آخر الأخبار

العصيان المدني.. خيار الحريديم أمام "خيانة" نتنياهو

شارك

لم تعد أزمة تجنيد اليهود المتشددين (الحريديم) في إسرائيل مجرد مناورة برلمانية، بل تحولت في مطلع يونيو/حزيران 2026 إلى عصيان مدني عنيف وصف في إسرائيل بأنه يضرب سيادة الدولة.

ففي بلدة "بيت شيمش "، فجّرت الأوامر الشرطية الجديدة بملاحقة المتخلفين استباقيا صدامات وُصفت بـ "غير العادية ".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إيكونوميست : لماذا تقلق فرنسا من إعادة تسليح ألمانيا؟
* list 2 of 2 غضب وصراخ وتعيين للمقربين.. معركة نتنياهو الأخيرة في الكنيست قبل الحل end of list

ووفقا لتقرير ميداني للصحفي "زفيكا سيغال " في موقع "بحدري هحدريم" الحريدي، نجح مئات المتظاهرين في اقتحام ساحة مركز الشرطة ببيت شيمش عقب اعتقال طالب فار من الخدمة من سكان "بيتار عيليت "، وأشعلوا النيران في الغابات المحيطة، ورشقوا القوات بالحجارة لشل الحركة على الطريق السريع رقم 38.

هذا الانفجار الميداني سرعان ما تمدد ليأخذ طابع الترهيب القضائي؛ حيث تجمع العشرات أمام منزل نائب رئيس المحكمة العليا القاضي "نوعام سولبرغ " في بلدة ألون شفوت، مخلفين دمارا بتخريب فناء منزله واقتلاع أشجاره.

مصدر الصورة الشرطة الإسرائيلية استخدمت قنابل صوتية ووحدات الخيالة لتفريق مظاهرة للحريديم في القدس (الأناضول)

وأثارت هذه الحادثة ردود أفعال عاصفة؛ إذ أدانت السلطة القضائية الهجوم واصفة إياه بـ "حدث خطير وغير مقبول، يتجاوز حدود الاحتجاج المشروع، ويسعى إلى زعزعة أمن شاغلي المناصب القضائية وعائلاتهم ".

وهاجم زعيم المعارضة يائير لابيد المشهد قائلا: "حكومة مجرمة تُهين قاضيًا في المحكمة العليا في الكنيست، وعصابة من المجرمين المتهربين من العدالة تهاجم قاضيًا في المحكمة العليا في منزله، لا شرطة، ولا قانون ".

وحذر بدوره الكاتب والباحث في الشؤون الحريدية "أهارون رابينوفيتش " في صحيفة "هآرتس " اليسارية من أن الأزمة تقود المجتمع الحريدي بأكمله وإسرائيل بسرعة نحو حافة الصدام.

ونقل الكاتب عن مصدر قيادي مطلع اعترافا بمرارة الوضع بقوله: "لقد خرجنا عن السيطرة، والجميع يحاول إظهار مدى تطرفه.. سنقبل أي فكرة، لأنه في الحرب كل شيء وارد ".

إعلان

انهيار كتلة اليمين

خلف الجدران المغلقة للمرجعيات الدينية، تلقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الطعنة السياسية الأشد خطورة، والتي يراها الحريديم ردا طبيعيا على "خيانته " لوعوده بتمرير قانون إعفاء الحريديم من التجنيد.

وينقل المعلق السياسي البارز في صحيفة "معاريف " "ماتي توخفيلد " كواليس لقاء عاصف في منزل رئيس مجلس حكماء التوراة الحاخام "دوف لاندو "، حيث أُصيب أعضاء الكنيست بالذهول من لغته الحادة؛ إذ أعلن بحزم عزمهم على تقديم موعد الانتخابات وحل كتلة اليمين.

هذا الانقلاب الحاخامي جاء بتدبير من مهندس الظل "موتي بابشيك " (الرجل القوي في حركة غور الحسيدية) مدفوعا بغريزة الانتقام من ألاعيب نتنياهو السابقة لشق صفوفهم وتفكيك نفوذهم.

وتحت وطأة هذا الانهيار، بثت "القناة 13 " العبرية عبر مراسلها السياسي "مايكل شيمش " تصريحات لاذعة وسرية لرئيس حزب شاس "أرييه درعي " هاجم فيها رئيس الوزراء مباشرة قائلا: "يتحمل رئيس الوزراء مسؤولية حادثة الحاخام لاندو والرسالة القاسية الموجهة ضد الكتلة، لقد أخطأ بالحديث عن عدم امتلاكه للأغلبية ".

ووفقا لـ "هآرتس "، فقد امتد الغضب إلى درعي الذي هدد صراحة بتمرد ضريبي والتلويح بحل كتلة اليمين محذرا: "أصرخ وأحذر رئيس الوزراء وقادة أحزاب اليمين. إذا كنتم ترغبون حقًا في استمرار كتلة اليمين، فعليكم الوقوف بحزم ضد هذا الاضطهاد الإجرامي ".

كما أكد درعي استعداد حزب يهدوت هتوراة للتخلي عن نتنياهو قائلا: "سيدخلون في حكومة يسارية إذا تم تشكيل حكومة بعد الانتخابات ".

وشاطره عضو الكنيست موشيه أبوتبول التهديد عبر إذاعة "كول باراما " بالقول: "الكتلة ليست كتلة، أولا وقبل كل شيء مسألة التوراة، فبدون التوراة، لا قيمة للكتلة ".

مصدر الصورة زعيم حزب ديغل هتوراه: لم نعد نثق بنتنياهو، فهو مخادع. يجب أن نتحرك بسرعة لحلّ الكنيست (مكتب الحاخام لاندو)

السلاح الاقتصادي الفتاك

العصيان الحريدي لم يتوقف عند الفوضى الميدانية، بل انتقل إلى التخطيط لـ "حرب اقتصادية مفتوحة " عبر وسائل الإعلام الحريدية والحزبية ردا على قرارات المستشارة القانونية والمحكمة العليا بحرمانهم من المزايا المالية كالسكن والمواصلات وميزانيات المعاهد الدينية.

وشكّلت الفتاوى والمنشورات، لا سيما إلغاء الإعفاءات الضريبية بموجب المادة 46، صدمة للشارع الحريدي.

وحرّضت صحيفة "هاميفاسر " التابعة لمئير بوروش صراحة على التمرد الضريبي متسائلة: "هل يُفترض بالجمهور الحريدي أن يظل قوة شرائية هائلة، يدفع الضرائب، ويُظهر ولاء، وفي الوقت نفسه يُموّل مضطهديه سرًا؟ ".

وأعلنت مجلة "ياتيد نئمان " الناطقة باسم حزب "ديغل هاتوراه " عن أمر الحاخامات بتشكيل "لجنة مهنية لدراسة الخطوات التي ستتخذها الأحزاب الحريدية ردا على الحرب الوجودية التي أعلنتها سلطات الدولة ".

وتتلاقى هذه التحركات مع تقارير صحيفة "إسرائيل هيوم " العبرية التي كشفت عن بيانات سرية تلوح بفرض مقاطعة تجارية شاملة تهدف لتجفيف مبيعات كبريات الشركات الاستهلاكية الغذائية المعتمدة على المتسوق المتدين؛ بحيث يسحب الحريديم قرابة 640 مليون شيكل (نحو 173 مليون دولار) (قيمة استهلاك الحريديم من منتجات الشركة) من شركة "تنوفا "، و535 مليون شيكل (نحو 145 مليون دولار) من شركة "شتراوس "، و391 مليون شيكل (نحو 106 ملايين دولار) من شركة "أوسم "، لإلحاق ضرر فادح برأس المال يدفعها للضغط على وزارة المالية لوقف الإجراءات العقابية.

إعلان

كما هدد رئيس بلدية بيتار عيليت مئير روبنشتاين من حزب شاس، المفوض بقطع تام للعلاقات ووقف التزام المجالس المحلية بالإبلاغ عن الجرائم ووقف تخصيص المباني البلدية لمراكز الشرطة، قائلا له: "أنتم تقودون جميع أفراد المجتمع الحريدي إلى طريق التطرف، كفوا عن إطلاق النار ".

المقايضة القضائية الكبرى

على الجانب الآخر، يعيش الشارع الصهيوني العِلماني حالة من الغليان؛ حيث يرى الكاتب المخضرم "بن درور يمني " في صحيفة "يديعوت أحرونوت " أن هذا التمرد يمثل "طفيلية وابتزازا" يكلف دافعي الضرائب فجوة مالية تبلغ 36 مليار دولار، منتقدا صمت شرطة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وتخاذلها أمام الحريديم، مقارنة بالقمع الذي واجهته مظاهرات العلمانية.

وفي محاولة مستميتة من نتنياهو لاحتواء مشروع قانون حل الكنيست الذي تمت الموافقة عليه في قراءته الأولى، كشف المحلل السياسي الأبرز في "القناة 12 " العبرية "عميت سيغال" عن ملامح "مقايضة كبرى " يجري التباحث بشأنها؛ إذ تبدي الأحزاب الحريدية استعدادا مؤقتا للتراجع عن مطلب تقديم موعد الانتخابات إلى سبتمبر/أيلول، مقابل تقديم نتنياهو تنازلات دستورية انتقامية تُفكك المنظومة القضائية.

وتشمل هذه الصفقة إقرار تقسيم منصب المستشارة القانونية للحكومة في القراءات الثلاث خلال شهر واحد، وتمرير "بند التجاوز " لتقويض المحكمة العليا ومنعها من إبطال قوانينهم؛ لا سيما قانون الحضانات والقانون الأساسي لدراسة التوراة.

مصدر الصورة الأحزاب الحريدية في الكنيست عقب التصويت في مايو/أيار الماضي على حل الكنيست (رويترز)

وتهدف هذه التحركات إلى منح المسؤولين المنتخبين صلاحيات واسعة لتقليل سلطة النظام القضائي، بما يضمن بقاء نتنياهو السياسي وموافقة الحريديم على تأجيل الانتخابات إلى أواخر أكتوبر/تشرين الأول.

يشير المشهد إلى أن إسرائيل تواجه معضلة تفكك بنيوي غير مسبوق، تلتقي فيه الفوضى الميدانية واقتحام المقار الأمنية بالتمرد المالي والتشريعي؛ حيث اختار الحريديم العصيان المدني الشامل لفرض استقلاليتهم الدينية والاقتصادية ردا على ما يصفونه بخيانة نتنياهو، وهذا الصدام يسرع بتمزيق العقد الاجتماعي الهش ويدفع المجتمع الإسرائيلي نحو حافة مواجهة أهلية حتمية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا