"نشعر بظلم وقهر كبير.. يريدونك أن تعمل مثل العبيد"، بمثل هذه الكلمات انتشر فيديو لطبيب شاب على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس، يشكو من وضع خانق يعاني منه الأطباء الشبان في المستشفيات العمومية.
رسالة الشاب التي بثت في الكثير من منصات التواصل الاجتماعي ليست أمراً مستجداً في القطاع، لكنها تكشف عن سقف أعلى من المعاناة المهنية في ظل العمل المضني، حيث يمكن أن تمتد ساعات الدوام إلى 48 ساعة عمل متتالية، بجانب التأخير المبالغ في صرف الأجور المحدودة والتي يمكن أن تصل إلى ستة أشهر.
لكن الأزمة لا تقف عند الجوانب المالية فحسب، إذ أن رسالة الطبيب الشاب تضمنت أيضاً تذمراً من قيود على حرية التعبير ، في إشارة إلى قرار السلطات بتجميد مؤقت لنشاط "منظمة الأطباء الشبان" ضمن حملة تدقيق حول مصادر تمويل جمعيات المجتمع المدني وسجلها الضريبي.
ومع أن السلطات تراجعت عن قرار التعليق، إلا أن الوضع في القطاع لا يشير إلى انفراج قريب في ظروف العمل والبنية التحتية للمستشفيات والمطالب المالية.
وتقول المنظمة إن رفع القرار يعد تراجعاً عن إجراء لم يكن مبرراً، وانتصاراً لحق المنظمات المستقلة في النشاط والتعبير وتكوين الجمعيات.
داخل المستشفيات تختلف قصص آلاف الأطباء المتدربين والمقيمين، وهم يعدون عصارة تكوين كليات الطب التي تفاخر بهم تونس ، لكن الواقع يشي بوضع يلامس الإحباط بالنسبة للكثيرين.
ومن بين أولئك، تكافح الطبيبة الشابة آمال من أجل إتمام دراستها قبل التخرج في تخصص طب العائلة، لا يزال أمامها سنتين لتحقيق حلمها لكنها تحتاج إلى جهد مضاعف داخل مستشفى الرابطة في العاصمة. على الرغم من سمعته التاريخية واحتوائه على العديد من الأقسام المتخصصة، فإن المستشفى الذي يعود إلى حقبة الاستعمار الفرنسي يعاني اليوم من تقادم بنيته التحتية ونقص في التجهيزات، شأنه في ذلك شأن أغلب المستشفيات العمومية في تونس.
وتقول آمال البالغة من العمر 27 عاماً، والتي قدمت نفسها باسم مستعار بسبب مخاوف إدارية، لـDW عربية: "المشاكل متنوعة تشمل ظروف العمل وتمس العديد من المجالات بما في ذلك الضمانات الأمنية المفقودة في المستشفيات اليوم".
يعد النقص في الأمن بمثابة الكابوس الذي يرافق دوام الأطباء في المستشفيات. وتفيد نتائج دراسة حول العنف المسلط على الكوادر الطبية قدمتها "المنظمة التونسية للأطباء الشبان"، في مؤتمر صحفي، تعرض 73% من الأطباء الشبان لاعتداءات جسدية ولفظية، في حين واجه 1 من كل 8 أطباء تهديدات بالأسلحة البيضاء. وتظهر معطيات المنظمة أن 68.5% من هذه الاعتداءات سجلت في غياب الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية العاملين في المستشفى.
وتكشف البيانات عن خطورة أوسع لما يحصل في المستشفيات وتداعياتها اللاحقة، حيث بات نحو 82 % من الأطباء ضحايا العنف يفكرون جدياً في مغادرة البلاد.
وتعترف الطبيبة آمال بأن فكرة المغادرة مطروحة بشدة في ذهنها في حال لم يكن هناك تغير في الأوضاع، وتضيف لـDW عربية: "جميعنا نريد البقاء في تونس لكن عندما تشاهد أوضاع المستشفيات تضطر إلى مراجعة خياراتك. صحيح أنه لا يمكن قياس أي تغيير بين عشية وضحاها، لكن حتى الآن لا يوجد تغيير يذكر".
ووفق بعض الدراسات يعد الطب العائلي أكثر التخصصات تضرراً بجانب التخدير والإنعاش والطب العام، من حيث التفكير في المغادرة، بنسب تصل إلى 70%.
وفي كل الحالات فإن الأسباب التي تدفع الكثيرين من الأطباء الشباب إلى التفكير في المغادرة لا ترتبط فقد بظروف مهنية صرفة. فالأطباء النشيطون في المجتمع المدني يشاركون بدورهم مخاوف باقي النشطاء في قطاعات أخرى ترتبط بحقوق الانسان والتعددية الحزبية وحرية التعبير مثل المحامين والصحفيين والمعارضة السياسية، من أن يتعرضوا للمضايقات أو ملاحقات قضائية بسبب مواقف منتقدة للسلطة.
ويقول الناشط السياسي المعارض رياض الشعيبي لـDW عربية: "المغادرة الاضطرارية ليست هجرة تقليدية إنما هي بحثاً عن الحماية والأمان المفقودان في تونس للأسف. ومثلما أصبحت السجون التونسية تعج بمئات المعتقلين السياسيين و معتقلي الرأي ، فانه قد التحق بالمهجر عشرات المنفيين السياسيين، الذين يحدثون أنفسهم بالعودة كل يوم، وبمجرد حدوث تغيير".
وسواء حصل تغيير أم لا، فإن نزيف الهجرة بدأ يلقي بتداعياته المباشرة على خدمات الصحة العمومية في تونس في ظل غياب خطط جدية من الدولة للتعامل مع مطالب الأطباء الشباب.
وتشير بيانات كشف عنها الكاتب العام لعام نقابة الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الاستشفائيين الجامعيين، محمد عدنان الحنشي، عن مغادرة أكثر من ستة آلاف طبيب خلال السنوات الأربع الماضية من 2021 إلى 2025، بمعدل سنوي يفوق ألف طبيب، بما في ذلك الأطباء الشباب وحتى رؤساء الأقسام وبعض العمداء السابقين (عمداء كليات الطب). ووفق المسؤول النقابي غادر في عام 2024 وحده حوالي 1450 طبيب نحو دول مثل فرنسا وألمانيا ودول الخليج بعد أن فشلت الدولة في توفير فرص بقائهم، ما يمثل في تقديره تهديداً حقيقياً لخدمات الصحة العمومية في المستشفيات.
ويقول الناشط المتخصص في قضايا الهجرة والحقوق الاجتماعية رمضان بن عمر لـDW عربية إن " الهجرة المنظمة باتت اليوم الحل الأمثل بالنسبة لعدة كفاءات ومن بينها الأطباء بسبب الانتهاكات التي يتعرضون لها"، لكن المقلق حسب رأيه هو "أن رد فعل الدولة يغلب عليه اللامبالاة في ظل افتقادها لاستراتيجية واضحة للحد من هذه الظاهرة، الأمر الذي يحدث ضرراً للتونسيين في قطاعات حيوية".
المصدر:
DW