يتصدر هذه الحملة التيار المنضوي تحت جبهة "بايداري" (جبهة الصمود)، التي تعد نفسها حامية مبادئ الثورة الإسلامية عام 1979، وتُعرف بأنها من أكثر القوى تشدداً داخل النظام الإيراني.
وقد اتهمت الجبهة بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، باستغلال غياب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي للدفع نحو "انقلاب ناعم" ضدّ البرلمان ومبادئ الجمهورية الإسلامية، والاستحواذ على مراكز القرار.
ففي الأيام التي سبقت جنازة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي ، دعا محمود نبويان، أحد أبرز أعضاء جبهة "بايداري"، أنصار النظام إلى "رفع راية الثأر لدمه والوقوف بحزم في وجه الانقلاب"، في رسالة نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبحسب الجبهة، فإن غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط أتاح لكبار المسؤولين تجاوز توجيهات المرشد والسعي إلى تعزيز نفوذهم السياسي.
وفي السياق نفسه، اتهم عضو الجبهة كامران غضنفري القيادة الإيرانية بمحاولة تعزيز صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي مقابل تقليص دور المرشد الأعلى والبرلمان، كما قال إن محمد باقر قاليباف تجاهل ثلاث تعليمات صدرت بعدم الدخول في مفاوضات بشأن الملف النووي خلال أبريل/نيسان وأوائل مايو/أيار.
ونقلت "إيران إنترناشيونال" عن غضنفري قوله إن قاليباف يؤكد التزامه بتوجيهات المرشد، "لكن أفعاله كانت تتناقض مع ذلك".
تأسست جبهة "بايداري" عام 2011، وتعد من أبرز التيارات الرافضة لأي انفتاح على الغرب أو التفاوض مع الولايات المتحدة، وكانت من أكثر القوى معارضة للاتفاق النووي المبرم عام 2015، معتبرة أن أي تنازل لواشنطن يشكل تهديداً لمبادئ الثورة الإسلامية.
ولا يقتصر نفوذ الجبهة على الخطاب السياسي، إذ تتمتع بحضور داخل البرلمان والحرس الثوري وعدد من المؤسسات الدينية والإعلامية، كما تشغل مواقع مؤثرة خلف هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية (IRIB)، التي شنت خلال الفترة الأخيرة حملات انتقادية ضد الرئيس بزشكيان.
ورغم بقائها خارج السلطة التنفيذية، فإن الجبهة لا تعد تياراً هامشياً، إذ حصل أحد أبرز رموزها، سعيد جليلي، على أكثر من 13 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية عام 2024، وهو ما يعكس امتلاكها قاعدة شعبية وانتخابية مؤثرة.
يرى خبراء أن ما يجري يتجاوز الخلاف حول المفاوضات النووية ، ليعكس صراعاً أوسع بشأن شكل النظام الإيراني بعد علي خامنئي وآلية توزيع النفوذ بين مؤسساته المختلفة.
وقال الخبير في الشؤون الإيرانية المقيم في الولايات المتحدة، أرش عزيزي، لشبكة CNN، إن استمرار غياب مجتبى خامنئي يعني أن قاليباف وحلفاءه يديرون البلاد فعلياً، وهو ما دفع المتشددين إلى اتهام قاليباف وبزشكيان بالتخطيط لـ"انقلاب" ضد المرشد الجديد.
من جهته، اعتبر الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، حميد رضا عزيزي، أن قاليباف يسعى إلى تهميش التيار المتشدد، مضيفاً أن هؤلاء "أصبحوا مكلفين للغاية بالنسبة للنظام"، وأن خلافاتهم باتت تظهر إلى العلن مع تزايد حالة عدم الاستقرار داخل إيران.
ويذهب محللون إلى أن مراكز القوى المختلفة تحاول تثبيت مواقعها في مرحلة انتقالية تفتقر إلى شخصية تتمتع بالنفوذ والهيبة اللذين كان يحظى بهما علي خامنئي، معتبرين أن الصراع يدور حول إدارة الدولة وتوازنات السلطة أكثر مما يتعلق ببقاء النظام نفسه.
كما يحذر خبراء من أن استمرار هذا الانقسام قد ينعكس على أي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة، إذ يمتلك التيار المتشدد أدوات سياسية وإعلامية تمكنه من عرقلة أي اتفاق يعتبره مخالفاً لثوابت الجمهورية الإسلامية، حتى إذا مالت الحكومة إلى خيار التهدئة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة