آخر الأخبار

"تصدير العقار" في مصر .. بين إنعاش الاقتصاد ومخاوف المواطنين

شارك
تسعى الحكومة المصرية إلى جذب مزيد من الأجانب للاستثمار في سوق العقارات الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر أنواع الاستثمار أمانا.صورة من: Khaled Desouki/AFP/Getty Images

لطالما كان أحمد المصري (اسم مستعار)، المقيم في إحدى دول الخليج ، يحلم بشراء شقة في إحدى مناطق القاهرة الراقية تتسع لأسرته الصغيرة ولتكون ثمرة سنوات طويلة من العمل والادخار في الغربة.

لكن هذا الحلم بدا أكثر صعوبة مع مرور الوقت. ففي كل إجازة سنوية عندما يزور مصر في الصيف، يفاجأ أحمد بارتفاع أسعار العقارات بما يفوق قدرته الشرائية رغم دخله المستقر نسبيا في الخليج.

ومع تزايد الحديث عن توجه الحكومة نحو توسيع نطاق تملك الأجانب للعقارات في مصر ، ازداد شعوره بالقلق.

وفي مقابلة هاتفية مع DW عربية، قال أحمد إن "فتح باب التملك لغير المصريين دون قيود واضحة سوف يسهم في رفع الأسعار إلى مستويات غير منطقية".

وأضاف: "أنا كمصري، لا أستطيع منافسة مواطني دول الخليج أو الأوروبيين الذين يمتلكون عملات أقوى وقدرة شرائية أعلى بكثير".

وقبل أيام، أصدر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قرارا بتفويض وزير العدل في مباشرة بعض اختصاصاته، كرئيس لمجلس الوزراء، المتعلقة بتنظيم تملك غير المصريين للعقارات المبنية والأراضي الفضاء في إطار مساع تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع البت في الطلبات. وقال مدبولي إن تشجيع تملك الأجانب للعقارات يأتي ضمن استراتيجية تُعرف باسم "تصدير العقار".

وقد انتشر في العقدين الأخيرين مصطح "تصدير العقارات"، ويعني بيع العقارات المحلية للمستثمرين أو المشترين الأجانب مقابل عملات أجنبية، بما يسهم في جذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى السوق العقاري المحلي .

قال رئيس الوزراء المصري إن القرار الأخير يأتي ضمن استراتيجية "تصدير العقار" بهدف جذب استثمارات أجنبية عبر شراء العقارات بالعملة الأجنبية.صورة من: Mohamed Abd El Ghany/REUTERS

"تصدير العقار" .. ما فوائده؟

ومن جانبها، تستعد الحكومة المصرية لإطلاق منصة تحمل الاسم ذاته، بهدف تعزيز التسويق العقاري المصري على المستوى الدولي وجذب مزيد من المستثمرين الأجانب .

وقال الخبير الاقتصادي د . مصطفى بدرة إن قضية تملك الأجانب سواء من دول عربية أو من جنسيات أخرى للوحدات العقارية في السوق المصري "أمر متعارف عليه منذ سنوات خاصة في المناطق السياحية مثل الغردقة والجونة والساحل الشمالي وبعض مناطق القاهرة الكبرى".

وفي مقابلة مع DW عربية، أضاف أنه في ضوء زيادة "عدد الوحدات المغلقة والمشروعات العقارية، فإن هذا القرار سيعود بالنفع الكبير لان تمليك الأجانب لوحدات عقارية يمكن أن يُحسن أداء السوق العقاري من خلال زيادة الطلب على العقارات فضلا عن زيادة تدفقات النقد الأجنبي".

ماذا عن المواطن؟

وأثار القرار الجديد حالة من الجدل خاصة بين شريحة واسعة من المصريين من أصحاب الدخول المتوسطة، الذين يخشون من تداعياته على قدرتهم على شراء مساكن في ظل تراجع قيمة الجنيه المصري وتزايد الضغوط الاقتصادية.

وقبل التعديلات الأخيرة، كان القانون يقصر ملكية الأجانب على عقارين فقط في محافظتين مختلفتين.

ولا يزال الاقتصاد المصري يحاول استيعاب تداعيات حرب إيران التي ألقت بظلالها على استقراره، نظرا لاعتماده بدرجة كبيرة على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر كمصدر للتمويل فضلا عن تراجع قيمة الجنيه المصري.

وفي ذلك، قال تيموثي قلدس، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة ، إن القانون القديم كان "يحد من قدرة" الأجانب على تغذية المضاربات العقارية أو المساهمة في رفع أسعار المساكن، كما كان يمنع تحولهم إلى ملاك كبار يؤجرون العقارات للسكان المحليين على نطاق واسع .

وأضاف أنه "كلما زادت مبيعات العقارات للأجانب، زادت حصة السوق التي يمتلكها أشخاص قادرون على التأثير في أسعار الإسكان ورفعها على عموم السكان . الاقتصاد المصري لا ينمو بالسرعة الكافية لتعويض ذلك. فأسعار المساكن مرشحة للارتفاع، بينما لا ترتفع دخول المواطنين وقوتهم الشرائية بالمعدل نفسه".

"وجهة جاذبة"

وشهدت السوق العقارية المصرية نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، حيث اتسع نطاق النشاط العقاري مع تدشين العديد من المشروعات، لتصل قيمة المبيعات إلى تريليونات الجنيهات.

ومع ذلك، عانى العديد من المطورين العقاريين خلال الفترة الأخيرة من تباطؤ الطلب على وحدات الإسكان الفاخر، ما دفعهم إلى ابتكار أدوات تسويقية جديدة، من بينها تمديد فترات السداد إلى جانب حوافز أخرى لجذب المشترين.

وعلى وقع القرار الأخير لرئيس الوزراء، يتوقع خبراء أن تسعى هذه الشركات إلى جذب المستثمر الأجنبي.

وفي ذلك، يرى الخبير الاقتصادي د . مصطفى بدرة أن "السوق العقاري المصري أصبح وجهة جاذبة بدرجة كبيرة للأجانب الراغبين في دخول السوق المصرية".

وأضاف أنه "في ظل الأوضاع القائمة في الأسواق الأوروبية نتيجة بعض المتغيرات المختلفة؛ نلاحظ أن هناك العديد من الأجانب يفضلون تملك وحدات عقارية في مصر أو استئجارها".

حذر الباحث الاقتصادي تيموثي قلدس من تركز المدخرات في القطاع العقاري، قائلا: "إذا وضع الجميع أموالهم في العقارات، فلن يتبقى ما يكفي للإنفاق أو الاستثمار في مجالات أخرى".صورة من: Fareed Kotb/AA/picture alliance

السيناريو الإسباني والبرتغالي

وروج البعض أن قرار توسيع قدرة الأجانب على تملك العقارات في مصر يشبه سياسات طُبقت سابقا في دول أخرى سواء في الخليج مثل دبي أو في أوروبا على غرار إسبانيا و البرتغال.

وفي تعليقه على ذلك، قال قلدس إن الاستشهاد بتجارب الدول الأكثر تطورا اقتصاديا يتجاهل المشكلات التي نتجت عن هذه السياسات في بعض الأحيان.

وأضاف أنه "على سبيل المثال، أدت برامج التأشيرة الذهبية في البرتغال إلى ارتفاع كبير في أسعار المساكن والإيجارات حتى أصبحت تكلفة السكن من بين الأعلى مقارنة بدخول الأسر. كما ساهم المشترون الأجانب في إسبانيا في زيادة حدة المضاربات العقارية".

ويُنظر إلى الاستثمار العقاري في مصر، أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، باعتباره أحد أكثر أدوات الاستثمار أمانا خاصة في ظل انخفاض قيمة العملة المحلية وتقلبات الأوضاع الاقتصادية.

ولهذا السبب، يتجه كثير من المصريين إلى توظيف مدخراتهم في شراء العقارات بمختلف أنواعها، سواء كانت شققا أو محال تجارية أو أراضي. بل هناك من يردد مقولة "العقار هو الابن البار"، في إشارة إلى أن صاحب العقار يمكنه أن يعتمد عليه ولن يخسر أبدا.

ورغم ذلك، يحذر خبراء مما يعرف بـ "الفقاعة العقارية"، وتعني الارتفاع غير المبرر في أسعار العقارات إلى مستويات تفوق قيمتها الحقيقية، مدفوعة بالمضاربات وتوقعات جني أرباح كبيرة في المستقبل، ثم انهيار هذه الأسعار أو تراجعها بشكل كبير لاحقًا .

وفي هذا الإطار، يرى قلدس أنه ليس من "الحكمة" أن يتركز الجزء الأكبر من رؤوس الأموال المتدفقة إلى البلاد في قطاع العقارات وحده.

وقال إنه "لو جرى توجيه جانب أكبر من هذه الأموال إلى القطاعات الإنتاجية والمصانع والشركات الناشئة ومقدمي الخدمات، لكان أثرها أكبر بكثير في خلق فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادي وتقليص فاتورة الواردات".

تحرير:صلاح شرارة

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا