان وخمس فرق من عرق القوزاق.

وكان الروس يظنّون أنهم سيكتسحون الحامية بسهولة، لكنهم اصطدموا بجدار من نيران المدفعية العثمانية المتفوّقة، مسنودة بقصف سفن الحلفاء، ودار قتال عنيف استمرّ نحو أربع ساعات، انتهى بانكسار الهجوم الروسي انكسارا تاما، وتراجع جنود القياصرة تاركين وراءهم نحو 2500 بين قتيل وجريح، بينما لم تتجاوز خسائر المدافعين عن القلعة من العثمانيين والمصريين نحو 350 جنديا، أبرزهم القائد المصري سليم باشا والميرالاي رستم بك.

"لم تكن غوزلوه معركة عابرة، بل كانت نقطة تحوّل إستراتيجية حقيقية في مجرى الحرب"

ولم تكن غوزلوه معركة عابرة، بل كانت نقطة تحول إستراتيجية حقيقية في مجرى الحرب، فقد كانت العملية العسكرية الكبرى الوحيدة خارج سيباستوبول في تلك السنة، وبعدها لم يجرؤ الروس على معاودة الهجوم على القلعة قط، وبانكسارهم أمام أسوارها تبدّد حلمهم في تثبيت جيش بري قوي في القرم يكسر الحصار المضروب على سيباستوبول أو يهدد ظهر الحلفاء، وبهذا النصر ارتفعت هيبة الجندي العثماني وهيبة عمر باشا في عيون حلفائه ارتفاعا هائلا، بعد أن كان كثير من قادة الحلفاء يستخفون بقيمة الجندي العثماني القتالية.

وهنا نصل إلى إحدى أكثر لحظات حرب القرم درامية، تلك التي تربط بين هزيمة غوزلوه ومصير قيصر روسيا نفسه؛ فبعد أيام قلائل من انكسار الهجوم الروسي على غوزلوه جاء نبأ وفاة القيصر الروسي نقولا الأول، ذلك الحاكم المستبدّ الذي حكم روسيا ثلاثة عقود بقبضة من حديد، والذي كان هو نفسه من أشعل حرب القرم بأطماعه في تركة الدولة العثمانية.

مصدر الصورة لوحة تاريخية توثق الاشتباكات العنيفة في معركة غوزلوه عام 1855 (غيتي)

وهنا تتضارب المصادر التاريخية، فبعضها يشير إلى إصابة القيصر بنزلة برد تحوّلت إلى التهاب رئوي حاد تُوفي على إثره في 2 مارس/آذار 1855 في قصر الشتاء ببطرسبورغ، غير أن ما يستحقّ الوقوف عنده هو الظرف النفسي المحيط بموته؛ فقد أثقلت أعباء الحرب المتعثّرة صحته، وكان ممتلئا بالندم على الكوارث التي جرّها على بلاده، بل تذهب بعض الروايات إلى أبعد من ذلك، إذ تذكر أن القيصر رفض العلاج رفضا بدا وكأنه "انتحار سلبي"، أي استسلام للموت أمام قهر الهزيمة في القرم وشرق أوروبا، بل بعضها يشير إلى تجرعه سما أودى بحياته.

إعلان

بعد سقوط سيباستوبول في أيدي الحلفاء في سبتمبر/أيلول 1855، انتقل عمر باشا إلى جبهة القوقاز في محاولة لإنقاذ مدينة قارص في أقصى الشرق الأناضولي جنوب القوقاز التي أطبق عليها الحصار الروسي وقتئذ، وكانت خطة عمر باشا لافتة وطموحة في آن واحد، حيث قرر أن ينزل في باتومي بجورجيا، ثم يتقدّم عبر كوتايس إلى تفليس/تبليسي، فيقطع جيوش الروس عن قواعدهم الرئيسة ويجبرهم على رفع الحصار عن قارص، وبهذا القصد نزل في سوخوم واتخذها قاعدة لعملياته، وتقدّم في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1855، وأحرز نصرا جديدا على جيش روسي على ضفة نهر إنغور في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1855.

لكن الأحوال الجوية القاسية أبطأت تقدّمه، وضاع الوقت الثمين، فسقطت قارص في يد الروس قبل أن يبلغها المدد، ولم تنجُ هذه الحملة من سهام النقد، إذ لامه منتقدوه على أنه اختار طريق جورجيا الأطول بدلا من الوصول المباشر إلى قارص عبر طرابزون، فبدّد وقتا كان يمكن أن ينقذ المدينة، وهكذا انتهى دوره في حرب القرم وجبهة القوقاز بنتائج مختلطة حقق فيها انتصارات ميدانية لامعة قابلها إخفاق مؤلم في إنقاذ قارص، ورغم ذلك فإن مجمل بلائه في الحرب رفعه إلى مصافّ أبطالها الكبار، حتى إن بريطانيا كرّمته بمنحه إحدى أوسمتها العالية.

حامية عثمانية تتصدى للقوات الروسية في محاولة للدفاع عن قارص خلال حرب القرم عام 1855 (غيتي)

مهام في طريق النهاية

لم تكن حرب القرم نهاية مسيرة عمر لطفي باشا الشهير بـ"عمر باشا المجري" أو "عمر باشا النمساوي"، بل فتحت له فصلا جديدا من المهام الشاقّة في الأقاليم المضطربة من الدولة العثمانية، فبعد عودته إلى إسطنبول لفترة، عُيّن عام 1857 واليا على بغداد، مع إسناد قيادة جيشَي العراق والحجاز إليه، وكانت بغداد ولاية صعبة المراس تعجّ حينها بالعشائر المتمرّدة، فانصرف إلى إخضاعها بحزمه المعهود، لكن هذا الحزم أوقعه هذه المرة في مأزق؛ إذ أقدم على تنفيذ أحكام إعدام استنادا إلى قرار مجلس الولاية دون أن ينتظر صدور فرمان من العاصمة، فأُعفي من منصبه عام 1859، وإن كانت المصادر تنصفه بالإشارة إلى أن تجاوزات بعض معاونيه كانت جزءا من المشكلة.

ولم يطُل إبعاده فأُعيد عام 1861 مشيرا للروملي وهي رتبة القائد الأعلى للجيش العثماني في الأقاليم الأوروبية ومفتشا على البوسنة، في مهمة تُعدّ من أكثر فصول سيرته إثارة للجدل حتى اليوم، فقد طبّق في البوسنة سياسة مركزية بالغة الصرامة ضدّ الأعيان والآغوات المحليين، بهدف كسر شوكتهم وترسيخ سلطة إسطنبول وتنفيذ إصلاحات عصر التنظيمات، فقتل معظم زعماء المتمرّدين، وقلّص إلى حدّ بعيد النفوذ السياسي والاقتصادي للأسر الإقطاعية العريقة، ونفى شخصيات بارزة، وصادر أملاكا، واتّخذ من سراييفو عاصمة البوسنة اليوم مركزا لحكمه بدلا من ترافنيك التي كان يتحكّم فيها مُلّاك الأراضي، لضرب الإقطاعيين، كما حاول جباية الضرائب مباشرة من الأهالي بدلا من الوسطاء عماد نظام الالتزام القديم، لكنه لم يوفَّق في ذلك كثيرا.

"طبق عمر باشا في البوسنة سياسة مركزية صارمة على الأعيان المحليين، بهدف كسر شوكتهم وترسيخ سلطة الدولة وتنفيذ إصلاحات عصر التنظيمات"

وفي غمرة هذه المهمة تمرّد أهالي الهرسك بتحريض روسي وبمساندة من الجبل الأسود، ورفضوا عرض الصلح فتحرّك عمر باشا وهزم قواتهم بقيادة ميركو بترونيفيتش في رييكا في 23 أغسطس/آب 1862، ولاحقا توغّل في عمق أراضي الجبل الأسود حتى استولى على عاصمته تسيتينيه، وهو إنجاز عسكري عُدّ صعب المنال في تلك الجبال الوعرة، ثم عاد الهدوء إلى المنطقة بوساطة أوروبية.

آخر مهام عمر باشا العسكرية الكبرى كانت عام 1867 حين اختير قائدا أعلى لإخماد ثورة جزيرة كريت ضد الحكم العثماني (غيتي)

عاد عمر باشا النمساوي بعد ذلك إلى العاصمة إسطنبول، فتولّى قائمقامية السرعسكر وهي ما تعادل اليوم نائب وزير الدفاع مع بقاء مشيرية الجيش بيده، وترأس اللجنة التي وضعت ترتيبات تشكيل قوة الجندرمة "الدَرَك" لضبط الأمن في عموم البلاد، وفي هذه السنوات كان من رجال الدولة الذين تبنّوا رأيا لافتا في مسألة المساواة بين الرعايا؛ إذ رأى أن المساواة في الخدمة العسكرية بين المسلمين وغير المسلمين تتحقّق على نحو أفضل في الوحدات المختلطة منها في الوحدات المنفصلة، وذلك في سياق النقاشات حول مشروع "العثمانية" الجديد وقتها، أي المواطنة الجامعة التي حلم بها رجال التنظيمات.

"كانت جزيرة كريت المهمة العسكرية الأخيرة لعمر باشا النمساوي"

ثم جاءت آخر مهامّه العسكرية الكبرى عام 1867، حين اشتعلت ثورة جزيرة كريت ضد الحكم العثماني، فقد وقع الاختيار عليه من جديد قائدا أعلى لإخمادها، لِما راكمه من خبرة ثمينة في حرب العصابات والجبال وقمع الثورات، فساق قواته إلى الجزيرة من جهتين، وهزم الثوار في منطقة لاسيتي ثم أتبع القوة بالحكمة حين أعلن عفوا عاما عن أهل الجزيرة، ووعد برعاية الدولة لكل من يسلّم سلاحه ويعود إلى قريته آمنا، وأمهل أفراد العصابات الأجنبية ومن انضمّ إليهم مدةً محدّدة لمغادرة الجزيرة، وحين خمدت العمليات شرع في أعمال الإعمار والتنظيم، لكنه استُدعي سريعا إلى إسطنبول من جديد.

وفي هذه المرحلة الأخيرة من حياته سجَّل عمر باشا إسهاما إنسانيا ظل باقيا إلى يومنا هذا؛ فقد كان من مؤسّسي "جمعية إمداد ومعاونة جرحى ومرضى العسكرية" التي تشكّلت في 11 يونيو/حزيران 1868 لرعاية جرحى الحروب ومرضاها، وهذه الجمعية هي التي تطوّرت لاحقا فحملت اسم "جمعية الهلال الأحمر العثماني" عام 1877، لتكون النواة الأولى لمنظمة "قيزلاي" أي الهلال الأحمر التركي التي لا تزال قائمة إلى اليوم.

في أخريات حياته تولّى عمر لطفي قائم مقامية السرعسكر مرة أخرى في مارس/آذار 1868، ثم عُيّن مشيرا للحرس السلطاني عام 1869، وكان ذلك آخر مناصبه، ولم يلبث أن تُوفي في إسطنبول عام 1871 عن عمر ناهز 67 عاما، ودُفن في مقبرة أيوب عند مَرسى بستان، بعد حياة مليئة بالمغامرات والحروب والمعارك.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا