منذ أكثر من خمسة أعوام، يقول شاه مراد جوانروي إنه يراقب، من قريته القريبة من جبل شاهو في محافظة كرمانشاه غربي إيران، شاحنات عسكرية كبيرة ومغلقة تتحرك بانتظام نحو قاعدة تابعة للحرس الثوري على سفح الجبل.
كانت المنطقة، بالنسبة إلى جوانروي، جزءا من حياته اليومية. فهو صياد كردي يجمع في الربيع أعشابا جبلية تستخدم في الصناعات الدوائية. لكن الوصول إلى محيط الجبل، كما يقول، أصبح ممنوعا بعد حرب الأربعين يوما التي اندلعت أواخر فبراير واستمرت حتى مطلع أبريل، حين أغلقت استخبارات الحرس الثوري الطرق المؤدية إلى القاعدة ومنعت سكان القرى المجاورة من الاقتراب.
“أشاهد يوميا منذ أكثر من 5 أعوام على الطريق القريب من قريتنا حركة ذهاب وإياب مكثفة للشاحنات العسكرية الكبيرة المغلفة بالكامل، ترافق كل واحدة منها حراسة مشددة من قبل الحرس الثوري تتجه نحو القاعدة الواقعة على سفح جبل شاهو”، قال جوانروي لـ”الحرة”.
لا تبدو القاعدة، من الخارج، كبيرة بما يكفي لتفسير هذا النشاط، بحسب جوانروي. فالمباني الظاهرة قليلة، والمساحة محدودة. لكن حركة الشاحنات، وخصوصا في الليل، أثارت شكوك سكان محليين ومصادر في المعارضة الكردية الإيرانية تحدثوا إلى “الحرة”، قائلين إن الموقع يضم منشآت تحت الأرض يشرف عليها الحرس الثوري.
لم تتمكن “الحرة” من التحقق بشكل مستقل من طبيعة المنشآت داخل القاعدة أو من فحص الموقع ميدانيا. لكن شهادات السكان، ومعلومات من قيادات كردية معارضة، تتقاطع مع اتهامات أوسع تقول إن إيران طورت، إلى جانب برنامجها النووي والصاروخي، شبكة أقل انكشافا من المواقع المرتبطة بأبحاث الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، بعضها يعمل، بحسب هذه المصادر، تحت غطاء مدني أو طبي أو جامعي.
ويقول أربعة قياديين في أحزاب كردية إيرانية معارضة، تحدثت إليهم “الحرة”، إن معلومات تلقتها تنظيماتهم من داخل كردستان إيران، ومن مصادر تصفها بأنها قريبة من الحرس الثوري، تشير إلى أن موقع جبل شاهو يضم منشأة لإنتاج وتطوير مواد كيميائية، بينها رؤوس مخصصة لصواريخ باليستية وطائرات مسيرة انتحارية، إضافة إلى قنابل تستخدم في تفريق الاحتجاجات.
تكتسب هذه المعلومات التي يصعب التحقق منها في بلد مغلق أمنيا مثل إيران، وخصوصا في مناطق عسكرية أو حدودية تخضع لرقابة الحرس الثوري، أهمية إضافية في ضوء اتهامات أميركية رسمية سابقة لإيران بعدم الإفصاح الكامل عن أنشطتها المتعلقة بالأسلحة الكيميائية.
في 24 يوليو 2024، فرضت وزارة الخارجية الأميركية عقوبات على شركة “حكيمان شرق للأبحاث”، وقالت إنها متورطة في أبحاث وتطوير الأسلحة الكيميائية الإيرانية. وذكرت الوزارة أن الشركة أدرجت على قائمة العقوبات بسبب “ممارستها أو محاولتها ممارسة أنشطة أو معاملات تُسهم بشكل جوهري في انتشار أسلحة الدمار الشامل من قِبل إيران”.
وقالت الخارجية الأميركية إن هذه الخطوة جاءت بعد دعوات متكررة إلى طهران لتصحيح ما وصفته واشنطن بعدم امتثال إيران لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ومنذ عام 2018، تقول الولايات المتحدة إن إيران لم تفصح بالكامل عن أنشطتها ومنشآتها المتعلقة بالأسلحة الكيميائية.
واتهم البيان الأميركي إيران بتطوير عوامل صيدلانية لاستخدامها ضمن برنامج للأسلحة الكيميائية، مؤكدا أن واشنطن ستواصل التصدي لأي جهود يبذلها النظام الإيراني لتطوير أسلحة كيميائية، بما في ذلك تلك التي يمكن أن يستخدمها وكلاؤه وشركاؤه.
في القرى القريبة من جبل شاهو، لا يتحدث السكان عن الشاحنات وحدها. ويقول مهدي مهاجري، وهو من سكان المنطقة، إن روائح كريهة تنتشر منذ سنوات، خصوصا في الليل، من دون أن يعرف الأهالي مصدرها.
“ليس فقط الروائح الكريهة، بل حتى غالبيتنا ومنهم أنا، أصبت بنوع من الحساسية الجلدية وضيق تنفس وأصبحت علاماته تتعمق لدي يوما بعد آخر، قال مهاجري لـ”الحرة”.
وتكررت روايات مماثلة في مقابلات أجرتها “الحرة” مع سكان محليين ومصادر معارضة، قالوا إن المنطقة أصبحت أكثر إغلاقا بعد الحرب الأخيرة.
ما يصفه سكان جبل شاهو ليس، بحسب مصادر المعارضة، حالة معزولة. فقد قال معارضون وخبراء إيرانيون تحدثوا إلى “الحرة” إن الحرس الثوري بدأ، منذ الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، ببناء قدراته في مجال الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ثم وسعها خلال العقود اللاحقة عبر مختبرات ومراكز بحث تعمل تحت أغطية طبية ودوائية.
وتقول قيادات معارضة إن عشرات الجامعات والمراكز البحثية والطبية والكيميائية في إيران تضم مختبرات مرتبطة بهذا البرنامج، بعضها تديره جهات تابعة للحرس الثوري، وبعضها الآخر مرتبط بوزارة الدفاع الإيرانية.
وبحسب هذه القيادات، تعرض أكثر من 30 مركزا جامعيا وبحثيا وطبيا وكيميائيا لغارات إسرائيلية وأميركية خلال الحرب الأخيرة، ما أدى إلى توقف الإنتاج في بعضها وتدمير معدات وبنى تحتية. وتقول المصادر نفسها إن الحرس الثوري أعاد تشغيل عدد من هذه المختبرات خلال الهدنة المستمرة منذ أبريل.
وتورد هذه المصادر أسماء جامعات ومعاهد إيرانية بارزة، من بينها جامعة الإمام الحسين، وجامعة مالك الأشتر التكنولوجية، وجامعة الشهيد بهشتي، وجامعة شريف التكنولوجية، وجامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة أمير كبير، ومعهد باستور الإيراني، ومركز الرازي لأبحاث اللقاحات والأمصال، وجامعة بقية الله للعلوم الطبية.
كثير من هذه المؤسسات الطبية والجامعية تجري أبحاثا في مجالات الكيمياء والبيولوجيا واللقاحات. لكن مصادر المعارضة تقول إن الحرس الثوري يستخدم هذا التداخل بين البحث المدني والتطبيق العسكري لإخفاء أجزاء من برنامجه.
في الأحواز، يقول حميد مطشر، رئيس الحزب الليبرالي الأحوازي، إن الحرس الثوري ركز جانبا كبيرا من مراكز ومختبرات صناعة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية في الأحواز وكردستان وبلوشستان، وهي مناطق تقطنها قوميات غير فارسية.
وقال مطشر لـ”الحرة” إن “الحرس الثوري يخفي مصانعه ومختبراته الخاصة بأسلحة الدمار الشامل تحت ستار منشآت طبية ومراكز بحثية مدنية، فالمواقع التي تظهر في السجلات الرسمية كمختبرات أدوية أو مراكز طوارئ، هي في حقيقتها معامل لتطوير غازات الأعصاب والسموم البيولوجية مجهزة لضرب التجمعات البشرية في حال خروج الشعب عن السيطرة”.
وبحسب معلومات الحزب الليبرالي الأحوازي، فإن مركز الرازي لأبحاث اللقاحات والأمصال في الأحواز يحمل صفة مدنية، لكنه يضم، وفق رواية الحزب، مختبرات تستخدم في إنتاج مواد بيولوجية عبر تعديل فيروسات وبكتيريا وسموم طبيعية. وتقول قيادات في الحزب إن المركز أجرى تعديلات على فيروس الحمى النزفية وبكتيريا الجمرة الخبيثة، وأنتج سموما يمكن استخدامها بطرق مختلفة، بينها إطلاقها في الهواء أو إضافتها إلى الأغذية والمياه.
وتقول مصادر في المعارضة الأحوازية إن مركز الرازي لا يعمل وحده في هذا المجال، مشيرة إلى دور لمركز أبحاث مجموعة الشهيد ميثمي ومعهد باستور في أبحاث مرتبطة بالأسلحة البيولوجية. وتقول هذه المصادر إن مركز الشهيد ميثمي تعرض لضربات جوية إسرائيلية خلال حرب يونيو وحرب الأربعين يوما، فيما تعرض معهد باستور، بحسب المصادر نفسها، لضربات مطلع أبريل أدت إلى تدمير أجزاء منه.
لم تقدم المصادر وثائق مخبرية مستقلة تثبت صحة هذه المعلومات. لكن طبيبا يعمل في أحد مستشفيات الأحواز، عرّفته “الحرة” باسم مستعار هو “حازم”، قال إن مستشفاه يستقبل منذ سنوات مرضى يعانون أعراضا متكررة، بينها الإسهال الشديد، وأمراض جلدية، وضيق في التنفس. وقال إن كثيرا من هؤلاء المرضى يأتون من منطقة حي الزهور، حيث يقع مركز الرازي.
“منذ سنوات نستقبل يوميا العديد من الأشخاص المصابين بالإسهال الشديد وأمراض جلدية وضيق في التنفس. غالبية المرضى هم من منطقة حي الزهور في الأحواز، لكن تحاليلهم لا تشير إلى تعرضهم لمواد كيميائية، وهذا أمر طبيعي، لأن غالبية السموم المصنعة في مختبرات إيران هي سموم طبيعية لا تظهر في التحاليل”، قال الطبيب لـ”الحرة”.
وتضيف هذه الشهادة إلى مخاوف محلية تتكرر قرب منشآت تقول مصادر المعارضة إنها مرتبطة ببرامج سرية.
وتقول مصادر المعارضة إن بعض هذه القدرات لم يبق داخل المختبرات، بل استخدم في قمع احتجاجات داخلية. وفي 26 أبريل، نشر “مركز بيغن والسادات” للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي تقريرا قال فيه إن السلطات الإيرانية استخدمت خلال احتجاجات يناير 2026 مشتقات الفنتانيل المبخرة والميديتوميدين، على الأرجح عبر قنابل يدوية وعبوات مسلحة وقذائف هاون ومركبات مزودة بأنظمة رش وطائرات مسيرة.
وبحسب التقرير، أدت هذه المواد إلى انهيار مفاجئ وفقدان وعي واضطرابات عصبية وتشوش ذهني وشلل عضلي مؤقت، إضافة إلى وفيات متأخرة.
حاولت “الحرة” تقصي هذه المعلومات عبر التواصل مع ناشطين من إيلام وطهران وتبريز وكرمانشاه شاركوا في احتجاجات بدأت نهاية ديسمبر واستمرت حتى فبراير. وقال هؤلاء إنهم شاهدوا أو وثقوا حالات اختناق وشلل مؤقت وإغماء بعد استخدام قنابل غازية خلال تفريق الاحتجاجات.
وقال كوران مهريار، وهو ناشط محلي من محافظة إيلام، إنه أصيب بشلل في أطرافه استمر أكثر من شهرين بعد سقوط قنبلة غازية قربه أثناء احتجاجات يناير”.
“أصبت بشلل في الأطراف استمر لأكثر من شهرين في يناير الماضي بعد سقوط قنبلة غازية بالقرب مني أثناء الاحتجاجات. أصبت بالاختناق أولا، ومن ثم لم أتمكن من الحركة على الرغم من أنني كنت بكامل وعي. فاعتقلتني شرطة الشغب ونقلتني إلى المستشفى وبقيت فيها تحت الرقابة لشهرين، ومن ثم أطلقوا سراحي مقابل مبلغ مالي كبير دفعته عائلتي”، قال مهريار لـ”الحرة”.
وفي طهران، قالت ناشطة إيرانية لـ”الحرة”، مفضلة عدم ذكر اسمها خشية الاعتقال، إن إحدى صديقاتها توفيت بعد نحو شهر من استنشاق غازات ناجمة عن قنابل أطلقت وسط حشد من المحتجين. وقالت إنها لم تكن موجودة في تلك اللحظة مع صديقتها، “وإلا كانت هي الأخرى إما مشلولة أو مقتولة”، على حد تعبيرها.
تتقاطع هذه الشهادات مع روايات ناشطين ومصادر طبية ومعارضة عن استخدام مواد أكثر تأثيرا من الغاز المسيل للدموع التقليدي.
وتنفي إيران عادة الاتهامات الغربية المتعلقة ببرامج أسلحة الدمار الشامل، وتقول إنها ملتزمة بالاتفاقيات الدولية. لكن الولايات المتحدة تقول منذ سنوات إن طهران لم تقدم إفصاحا كاملا عن أنشطتها الكيميائية، وإن بعض البرامج التي تقدمها إيران بوصفها أبحاثا صيدلانية أو طبية قد تكون مرتبطة بتطوير مواد ذات استخدام عسكري.
وتفتح هذه الروايات ملف الأسلحة البيولوجية، وهو أقل حضورا في النقاشات من البرنامجين النووي والصاروخي، وأكثر صعوبة في التحقق.
المصدر:
الحرة