آخر الأخبار

3 طرق تقود إلى التغيير في تونس لكن ثالثها الأرجح

شارك

الخروج من الأزمة الشاملة التي تمر بها البلاد منذ نحو سبع سنوات، تلك هي الدائرة التي تدندن بشأنها النخب التونسية في الداخل والخارج، منذ نحو عامين على الأقل.

وتبدو حيرة النخب التونسية هنا، كبيرة وعميقة، على الرغم من اجتماعها على تقييم واحد، وهو أن الوضع، عبثي، وعلى حافة الهاوية، وأنه يكاد يعصف بما تبقى من الدولة والتاريخ والإرث الحضاري للبلاد.

لكن الاتفاق حول ضرورة الخروج من هذه الأزمة، يواجه نوعا من التشتت في مستوى التصورات والمقاربات المتعلقة بسيناريو المرحلة المقبلة.. فليست النخب التونسية، بما في ذلك تلك التي هي جزء من الحكم الراهن، "على قلب رجل واحد"، فالمقاربات بخصوص السيناريوهات والخيارات الممكنة، متعددة، إن لم نقل متنافرة، لكن الجميع يبحث عن أمرين اثنين في هذا السياق:


* ضمان انتقال سلمي للسلطة بلا عنف أو دماء، أو ما من شأنه إرباك الوضع التونسي الهش.
* طمأنة ما يسمى بـ"الدولة العميقة"، والأجهزة المتحكمة بالسلطة، على أن المعركة ليست مع الدولة وأجهزتها وميكانيزماتها، بقدر ما هي تغيير النظام، بسلاسة، للخروج من "عنق الزجاجة"، خصوصا أن الرئيس الحالي، أخذ ما يكفي من الوقت والنفوذ والقوة والقانون، وطوع أجهزة الدولة والمجتمع، دون أن يغير شيئا في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تزداد سوءا يوما بعد يوم.

فما هي السيناريوهات المطروحة في تونس الآن، لاستئناف "الانتقال الديمقراطي" مجددا، الذي عطله الرئيس الحالي، وأبطل جميع مكوناته وأعمدته والقوانين المنظمة له، وحتى الشخوص التي لعبت فيه دورا مهما؟

لا يبدو الشارع ذاته، مطمئنا للنخب، كما كان قبل 15 عاما، بل إن أزمة الثقة بينه وبين الطبقة السياسية برمتها، وبكل ألوان طيفها، اتسعت، وهيمنت الشكوك والتساؤلات

الشارع.. مرة أخرى

يراهن بعض الساسة في تونس، على حراك الشارع والرأي العام، من خلال تحريك الاحتجاجات والمظاهرات في العاصمة والمدن الداخلية (المحافظات)، على النحو الذي حصل في يناير/كانون الثاني 2011، وكان وقودا للإطاحة بالرئيس الراحل، زين العابدين بن علي.

إعلان

ويجري الحديث في هذا السياق، عن محاولات لتنشيط "القوى النائمة" (الفعاليات الاجتماعية والحقوقية والنقابية والإعلامية)، في مسعى لوضع النظام "في الزاوية"، عبر الضغط المدني السلمي (المظاهرات)، وبسط أمر واقع سياسي جديد، بغاية الدخول في مرحلة انتقالية جديدة.

لكن أصحاب مقولة "الشارع"، لا يجيبون عن أسئلة محورية، مثل، من يتزعم هذا الحراك؟ وهل ثمة ضمانات بعدم خروج الاحتجاجات عن السيطرة، بما قد يؤدي إلى العنف، خصوصا في ضوء ارتفاع وتيرة الاحتقان الاجتماعي، إلى مستويات عالية، وغير مسبوقة؟ وكيف يتم ترتيب المرحلة التي ستعقب حكم الرئيس الحالي؟

في 2011، كان ثمة "إدارة" للاحتجاجات، وتم وضع "كوابح" من السياسيين والمؤسسة العسكرية، واتحاد العمال، بتنسيق خارجي، حتى تؤدي إلى الإطاحة برأس النظام، ومن ثم الدخول في مرحلة بناء جديدة، لذلك حرصت النخب على إنجاح عملية إسقاط النظام، وتشكلت بسرعة أدوات الترتيب المستقبلي.

والحقيقة، أن "الدولة العميقة"، غير متماهية مع هذا الخيار، على خلاف ما فعلت من قبل، بل هي اليوم، أكثر استعدادا لمنع أي مظاهر احتجاجية من شأنها إسقاط النظام، وإن أدى ذلك إلى استخدام ما يعرف بأدوات "إرهاب الدولة"، لحماية الكيان المؤسسي، كما يقول عالم الاجتماع، ماكس فيبر.

فضلا عن ذلك، لا يبدو الشارع ذاته، مطمئنا للنخب، كما كان قبل 15 عاما، بل إن أزمة الثقة بينه وبين الطبقة السياسية برمتها، وبكل ألوان طيفها، اتسعت، وهيمنت الشكوك والتساؤلات، وسط مناخ إعلامي متعفن، لا يفعل سوى شيطنة هذه الطبقة السياسية، وتقديمها في صورة النخب الفاسدة، غير الصالحة للحكم ولا لأي خيار سياسي مستقبلي..

لذلك يجمع أغلب المراقبين، على أن خيار الاحتجاج، يبقى مطروحا، لكن هامش نجاحه وفاعليته ونجاعته، يبقى في المرحلة الراهنة، محدودا للغاية..

يجري الحديث، عن محاولات لتنشيط "الخلايا النائمة" (الفعاليات الاجتماعية والحقوقية والنقابية والإعلامية)، في مسعى لوضع النظام "في الزاوية"، عبر الضغط المدني السلمي (المظاهرات)، وبسط أمر واقع سياسي جديد

المؤسسة العسكرية: الخوف.. والملجأ

لكن الشارع، ليس السيناريو الوحيد في دوامة الانتقال السياسي المرتقب في تونس، إذ ترى بعض النخب، في المؤسسة العسكرية، مخرجا من الأزمة.

فالجيش- في تقدير هؤلاء- سكت عن اتجاه الرئيس قيس سعيد للانقلاب عام 2022، مستخدما الدبابة في البهو الداخلي للبرلمان، بعد غلقه، في نوع من عسكرة المؤسسة التشريعية، ومنع رئيسها، والنواب المنتخبين من دخولها، وهو ما كرس لدى عديد الفاعلين السياسيين، فكرة أن الجيش، داعم لحادثة "25 يوليو/تموز"، وبالتالي فهو المتحكم في دواليب السلطة، والأكثر قدرة على الدخول في "معمعة" التغيير، دون تكلفة مهما كان حجمها.

ويدافع أصحاب هذه المقاربة- خصوصا من العسكريين المتقاعدين، وبعض القيادات الأمنية المقيمة خارج البلاد- عن سردية جوهرية، وهي أن المؤسسة العسكرية التونسية، تختزن حسا وطنيا عاليا، وحرصا على استتباب الأمن في البلاد، وعلى حماية تونس من كل تهديدات خارجية وداخلية.. بل يرون في علاقاتها بمؤسسات وأطراف خارجية عديدة، ما يجعلها تنخرط في حركة التغيير، ما دام لا يمس مصالح تونس، ويحافظ على علاقاتها التقليدية مع دول، مثل فرنسا، وأمريكا، وإيطاليا، وبشكل أوسع، الاتحاد الأوروبي، الذي تربطه بتونس اتفاقية شراكة اقتصادية وسياسية وحقوقية، منذ العام 1995.

إعلان

يضاف إلى ذلك، ولعله، ما شجع هؤلاء على تنشيط هذه المقاربة، ما عرف عن الجيش التونسي، من "حياد" منذ فترة الرئيس السابق بورقيبة، ومشاركته الفعالة في المرحلة الانتقالية بعد الثورة التونسية، دون أن يستحوذ على السلطة، رغم أنها كانت متاحة بين يديه، وتحت إمرته في جزء كبير منها، وهذا ما يجعله ضمن دائرة الترتيبات المستقبلية، من دون أي "تكلفة" بالمعنى السياسي والاجتماعي والأمني والإستراتيجي للكلمة.

لكن الحديث عن تولي المؤسسة العسكرية، قيادة البلاد في المرحلة المقبلة، هل يبدو منطقيا، في ضوء عدم توفرها على التقاليد والتجربة السياسية، التي تجعلها قادرة على إدارة الدولة في هذه المرحلة المستعصية؟ بل يتساءل مراقبون، عن مدى قبول القوى الغربية، بحكم يقوده الجيش، مع وجود كفاءات سياسية وخبراء ورجال دولة من المحيط المدني، وما يعرف بـ"التكنوقراط"؟

على أن سيناريو مشاركة العسكر في الحكم، أو أن يتولاه هم، يصطدم في الحقيقة، برفض كبير من عديد الأحزاب والشخصيات السياسية، على غرار، الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، فضلا عن بعض العسكريين القدامى المتقاعدين، مثل الجنرال المنصف باي، وذلك لاعتبارات كثيرة، أهمها:


* أن تجارب حكم العسكر في أوروبا سابقا، وفي أفريقيا، والمشرق العربي تحديدا، لم تخلف سوى الدمار الشامل على كل الجبهات، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإستراتيجية.
* أن حكم العسكر، ارتبط تاريخيا بالفساد، وانعدام التنمية، ورهن السيادة الوطنية للخارج، والبشاعة السياسية والحقوقية، بما يجعل الرهان عليه، نوعا من المغامرة التي لا يعرف أحد مآلاتها.
* لم تعرف الدول التي حكمها العسكر، تأسيسا للديمقراطية، أو خروجا من الأزمات الاقتصادية، بل ساد القمع والاستبداد والتخلف والفقر والجوع، على الرغم من الثروات الهائلة التي تتوفر لدى الدول التي حكمها العسكر، والنموذج الأفريقي أكبر دليل على ذلك.

ولا يبدو أن النخب السياسية التي تربت في مدارس الغرب العلماني والحداثي، مستعدة للتفريط في مكتسبات البلاد المدنية، أو ما يعرف بـ"الدولة المدنية"، بصرف النظر عن اختلاف المرجعيات الأيديولوجية في هذا السياق.

ولا شك أن ملف "العسكر"، سيظل مطروحا بنسب متفاوتة، وبتقديرات مختلفة، لكنه لن يكون في كل الأحوال هو المحدد لسيناريو المرحلة المقبلة.

ما يجري في تونس، جزء من لوحة سوداء، شكلتها النخب، التي كانت سببا في "إنتاج" نموذج الحكم الراهن، وهي اليوم تدفع ضريبة صراعاتها الممجوجة، وتقف عاجزة عن بلورة أي سيناريو ممكن

التدخل الخارجي

وفي غمرة البحث عن مخرج للأزمة، لا تجد بعض الأطراف أي غضاضة، في طرح سيناريو "التدخل الخارجي"، عبر بعض القوى النظامية (المؤسستين العسكرية والأمنية تحديدا)، لفرض تغيير محسوب، يتماهى مع تغييرات مرتقبة في المنطقة، ضمن ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد.

فمن يتوقع أن تدخل المنطقة العربية برمتها، مرحلة تغيير واسع، في الأنظمة والسياسات والإستراتيجيات والعلاقات والتحالفات، على خلفية ما يجري حاليا من ترتيبات، بدأت بإيران، وستمضي على الأرجح نحو باقي جغرافيا المنطقة.

ولا شك، أن الباحثين عن تدخل خارجي، قليلون ومعزولون سياسيا ومجتمعيا، لأنهم يطرحون ما هو مرفوض في المخيال التونسي، بغاية فرض خيار من داخل النظام، بحسابات إقليمية وغربية، من شأنها المحافظة على "النظام"، بكل أبعاده السياسية (القمعية)، والاقتصادية (التابعة)، والعلاقات الدولية (المرتهنة لفرنسا وأوروبا وحساباتهما)، وهو ما ترفضه غالبية الرأي العام في تونس، خصوصا القوى السياسية والاجتماعية.

حظوظ التغيير السياسي

ولعل السيناريو الذي يحتل مكانة بارزة في فكر النخب التونسية، رغم تعقيداته وملابساته، هو التغيير السياسي، بلا تدخل خارجي، ولا الرهان على الشارع، وبعيدا عن المؤسسة العسكرية.

إعلان

ويطرح عدد واسع من الشخصيات السياسية والأحزاب، وبعض الكوادر الجامعية والإعلامية، ثلاثة خيارات في هذا الإطار:


* أولها، تشكيل مجلس قيادة من المعارضة والشخصيات السياسية المستقلة، وخبراء الاقتصاد، لوضع مشروع سياسي للمرحلة المقبلة، بما يشكل أداة ضغط على السلطة القائمة، ويكون بديلا موضوعيا للسياسات الراهنة.
* ثانيها، أن تتولى هذه القيادة، عملية التنسيق مع الدولة العميقة لترتيب التغيير في تونس، دون القفز على النظام، ومن دون اللجوء لاحتجاجات الشارع، بحيث تطمئن الدولة العميقة، ولا ترى في ذلك، مؤشرا على معركة لافتكاك الدولة، أو مجرد الاستحواذ على الحكم.
* ثالثها، هو الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها، بعد تنقية الأجواء السياسية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والدخول في حوارات سياسية لترتيب المرحلة الانتقالية، التي تكون مهمتها، إعداد الانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال 90 يوما، تسلم على إثرها السلطة إلى من سيفرزه صندوق الاقتراع.

لكن هل تبدو أجهزة الدولة ومؤسساتها الصلبة، مهيأة للحلول السياسية هذه؟ وكيف سيتم تنفيذها؟ ومن سيقودها؟ وبأية آليات سيتم الاحتكام إليها، وسط وقائع تؤكد يوما بعد يوم، أن المعارضة والنخب التونسية، تمر بفترة فراغ رهيب، وتبدو فاقدة لأي تأثير سياسي، أو قدرة على إحداث أي تغيير في موازين القوى؟

ما يجري في تونس، جزء من لوحة سوداء، شكلتها النخب، التي كانت سببا في "إنتاج" نموذج الحكم الراهن، وهي اليوم تدفع ضريبة صراعاتها الممجوجة، وتقف عاجزة عن بلورة أي سيناريو ممكن، لأنها ساهمت طيلة عشرية الانتقال الديمقراطي، في تمهيد الأجواء للعبث، الذي تبتلعه حاليا، كما العلقم على بطن خاوية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا