آخر الأخبار

هل تنجح الحكومة الإيطالية في كسر السلالة الوراثية للمافيا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على مدى قرون، نجحت عصابات المافيا الإيطالية في بناء مجتمع عائلي مغلق، معتمدة على رابطة الدم والعائلة التي جعلتها ركيزة أساسية تضمن استمرار نفوذها، ناقلة إمبراطورياتها من الآباء إلى الأبناء فالأحفاد.

ففي كثير من المناطق الإيطالية، لم يكن الانضمام إلى المافيا قرارا فرديا جديدا بقدر ما كان أمرا وراثيا يولد مع الأبناء داخل عائلاتهم التي تتوارث السلطة والنفوذ جيلا بعد جيل.

ومع تنامي نفوذ شبكات الجريمة المنظمة في أجزاء واسعة من إيطاليا، قررت الحكومة الإيطالية وقف السلالة الوراثية للمافيا التي ضمنت استمرارها لعقود.

توريث الجريمة داخل الأسرة

وأقر مجلس الشيوخ الإيطالي -قبل أيام- الموافقة النهائية على مشروع قانون "حرية الاختيار"، وهو قانون تاريخي يمنح الأطفال والشباب الذين نشؤوا في عائلات المافيا فرصة الهروب من المنظمات الإجرامية، وبإقرار القانون تراهن روما على منح أبناء عائلات المافيا فرصة لبناء حياة بعيدة عن نفوذ عائلاتهم.

وفي حين تمثل الخطوة كما يقول مؤيدوها بداية لتجفيف منابع الجريمة المنظمة في إيطاليا، يرى منتقدوها أنها تمنح الدولة صلاحيات واسعة قد تصل إلى التدخل في كيان الأسرة.

وبالرغم من تعدد منظمات الجريمة المنظمة في إيطاليا، مثل "كوزا نوسترا" في صقلية و"كامورا" في نابولي، فإن منظمة "ندرانغيتا"، التي تتخذ من كالابريا مقرا لها، تمثل النموذج الأكثر ارتباطا بفكرة العائلة.

ففي هذه المنظمة لا تُعد القرابة مجرد وسيلة لبناء الثقة، بل تشكل أساس الهيكل التنظيمي كله، إذ يُتوقع من أبناء القيادات أن يرثوا مواقع آبائهم داخل العشيرة، وأحيانا منذ سنوات المراهقة.

وتمنح هذه الروابط الدموية المنظمة ميزة أمنية كبيرة، إذ يصبح التعاون مع السلطات أكثر تعقيدا، لأن أي اعتراف قد يضر بالأب أو الأخ أو العم أو أبناء العمومة، وهو ما جعل "ندرانغيتا" أكثر مقاومة لنظام "البنتيتي"، الذي يقوم على انشقاق أعضاء المافيا مقابل الحماية أو تخفيف العقوبات.

إعلان

ورغم أن حملات الاعتقال الواسعة أدت إلى سجن عدد كبير من كبار الزعماء، فإن الفراغ غالبا ما كان يُملأ من الأقارب الأصغر سنا، داخل الأسرة نفسها، حيث يتولى الأبناء والأقارب إدارة النشاط الإجرامي.

مصدر الصورة عناصر من قوات الشرطة الإيطالية يقتادون اثنين من المشتبه في انتمائهم إلى مافيا كالابريا (أسوشيتد برس-أرشيف)

تغيير المعادلة

ويتيح التشريع الجديد، نقل أشخاص دون سن 25 عاما، وأفراد أسرهم، إلى مناطق أخرى بعيدا عن البيئة التي نشؤوا فيها، مع توفير التعليم، والدعم النفسي، والسكن، وفي بعض الحالات منحهم هويات جديدة إذا اقتضت الضرورات الأمنية ذلك.

كما يمنح القانون الأولوية لبقاء الأطفال مع أمهاتهم شريطة موافقتهن على قطع أي صلة بالمنظمات الإجرامية، لكنه يسمح للمحاكم بإيداع الأطفال لدى أسر حاضنة أو في مراكز حماية متخصصة.

ويتميز القانون بأنه لا يشترط تعاون المستفيدين مع القضاء ضد عصابات المافيا، إذ يركز على حماية من يرغبون في مغادرة البيئة الإجرامية، وليس تحويلهم إلى شهود.

وترى رئيسة الوزراء جورجا ميلوني أن القانون يمثل "أداة وقائية جديدة" تكمل عمل الشرطة والقضاء، مؤكدة أن الدولة ستوفر بديلا عن المافيا لمن ولدوا داخل هذه العائلات، ولا يريدون الاستمرار مع تلك العصابات.

وولدت فكرة المشروع قبل أكثر من عقد داخل محكمة الأحداث في مدينة ريدجو كالابريا عام 2011، حيث لاحظ القاضي روبرتو دي بيلا تكرار وصول أطفال متهمين بجرائم مشابهة تماما لما ارتكبه آباؤهم وأجدادهم، مما دفعه إلى اعتقاد أن العقوبات التقليدية لا تكفي لكسر دائرة الجريمة.

ومن هنا أطلق برنامجا تجريبيا يسمح بنقل الأطفال من البيئات الأكثر خطورة داخل معاقل "ندرانغيتا"، وإعادة توطينهم خارج كالابريا، ومع مرور الوقت توسع البرنامج ليشمل مناطق أخرى مثل صقلية، قبل أن يتحول اليوم إلى سياسة وطنية تشمل مختلف أنحاء البلاد.

واختار دي بيلا تسمية المبادرة بـ"حرية الاختيار"، انطلاقا من اقتناعه بأن أبناء المافيا نادرا ما يمتلكون حرية تقرير مستقبلهم.

مصدر الصورة الشرطة الإيطالية تنقل زعيم المافيا الإيطالي ماتيو ميسينا دينارو (الفرنسية-أرشيف)

بين حماية الأطفال وتفكيك الأسرة

ورغم الترحيب الواسع بالقانون داخل أوساط مكافحة الجريمة المنظمة، فإنه أثار جدلا سياسيا وقانونيا، فمنتقدوه -من بعض السياسيين والمعلقين وأعضاء الكنيسة الكاثوليكية- يعتبرون أن الدولة قد تتجاوز حدودها بالتدخل في الحياة الأسرية.

كما تعرض القاضي دي بيلا نفسه لانتقادات وتهديدات من شخصيات مرتبطة بالمافيا، وصلت إلى رسائل تذكّره بأن لديه أطفالا، وهو تهديد فُسّر على نطاق واسع بأنه محاولة للضغط عليه.

في المقابل، يرى المؤيدون أن الأطفال -داخل بعض عائلات المافيا- يتعرضون منذ الصغر للتلقين والعنف والإكراه، وأن تركهم في هذه البيئة يعني دفعهم نحو السجن أو القتل.

ويشير القائمون على البرنامج إلى أن عددا من الأمهات تواصلن سرا مع السلطات طلبا للمساعدة في إخراج أبنائهن من كالابريا، خوفا من تجنيدهم داخل العصابات أو تصفيتهم في صراعاتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا