آخر الأخبار

صوت من الماضي حتى لا تفقد كرة القدم متعتها

شارك

في طفولتي كانت أمنيتي، أن أرى نجم نادي الإسماعيلي والمنتخب المصري لكرة القدم، علي أبو جريشة. كان يطلق عليه آنذاك ـ وإلى الآن -"فاكهة الكرة المصرية". في أوائل السبعينيات، تسلقت أسوار استاد الشرقية الرياضي، لأراه عندما التقى في ذلك الوقت الأهلي مع الإسماعيلي.

العالم كان يضج بالمسابقات المحلية في كرة القدم، غير أننا لم نكن نعرف منه إلا نجوم مصر المحليين. كنا نتخيلهم كيف يلعبون. في زمن كانوا أساطير حية: أيقونات بقمصانهم، فنانين نستمتع بهم ـ بالسمع وحسب ـ عبر أجهزة راديو ترانستور في حجم الكف، ونقلدهم في ملاعب ترابية حفاة، قبل ظهور الأحذية الرياضية. نركل الأرض والنتوءات المدببة من التربة، نصاب وننهض سعداء، عندما نسمع صيحات الإطراء من جمهور قليل يصطف حول الملاعب الترابية القاسية.

نجوم ذلك الزمن، لم يكونوا مجرد لاعبين، بل كانوا أشبه بالخيال، محفورين في ذاكرة الطفولة وهوس المراهقة إلى الأبد.

لم يكن التلفزيون قد دخل بيوت القرى الفقيرة بعد، كنا نلتف حول المذياع، بعد الساعة الثامنة مساء، لنسمع فهمي عمرـ أشهر معلق رياضي في ذلك الوقت ـ ليقدم ملخصا عن المباريات ونتائجها.

روى لي من هم أكبر مني عمرا، أن الأندية في الأقاليم، كانت تجمع من الجمهور العاشق لناديهم، ثمن تذاكر تنقلات الفريق من محافظة إلى محافظة، وبعض نجوم ذاك الزمان، مات فقيرا ولم يترك لأسرته شيئا، يعيشون عليه من بعده.

وعندما دخل التلفزيون، وانتشر تدريجيا في بيوت العائلات الميسورة، بدأنا نشاهد بعيوننا الشابة المتلهفة- في مراكز مشاهدة صاخبة، وعلى أجهزة استقبال تلفزيونية رديئة الجودة، عبر الوهج الخافت لشاشات "سي آر تي" القديمة المنحنية- نجومنا الذين كنا نلهث خلفهم لمجرد النظر إليهم. واتسعت دائرة الاستمتاع تدريجيا بكرة القدم العالمية.

كانت بطولة كأس العالم لكرة القدم 1954 في نسختها الخامسة في سويسرا، أول بطولة تبث تلفزيونيا على الإطلاق. كانت التقنية بدائية آنذاك – صور بالأبيض والأسود، وزوايا تصوير محدودة، وعدم وجود خاصية الإعادة البطيئة – لكن تأثيرها كان فوريا.

إعلان

شاهد ما يقدر بنصف مليون أوروبي، المباريات على أجهزة التلفزيون في الساحات العامة وقاعات المناسبات، إذ كان امتلاك جهاز تلفزيون منزلي، يعد ترفا في معظم البلدان، واجتذبت المباراة النهائية بين ألمانيا الغربية والمجر، أكبر جمهور تلفزيوني لأي حدث رياضي حتى ذلك التاريخ.

كانت بطولة كأس العالم 1970 في المكسيك، أول بث تلفزيوني ملون، وقد جاء التوقيت في غاية الروعة: قمصان المنتخب البرازيلي الصفراء الزاهية، وملاعب غوادالاخارا ومكسيكو سيتي الخضراء، وحذاء بيليه الذهبي.

لقد أحدث التلفزيون الملون، نقلة نوعية في التأثير البصري لكرة القدم، وجعل بطولة 1970 الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة في التاريخ، حتى ذلك الحين. يعزى الفضل إلى إدخال البث الملون، في تعزيز النمو التجاري لكرة القدم العالمية بشكل كبير خلال سبعينيات القرن الماضي.

كانت بطولة كأس العالم 2022 في قطر، أول بطولة تقارب فيها نسب مشاهدة البث المباشر عبر الإنترنت، نسب مشاهدة البث التلفزيوني التقليدي في الأسواق الرئيسية.

ففي الولايات المتحدة، كانت أرقام مشاهدة البث المباشر عبر الإنترنت لشبكتي "تيليموندو"، و"بيكوك" مجتمعتين مماثلة لأرقام مشاهدة البث التلفزيوني التقليدي لشبكة "فوكس" في المباريات الرئيسية. وقدمت منصات البث العالمية، بما فيها "FIFA+"، تغطية مباشرة مجانية، للأسواق في أفريقيا وآسيا، حيث كانت البنية التحتية للبث التقليدي محدودة، مما وسع بشكل كبير نطاق البطولة عالميا.

وأدخل في كأس العالم 2026، الجارية هذه الأيام، العديد من الابتكارات الرائدة في مجال البث التلفزيوني. ستتاح مباريات مختارة بدقة 8K، أي أربعة أضعاف دقة 4K القياسية، في الأسواق التي تمتلك البنية التحتية اللازمة لدعم هذه التقنية.

كما سيتم تجربة التعليق الشخصي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والذي يتيح للجماهير اختيار الصوت ولغتهم المفضلَيْن، من بين مجموعة مختارة تلقائيا، وذلك عبر بث "FIFA+" وستمكن تجارب المشاهدة بتقنية الواقع الافتراضي الغامرة، الجماهير من الشعور وكأنهم يجلسون داخل الملاعب، التي لا يستطيعون الحضور إليها فعليا.

إن رحلة الانتقال من 500 ألف مشاهد بالأبيض والأسود عام 1954 إلى خمسة مليارات مشاهد متوقعة عام 2026 تعد واحدة من أروع القصص في تاريخ التواصل البشري.

كانت بطولة كأس العالم 1970 في المكسيك، أول بث تلفزيوني ملون، وقد جاء التوقيت في غاية الروعة: قمصان المنتخب البرازيلي الصفراء الزاهية، وملاعب غوادالاخارا ومكسيكو سيتي الخضراء، وحذاء بيليه الذهبي

ومع ذلك تسكننا الأسئلة، بشأن مغزى الحنين إلى هذا الفترة، وما إذا كان بسبب "نقاء" ما قبل الحداثة، التي لوثت كل شيء، حتى نسمة الهواء التي تمر برئة العالم. إذ لا يزال يسكننا ـ حتى اليوم ونحن في 2026 ـ رونالدينيو ذو الشعر الأشعث وهو يراوغ المدافعين برشاقة وابتسامة عريضة. مارادونا، كريسبو، ريكيلمي، وشجاعتهم الأرجنتينية الجريئة. روماريو، ريفالدو، رونالدو، أدريانو، روبرتو كارلوس، وتلك القمصان الصفراء البرازيلية الكلاسيكية التي كانت تتألق على شاشات التلفاز رغم ضعف استقبالها.

إعلان

لا يزال هناك من يصرون، على أن إرث مارادونا لا يضاهى، وبعضهم لا يكف عن الحديث عن مسيرة رونالدو في كأس العالم 2002، وأناقة زيدان، أو حنينهم إلى ضربات دروغبا الرأسية ومهارة ميسي. بل إنهم يقارنون بين أمثال بيدري وساكا الحاليين، وبين من سبقوهما في الأداء واعتزلوا، لمجرد إثبات تراجع مستوى كرة القدم وندرة النجوم.

على سبيل المثال: دييغو مارادونا، اشتهر بـ"يد الله" بعد هدفه الذي سجله بيده واحتسبه الحكم هدفا صحيحا، في مباراة إنجلترا عام 1986، إذ لا يزال هذا الهدف، هو الأكثر شهرة في تاريخ كرة القدم بأكمله.

بيليه كأسطورة كروية لن تنسى، سجل أكثر من 1200 هدف. وشارك في أربع بطولات لكأس العالم. وشهدت كرة القدم والبرازيل، تحولا جذريا في النظرة العالمية بفضله.

والمدهش أنه بمرور الوقت، تزداد قوة هذه الأسماء، بدلا من أن تظهر عليها علامات الشيخوخة.

يعكس هذا الحنين إلى ماضي كرة القدم، عرض لقطات تلفزيونية بالأبيض والأسود، والتواصل المباشر الذي كان موجودا بين المشجعين واللاعبين، وقمصان وملاعب لم تكن استعمرتها بعد الرعاية والإعلانات.

لقد ارتفعت مبيعات المنتجات الرياضية القديمة، في الولايات المتحدة بنسبة 19% عام 2023. ولا يقتصر الإقبال على شراء المعدات الرياضية فحسب، بل يتجاوزها إلى اقتناء قطع من ذكرياتهم الثمينة.

في وقت سابق من عام 2024، أطلقت أديداس مجموعتها من أطقم المنتخبات الوطنية الكلاسيكية، والتي سلطت الضوء على قمصان عشرة منتخبات من منتصف الثمانينيات إلى أواخر التسعينيات. لاقت المجموعة استحسانا كبيرا، حيث توفرت في العديد من منصات التجارة الإلكترونية المتخصصة بالمنتجات الفاخرة، ونفدت معظم المقاسات من موقع أديداس الإلكتروني.

ثم تكرر هذا النجاح، بإعادة إطلاق قميص مانشستر يونايتد الكلاسيكي لعام 1988، والذي اتخذ كمنصة للتعاون مع علامة الأزياء "دراما كول" التي تتخذ من مانشستر مقرا لها، والذي وصل سعره إلى أكثر من 400 جنيه إسترليني على منصات إعادة البيع، وتظهر نجاحات أديداس، على المستويين التجاري والمؤسسي، قدرة الحنين إلى الماضي الفطرية على تحقيق مكاسب هائلة من خلال عالم الموضة.

من بين الأسئلة التي ما زالت مستبعدة عن أية مقاربة تفسيرية، هي ما إذا كان الحنين إلى الماضي، هو صوت احتجاجي على دخول شركات التمويل ومنصات البتكوين إلى المشهد التلفزيوني والرياضي، وبيع حقوق تسمية الملاعب لشركات التأمين والطيران والمراهنات، بالإضافة إلى إنشاء تكتلات كروية ذات أنشطة وطموحات متنوعة تحت إشراف مديرين رياضيين. وما إذا كان حنينا إلى ماض، لم يكن فيه رأس المال والاحتراف القوة الدافعة لكرة القدم. وبدعم من رأس مال عالمي غير شخصي، تعيد فيه إعلانات الملابس الرياضية والمراهنات، خلق عالم شوهته وسائل التواصل الاجتماعي، والوسطاء، والمالكون المنفصلون عن السياق الاجتماعي والطبقي، الذي شكلت فيه الفرق هويتها الجماعية والذي جعل ـ في المحصلة ـ كرة القدم أحد المحركات الرئيسية للرأسمالية العالمية الحديثة.

وكذلك قبل أن تضيف الحداثة إلى كرة القدم الاحترافية، قنوات تواصل جديدة للتعبير عن التحيزات والعداوات التاريخية وإحيائها.

إنه الحنين إلى زمن أبسط، زمن كانت فيه كرة القدم "نقية"، و"غير ملوثة" بقوى الحداثة الاجتماعية والمالية. وقبل تسليع اللاعبين وإسالتهم إلى واجهات جامدة، وذات ملامح حادة، للشركات متعددة الجنسيات، وعناصر أساسية في إطار العولمة المتنامي باستمرار.

لقد أثار مسار كرة القدم، الذي يبدو أنه يسير بسلاسة، نحو شكل نمطي من أشكال الحداثة المادية، استياء الكثيرين. وكتب هيو ماكلفاني، الكاتب الرياضي الإسكتلندي الكبير، بنبرة قلقة خلال كأس العالم 1994، عن زحف النزعة التجارية، مضطرا لتذكير قرائه بأن "الرياضة لا علاقة لها بالأحلام التوسعية والتوقعات التجارية بقدر ما هي احتفال باللحظة".

إعلان

لقد باتت كرة القدم، التي فرضت نفسها بقوة على المشهد السياسي العالمي، تقترب من الاكتمال، إذ تحولت من هواية هواة إلى مؤسسة اجتماعية واقتصادية شاملة، سواء رحب بذلك أم لا.

لقد تآكلت تلك الحقبة الرعوية لأبطال الطبقة العاملة، وما قد نتذكره بشكل مبهم على أنه القيم "التقليدية" للعبة من روح رياضية وتضامن مجتمعي، ببطء وقسوة على مدى الخمسة عشر إلى العشرين عاما الماضية.

قد لا تزال هذه القيم موجودة في بعض المناطق حول العالم، لكنها تجبر على العيش في الخفاء، وكأنها تطارد إلى الاختباء؛ بسبب السعي الحثيث نحو تضخيم الجانب التجاري للرياضة.

ولكن هذا لا يعني، أن كرة القدم منفصلة تماما عن جذورها المحلية والإنسانية، فهناك مشاريع كروية تعزز التماسك المجتمعي وتساهم تدريجيا في التئام جراح اجتماعية عميقة حول العالم، وهي مبادرات تلقي الضوء على الهوية الحقيقية للعبة. ربما تكون كرة القدم قد شهدت تحديثا كبيرا، لدرجة يصعب معها التعرف عليها، لكن تلك البراءة الجريئة، وتلك المتعة الكبيرة التي تنبع من التفاؤل غير المتشائم، لم تمت بعد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا