في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع بدء العد التنازلي لانطلاق قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة خلال اليومين المقبلين، تنشغل الصحافة التركية بما يتجاوز جدول أعمال القمة الرسمي، لتسلط الضوء على رهانات اقتصادية وإستراتيجية ترى أنها قد تجعل من الحدث محطة فارقة لتركيا وللحلف على السواء.
وبينما ركزت صحيفة "حرييت" على المكاسب التي قد تحققها أنقرة من استضافة القمة، معتبرة أنها تمثل فرصة تاريخية لتعزيز مكانة العاصمة على الساحة الدولية، أولت صحيفة "ملييت" اهتماما بالتحولات البنيوية التي يشهدها الحلف، مشيرة إلى أن القمة قد تؤسس مرحلة جديدة في مسار تطوره.
كما تناولت الصحيفة الجدل المتصاعد بشأن مستقبل قيادة الناتو، في ظل دعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى تحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن تعزيز أمنها، وما يثيره ذلك من تساؤلات عن أدوار أعضائه في المرحلة المقبلة.
وفي مقال بعنوان "الأجندة الصامتة لقمة الناتو في أنقرة"، يقول الكاتب في صحيفة "ملييت" غولدينير صون أوموت إن التحول الأهم في القمة لا يكمن في بنود جدول أعمالها المعلنة، بل في التغير الذي يشهده الحلف نفسه.
ويذكر الكاتب أن الحلف يتجه إلى التحول من مجرد أمانة عامة في بروكسل وقيادة عسكرية في مدينة مونس البلجيكية إلى منصة أمنية متكاملة.
ويعني ذلك انتقال الحلف من كونه تكتلا دفاعيا تقليديا إلى شبكة أمنية واسعة تعمل وفق معايير مشتركة، بما يتيح للدول الأعضاء وجيوشها وشركات الصناعات الدفاعية والأنظمة الرقمية والقوات المشتركة العمل ضمن منظومة موحدة لتبادل البيانات والقيادة والدعم اللوجستي.
ولا يُقصد بالمنصة -بحسب الكاتب- مجرد مقر عسكري أو نظام تقني، بل منظومة من القواعد والبرمجيات والمعايير وآليات التنسيق تتيح للأطراف المختلفة العمل معا بكفاءة أعلى، بهدف تمكين القدرات العسكرية للدول الأعضاء من العمل كقوة واحدة.
ويعزو المقال تسارع هذا التحول داخل الناتو إلى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، فضلا عن اتجاه الولايات المتحدة إلى تقليص دورها في ضمان الأمن التقليدي لأوروبا.
ويضيف صون أوموت أن هذا النموذج يعني عمليا توسيع الاعتماد على البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية وأنظمة التنسيق المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لكنه يحذر من أن هذا التحول لا يخلو من الأخطار، إذ قد يصبح الناتو أكثر اعتمادا على التكامل التقني.
ويخلص الكاتب إلى أن السؤال الذي يحكم عمل الحلف لم يعد "هل أنتم داخل الناتو أم خارجه؟"، بل أصبح "بأي سرعة ووفق أي معايير يمكنكم الاندماج في منظومته؟".
"من سيقود الناتو إذا تراجعت الولايات المتحدة عن موقعها القيادي؟" سؤال يفتتح به الكاتب حقي أوجال مقاله بصحيفة ملييت، مرجحا أن يبقى هذا التساؤل مدة طويلة محور نقاش بين الدول الأعضاء في الحلف.
وتتوقف إجابة هذا السؤال -وفقا للكاتب- على ما سيكشفه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال قمة أنقرة، خاصة إذا تمسك بموقفه الذي أعلنه خلال قمة مجموعة السبع، حين طالب فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا بتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها.
ويرى أن هذا السيناريو سيفتح الباب أمام منافسة بين القوى الأوروبية الكبرى على قيادة الحلف، متسائلا: هل ألمانيا -بصفتها صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا- ستكون الأوفر حظا، أم أن فرنسا أو بريطانيا ستتمكنان من أداء هذا الدور بفضل امتلاكهما قدرات نووية، أم أن بولندا قد تبرز مستفيدة من قدراتها الدفاعية الحالية؟
ويرى الكاتب أن تركيا تبدو المرشح الأبرز لتوفير أفضل دعم لوجستي للدول الأوروبية إذا ما سحبت الولايات المتحدة دعمها العسكري تدريجيا من أوروبا.
لكن أوجال يستبعد أن تقدم الولايات المتحدة على التخلي عن الحلف أو العودة إلى سياسة العزلة، إذ يرى أن دوائر صنع القرار في واشنطن ستقنع ترمب بضرورة تقاسم أعباء تجهيز وتسليح الناتو في أوروبا مع الحلفاء، بدلا من التخلي عن الحلف.
وفي قراءة لأبعاد استضافة القمة، يقول الكاتب في صحيفة "حرييت" سيفر ليفنت إن استضافة أنقرة قمة الناتو تمثل "فرصة تاريخية" لنقل العاصمة إلى مصاف المدن العالمية، مؤكدا أن الحدث يتجاوز كونه منصة لإعادة صياغة مفاهيم السياسة والأمن الدوليين، ليصبح أيضا رافعة للاقتصاد المحلي.
ويذهب ليفنت إلى أن القمة ستضع أنقرة في واجهة الاهتمام الدولي، بما تحمله من إمكانات كبيرة لتحريك الاقتصاد المحلي، مشيرا إلى أن تدفق أكثر من 8 آلاف من الوفود والدبلوماسيين وممثلي وسائل الإعلام الدولية إلى العاصمة سيخلق نشاطا غير مسبوق في قطاع الخدمات.
فوفقا لرئيس جمعية مشغلي السياحة في الأناضول بيرول أكمان، فإنه من المرتقب أن تسهم القمة بما بين 8 و10 مليارات ليرة تركية (نحو 171 و214 مليون دولار) في اقتصاد أنقرة.
كما ينقل عن عضو مجلس غرفة صناعة أنقرة ورئيس جمعية أنقرة للسياحة بركر بلبل أوغلو قوله إن قمة الناتو قد تشكل نقطة تحول مهمة في انتقال العاصمة إلى اقتصاد الفعاليات الدولية.
وبجانب قطاعي السياحة والخدمات، يرى الكاتب أيضا أن القمة تمثل سوقا فريدة لقطاع الصناعات الدفاعية التركي، الذي يضم شركات كبرى مثل "أسيلسان" و"روكيتسان" إلى جانب مئات الشركات المحلية، مضيفا أن زيادة الإنفاق الدفاعي لدول الحلف ستضع إنجازات الصناعات الدفاعية التركية -من الأنظمة الذاتية إلى الأمن السيبراني– أمام صناع القرار في دول الناتو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة