آخر الأخبار

زعزعة التوازن.. لهذه الأسباب لا تريد إيران حربا شاملة

شارك

راهن كثيرون على أن الحرب الأخيرة ستشكل نقطة انعطاف في سلوك النظام الإيراني، وأن حجم الخسائر العسكرية، والضغوط الاقتصادية، واتساع العزلة السياسية، سيدفع طهران إلى مراجعة عقيدتها الأمنية والاعتراف بأن سياسة المواجهة المفتوحة لم تنتج قوة مستدامة، بل استنزفت الدولة، وأضعفت الاقتصاد، وحرمت المجتمع الإيراني من فرص التنمية، وحولت البلاد إلى قوة تمتلك أدوات كثيرة للضغط والابتزاز، لكنها تفتقر إلى مقومات الاستقرار والازدهار.

غير أن هذا الرهان، على ما يبدو، كان رهانا خاسرا. فبدلا من أن تنتج الحرب مراجعة، رسخت داخل المؤسسة الحاكمة قناعة أكثر خطورة مفادها أن التصعيد هو الطريق الأقصر لانتزاع التنازلات، وتحسين شروط التفاوض.

ولم يكن استمرار استهداف عواصم دول الخليج بالطائرات المسيرة والصواريخ، بما في ذلك قطر التي تضطلع بدور الوساطة، رغم إعلان الهدنة، سوى رسالة واضحة بأن طهران لم تنظر إلى الهدنة بوصفها بداية لمرحلة جديدة، بل باعتبارها محطة تكتيكية في صراع لم ينته بعد، وأن أمن الجوار لا يزال، في حسابات النظام، ورقة قابلة للاستخدام ضمن معادلة الردع والضغط والتفاوض.

يبدو أن النظام الإيراني استخلص درسا معاكسا، فقد ترسخ لديه انطباع بأن التفاوض الهادئ لا ينتزع شيئا، وأن الولايات المتحدة والقوى الكبرى لا تقدم تنازلات إلا تحت الضغط، وأن التهديد هو الوسيلة الأكثر فاعلية لدفع العواصم المؤثرة إلى إعادة حساباتها.

لم يكن استمرار استهداف عواصم دول الخليج بالطائرات المسيرة والصواريخ، بما في ذلك قطر التي تضطلع بدور الوساطة، رغم إعلان الهدنة، سوى رسالة واضحة بأن طهران لم تنظر إلى الهدنة بوصفها بداية لمرحلة جديدة، بل باعتبارها محطة تكتيكية في صراع لم ينته

وهذا أخطر ما يمكن أن تخرج به دولة من حرب.

فالمنشآت المدمرة يمكن إعادة بنائها، والقدرات العسكرية المستنزفة يمكن تعويضها، أما ترسيخ الاعتقاد بأن الابتزاز إستراتيجية ناجحة، فهو خسارة تمتد آثارها إلى ما بعد الحرب نفسها.

إعلان

فالنظام الذي يقتنع بأن التصعيد هو الطريق الأقصر إلى التفاوض، لن يتخلى عنه، بل سيعمل على تطويره وتحويله إلى جزء ثابت من عقيدته الأمنية.

سيستخدمه بجرعات محسوبة، مرة عبر الوكلاء، ومرة بطائرة مسيّرة مجهولة المصدر، ومرة باحتجاز سفينة، ومرة بالتلويح بإغلاق مضيق هرمز، بحيث يبقى الإقليم كله في حالة استنفار دائم، ويبقى الاقتصاد العالمي رهينة احتمال الانفجار في أي لحظة.

الأمن عبر استهداف الآخرين

تكمن الإشكالية الحقيقية في أن المؤسسة الحاكمة في طهران لا تنظر إلى الاستقرار بوصفه قيمة إستراتيجية، بل تنظر إليه بوصفه ورقة قابلة للتعطيل عند الحاجة.

إنها لا تسعى إلى تحقيق توازن مستدام مع محيطها، بل لامتلاك القدرة على زعزعة هذا التوازن متى اقتضت مصالحها.

ومن ثم، لا يصبح أمن الخليج هدفا ينبغي الحفاظ عليه، بل وسيلة ضغط يمكن توظيفها، ولا تتحول الممرات البحرية إلى شرايين للتجارة العالمية، بل إلى أوراق مساومة في الصراع مع الغرب.

في هذا التصور، لا يتحقق الأمن عبر المصالح المشتركة، بل عبر امتلاك القدرة على تعطيل مصالح الآخرين. فلا يكفي أن تكون إيران آمنة، يجب أن يكون خصومها أقل أمنا، وجيرانها أكثر قلقا، والأسواق العالمية أشد خوفا.

هذه ليست استراتيجية دفاعية، بل فلسفة تجعل من قلق المحيط رأسَ مالٍ سياسيا.

الحوار الذي يأتي بعد تهديد الجيران أو استهدافهم، أو بعد تعطيل الملاحة الدولية، لا يرسخ السلام، بل يرسخ قناعة بأن القوة هي اللغة الوحيدة التي تحقق المكاسب

لهذا تتعامل طهران مع الطاقة والممرات البحرية بوصفها سلاحا لا مجالا للتعاون. فهي تدرك حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أمن الملاحة، وتعرف أن مجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز يكفي لرفع الأسعار، وزيادة تكاليف التأمين والشحن، وإرباك سلاسل الإمداد، ودفع القوى الكبرى إلى التحرك.

لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق فعليا، يكفي أن تجعل العالم يخشى إغلاقه. عندها تتحول الجغرافيا من نعمة إلى سلاح، والطاقة من مورد إلى رهينة.

والثمن يدفعه الجيران، ففي كل مواجهة بين طهران وواشنطن، تتحول الموانئ والمطارات والمنشآت والسفن الخليجية إلى ساحات ضغط غير معلنة.

وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: لماذا ينبغي لدول المنطقة أن تدفع ثمن خلاف لا تملكه أصلا؟ ولماذا يصبح أمن بناها التحتية ورقة مساومة في ملف ليست طرفا في التحكم فيه؟

طهران والمجتمع الدولي

لا تريد إيران حربا شاملة، لأنها تعرف كلفتها وحدود قوتها، لكنها لا تريد سلاما مستقرا أيضا، لأن السلام الحقيقي يضعف أدواتها، ويقلص قيمة المليشيات، ويعيد الاعتبار للدولة الوطنية. ما تريده هو المنطقة الرمادية: لا حرب تنهي النظام، ولا سلام ينهي نفوذه.

تريد توترا دائما يمكن التحكم به، وتهديدا يمكن رفعه وخفضه، ووكلاء يمكن تحريكهم ثم إنكار المسؤولية عنهم.

تريد أن يبقى الجميع في حالة انتظار قلق: هل تهدد الملاحة؟ هل تستهدف منشأة؟ هل تتحرك مليشيا؟ هل يسقط صاروخ؟ هل تبدأ جولة جديدة؟ هذا الغموض ليس خللا في الاستراتيجية، بل جوهرها.

فهو يتيح استخدام القوة من دون تحمل مسؤوليتها كاملة، وفي الاستقرار تتقدم الدول والاقتصادات والمؤسسات، أما في الفوضى فتتقدم الأجهزة والمليشيات وشبكات النفوذ العابرة للحدود.

إعلان

لا تتحمل إيران وحدها مسؤولية ترسخ هذا النمط. فبعض القوى الدولية علمت طهران بقصد أو من دونه أن التصعيد يسبق المكافأة.

إذا كانت طهران قد خرجت مقتنعة بأن التهديد هو الذي أجبر الآخرين على العودة إلى طاولة التفاوض، فإن الحرب لم تضعف منطق الابتزاز، بل ربما منحته شرعية جديدة داخل المؤسسة الحاكمة

ففي كل مرة تصعد فيها إيران ثم تحصل بعدها على مساحة تفاوضية أوسع أو تخفيف للضغوط، تترسخ القناعة بأن الضغط العسكري هو المدخل الطبيعي إلى المكاسب السياسية. وحين يكافأ التصعيد بالتنازلات، يتحول التفاوض نفسه إلى حافز لمزيد من التصعيد.

ليس المطلوب إغلاق باب الحوار؛ فالحوار ضرورة، والحرب لا تنتج أمنا مستداما. لكن الحوار الذي يبدأ بعد استهداف الجيران وتهديد الملاحة، ثم ينتهي بمكافأة الطرف الذي أشعل الأزمة، ليس دبلوماسية، بل تشجيعا مباشرا على تكرار السلوك.

أي تسوية لا تجعل الاعتداء مكلفا ستتحول إلى هدنة تمنح النظام وقتا لإعادة التموضع.

وأي اتفاق لا يربط أمن إيران بأمن جيرانها سيبقى ناقصا، لأن المشكلة ليست في أجهزة الطرد المركزي أو مدى الصواريخ فحسب، بل في فلسفة ترى المنطقة مجالا مباحا للنفوذ والابتزاز.

التعامل مع النظام الإيراني

لم يعد السؤال المطروح هو: كيف نحتوي إيران؟ بل أصبح سؤالا أكثر جوهرية: أي إيران نتعامل معها؟ هل نتعامل مع دولة طبيعية تسعى إلى النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، والاندماج في الاقتصاد العالمي، وبناء علاقات متوازنة مع محيطها؟

أم نتعامل مع مؤسسة أمنية عسكرية ترى أن أمنها يبدأ من إبقاء جيرانها في حالة استنفار دائم، وأن النفوذ يبنى على الصواريخ والوكلاء أكثر مما يبنى على التجارة والتنمية؟

إن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه المنطقة أو القوى الدولية هو التعامل مع النظام الإيراني بمنطق أن الأزمة تقتصر على الملف النووي أو على شخص المرشد أو هوية الرئيس.

فهذه كلها مظاهر للأزمة وليست جوهرها. أما المشكلة الحقيقية فهي التحول البنيوي الذي جعل المؤسسة الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، تنتقل من دور حماية النظام إلى دور الشريك في تعريف الدولة نفسها، ورسم أولوياتها، وصياغة إستراتيجيتها الإقليمية.

لهذا، فإن التعامل مع إيران يحتاج إلى معادلة مختلفة، معادلة تفصل بين الحوار والابتزاز. نعم، لا غنى عن التفاوض، لأن البديل هو الفوضى والحرب، لكن التفاوض لا ينبغي أن يكون مكافأة على التصعيد، بل نتيجة لالتزام واضح بقواعد الاستقرار الإقليمي.

فالحوار الذي يأتي بعد تهديد الجيران أو استهدافهم، أو بعد تعطيل الملاحة الدولية، لا يرسخ السلام، بل يرسخ قناعة بأن القوة هي اللغة الوحيدة التي تحقق المكاسب.

هذه هي الخلاصة الأخطر للحرب الأخيرة.

فإذا كانت طهران قد خرجت مقتنعة بأن التهديد هو الذي أجبر الآخرين على العودة إلى طاولة التفاوض، فإن الحرب لم تضعف منطق الابتزاز، بل ربما منحته شرعية جديدة داخل المؤسسة الحاكمة.

وعندما يصبح تهديد أمن الجيران جزءا من أدوات الدبلوماسية، فإن السؤال لن يعود: متى تنتهي الأزمة الحالية؟ بل سيصبح: أين، ومتى، ستبدأ الأزمة التالية؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران كأس العالم

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا