آخر الأخبار

النفط إذ يكتب التاريخ.. الرواية الأخرى لحرب إيران

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

"حفر قناة السويس والانقلاب على مصدق والانفتاح الصيني في عهد شياو بينغ وحرب العراق كلها لحظات من تاريخ الوقود الأحفوري"

في مقدمة كتابه "رأس المال الأحفوري: صعود الطاقة البخارية وجذور الاحتباس الحراري" يقدم الباحث السويدي أندرياس مالم الوقود الأحفوري بوصفه بعدا جديدا من أبعاد تحليل التاريخ الحديث. ووفقا لرؤية مالم فإن "بناء شبكات سكك الحديد، وحفر قناة السويس، واكتشاف النفط في الشرق الأوسط، وظهور الضواحي حول المدن، وانقلاب وكالة المخابرات المركزية على محمد مصدق في إيران، وانفتاح الصين على يد دينغ شياو بينغ، والغزو الأمريكي للعراق"، كلها لحظات من تاريخ الوقود الأحفوري في عالم اليوم.

المفارقة أن هذا التاريخ لم يكن بعيدا عن النار والصراعات، وهو توصيف لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يتعداه إلى الجانب النظري والسياسي. ومثلما قامت الطبقة الممسكة بزمام الاقتصاد في القرن التاسع عشر على طاقة البخار والفحم، تأسست الطبقة الحاكمة اقتصاديا في القرن العشرين على الوقود الأحفوري والنفط. ولم يعد النفط مجرد بضاعة تباع وتشترى، بل أصبح الموجه الفعلي لطموح الإنسان ووصوله لأعماق الكون؛ لينتهي القرن العشرين كعصر متمحور بالكامل حول النفط.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 سباق لا يربحه أحد.. لماذا نفشل في تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي؟
* list 2 of 2 بالمساجد والبيرقدار.. كيف هزمت تركيا خصومها في أفريقيا؟ end of list

في البدء كان النفط

منذ العقد الأول من القرن العشرين، راحت الدول تتنبه لأهمية النفط عالميا. في منطقتنا، بدأت صناعة النفط في الشرق الأوسط باتفاقية الامتياز الأنجلو–فارسية، التي وُقعت بين المستثمر البريطاني ويليام دارسي والشاه القاجاري مظفر الدين شاه عام 1901. ومنحت الاتفاقية المُموِّلين البريطانيين الحق الحصري في التنقيب عن النفط في محافظة خوزستان في إيران، ومهَّدت الطريق لتأسيس شركة النفط الأنجلو-فارسية عام 1909.

كان هذا قبل أن تشرع الدول الأوروبية الأخرى، قبيل الحرب العالمية الأولى، في التحول من الفحم إلى النفط لتسريع نموها الصناعي وتوسُّعها الاستعماري في أفريقيا وآسيا. ويقول آدم هنية، أستاذ الاقتصاد في جامعة إكسيتر البريطانية، إن السباق في التحول الصناعي من الفحم إلى النفط شكل ميزة أتاحت تفوُّق الولايات المتحدة على خصومها منذ أواسط الثلاثينيات، الأمر الذي تُرجم عسكريا خلال الحرب العالمية الثانية.

"التحول الصناعي من الفحم إلى النفط شكل ميزة أتاحت تفوُّق الولايات المتحدة على خصومها منذ أواسط الثلاثينيات، الأمر الذي تُرجم عسكريا في الحرب العالمية الثانية"

كانت تلك الحرب في جانب منها حربا حول النفط. في كتابه "الجائزة: الملحمة الكبرى للبحث عن النفط والمال والسلطة" يرى دانيال ييرغين أن النفط كان المحدد الأساس لخارطة التحالفات والخصومات في تلك الحرب، إذ لم تكن الإستراتيجية البحرية اليابانية، مثلا، تهدف إلى غزو الولايات المتحدة عندما أقدم اليابانيون على ضرب بيرل هاربر، بل كانوا في الحقيقة يقومون بمناورة دفاعية مرتبطة بالنفط. وينقل ييرغين أجواء كل من طوكيو وواشنطن قبيل صيف عام 1940، إذ كانت اليابان متخوفة من انقطاع إمدادات النفط من الولايات المتحدة في الوقت الذي كانت تعتمد طوكيو فيه على واشنطن في نحو 80% من احتياجاتها النفطية.

إعلان

ويذكر ييرغين أن قادة البحرية اليابانية كانوا الأكثر إدراكا لهذه المعضلة؛ فبدون النفط لن تكون اليابان قوة عظمى بل مجرد جزر معزولة. من هنا كانت إستراتيجية الجنرال هيديكي توجو، رئيس الوزراء الياباني حينها، تمكن في السيطرة على إندونيسيا الغنية بالنفط، مقابل إستراتيجية روزفلت-هنري ستيمسون (الأخير كان وزير الحرب الأمريكي آنذاك) القاضية بتقنين صادرات الطاقة لليابان، ومن ثم فرض حظر نفطي شامل عليها في يوليو/تموز 1941، وهو ما شكل حكما بالإعدام على الآلة العسكرية اليابانية، وأفضى إلى بيرل هاربر وانزلاق الطرفين إلى الحرب لاحقا.

مصدر الصورة

في الحقيقة لم تكن الطاقة سببا لاندلاع الحرب فقط، بل وسببا في أفولها. فقد كان فشل هتلر في إسقاط ستالينغراد، والأهم فشله في التقدم شرق جبال إلبروس باتجاه منابع النفط السوفيتية في القوقاز؛ السبب الرئيس لتغيُّر موازين الحرب بين صيف عام 1942 ونهاية ذلك العام. كانت آلة الحرب الألمانية قد توقفت قبل أن تتمكن من بلوغ هدفها بسبب نقص الوقود، وبسبب حاجتها لموارد نفطية هائلة تتجاوز خطوط إمدادها بكثير. وكانت دبابات البانزر الألمانية تتوقف لأيام بانتظار وصول إمدادات البنزين، ما أفقد العمليات الألمانية ميزتي السرعة والمباغتة.

"توقفت آلة الحرب الألمانية قبل أن تتمكن من بلوغ هدفها بسبب نقص الوقود، وبسبب حاجتها لموارد نفطية هائلة تتجاوز خطوط إمدادها بكثير"

أما اليابان، ومع وصولها إلى ربيع عام 1945، فقد بات الوضع فيها أسوأ بسبب نقص إمدادات النفط، الذي حال دون تحليق الطائرات اليابانية لأكثر من ساعتين شهريا (للطائرة الواحدة). ومع فشل الخطط البديلة في سد الحاجة الماسة للوقود (مثل خطة جمع جذور الصنوبر لإنتاج زيت بديل للنفط الخام من أجل استخدامه وقودا للطائرات)، وفشل سياسة رئيس الحكومة سوزوكي كانتارو بمقايضة النفط السوفيتي بموارد من المنطقة الجنوبية، تغيرت الموازين بشكل كبير.

بَدَت الحرب في مشهدها النهائي إذن حربا حول النفط، فمن يحوز النفط يضمن الحرب. وهذا بالتحديد ما قامت عليه أرضية مؤتمر يالطا عام 1945، الذي يُمكن اعتباره قسمة للعالم بين الدول الكبرى التي تحوز النفط أو القادرة على الوصول إليه. ولا نبالغ إذا ما قرأنا يالطا باعتباره نقطة الانعطاف الأبرز في نظام تقسيم العمل الدولي.

مصدر الصورة بحلول ربيع عام 1945 باتت الطائرات اليابانية غير قادرة على التحليق بسبب نقص الوقود (شترستوك)

في كتابه الشهير "ديمقراطية الكربون"، يقدم الباحث البريطاني تيموثي ميتشل تصورا مهما لأثر الكربون في صناعة نظامنا السياسي العالمي الراهن. فبمثل ما شكل الفحم عقيدة القرن التاسع عشر، شكل النفط عقيدة القرن العشرين. ويعود ميتشل إلى مرحلة الحربين العالميتين، ويعرض كيف أن سلسلة من الإضرابات في مناجم الفحم الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة، كانت قد عززت الرغبة في الحصول على احتياطيات نفطية بعيدة.

"بمثل ما شكل الفحم عقيدة القرن التاسع عشر، شكل النفط عقيدة القرن العشرين"

ويقول ميتشل: "كان أحد الأهداف المهمة للتحول من الفحم إلى النفط هو إضعاف عمال مناجم الفحم بشكل دائم، إذ إن قدرتهم على قطع تدفق الطاقة منحت الحركة العمالية المنظمة القدرة على المطالبة بتحسينات في الحياة الجماعية، وهي تحسينات ساهمت في دمقرطة أوروبا". من هنا، تنبهت الرأسمالية الغربية لخطورة هذا الوضع، ما دفع بها لإعادة هندسة صناعة النفط بعيدا عن القوى العمالية، لمنع العمال من العبث أو تعطيل تدفقات النفط.

إعلان

ليس هذا فحسب، بل وحاول الأمريكيون مع البريطانيين والفرنسيين منذ مطلع الثلاثينيات استخراج النفط من صحاري وقفار ما وراء البحار، أملا بأن تكون مصادر الطاقة أكثر استقرارا وأقل كلفة بالنسبة إليهم. وهكذا صارت مصادر الإنتاج أبعد عن الحركات العمالية في الغرب، وصار السؤال حول النفط والطاقة من خارج الخيال السياسي للمجتمعات العمالية الغربية بنحو كبير.

مصدر الصورة في كتابه الشهير "ديمقراطية الكربون" يقدم تيموثي ميتشل تصورا مهما لأثر الكربون في صناعة نظامنا السياسي العالمي الراهن (الجزيرة)

هذه الوضعية بالتحديد هي ما جعل دولا مثل بريطانيا والولايات المتحدة تنفق موازنات مهولة لتعزيز أساطيل ما وراء البحار. فهذه الأساطيل كانت لا تضمن تدفقات النفط فحسب، بل وتحفظ المجتمعات الغربية بمنأى عن أي ثورات أو تصدعات اجتماعية. وهذا بالتحديد ما تنبه له روبرت كابلان قبيل فترة، عندما كتب عن مخاطر تراجع البحرية الأمريكية.

يقول كابلان: "البحرية الأمريكية هي الأداة الإستراتيجية الأساسية لأمريكا، وليس ترسانتها النووية. الأسلحة النووية أشبه ما تكون بمقتنيات استعراضية، فيما البحرية هي (فريق الخارج) القادر على التحرك عالميا. إذ يمكن نقل مجموعة قطع لحاملة طائرات، بما تتضمَّنه من طرادات ومدمرات وفرقاطات وغواصات وآلاف الأفراد، إلى أي مكان في العالم دون الحاجة لنقاش داخلي واسع، وهو ما لا يمكن فعله مع القوات البرية".

"البحرية الأمريكية هي الأداة الإستراتيجية الأساسية لأمريكا، وليس ترسانتها النووية"

هذا الدور الكبير للنفط كان له بالغ الأثر على خارطة الصراع وتوازن الحروب في العالم وفي الشرق الأوسط أيضا، وليس أول هذا الأثر قيام إسرائيل، ولا آخره حروب العراق وحتى الحرب الإيرانية الراهنة.

مصدر الصورة كابلان: البحرية الأمريكية هي الأداة الإستراتيجية الأساسية لأمريكا، وليس ترسانتها النووية (الفرنسية)

إسرائيل ويالطا وما بعدها

يأخذنا الحديث عن نشأة إسرائيل وعلاقتها بالنفط إلى مؤتمر يالطا، وهو مؤتمر جرى في بداية فبراير/شباط 1945، في مدينة يالطا الواقعة على شاطئ البحر الأسود في شبه جزيرة القرم التابعة للاتحاد السوفيتي حينها، وحضره كل من الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. والأكيد أن يالطا كان أكثر من مؤتمر سياسي، إذ بإمكاننا اعتباره اللحظة الأكثر مفصلية في ترسيم خرائط السياسة والاقتصاد في العالم الجديد.

"يالطا كان أكثر من مؤتمر سياسي، إذ بإمكاننا اعتباره اللحظة الأكثر مفصلية في ترسيم خرائط السياسة والاقتصاد الجديدة"

يقدم المؤرخ البريطاني الأمريكي توني جودت في كتابه "ما بعد الحرب: تاريخ أوروبا منذ عام 1945" تحليلا ثقافيا خاصا ليالطا وتأثيره على المسألة اليهودية في أوروبا. ويرى جودت أن نظام يالطا أنهى "أوروبا القديمة" المتعددة الثقافات، وجعل من اليهود "ضحية" للنظام الدولي الجديد. فقد كرَّس المؤتمر "اختفاء" الوجود اليهودي المكثف من وسط وشرق أوروبا. وعلى عكس أوروبا ما قبل الحرب، حيث كان اليهود عنصراً محورياً في النسيج الحضري والثقافي لمدن مثل وارسو وبودابست، جاء مؤتمر يالطا وتمم عمليات تهجير الأقليات الأوروبية، ورسم حدودا إثنية صارمة (خاصة في بولندا وتشيكوسلوفاكيا).

أدى هذا الأمر إلى جعل هذه الدول "متجانسة إثنيا" لأول مرة في تاريخها. ولكن هذا التجانس جاء على حساب اليهود الناجين من الهولوكوست، مما جعل فكرة عودة اليهود إلى أوطانهم في أوروبا مستحيلة عمليا. ببساطة، لقد أُعيد ترتيب القارة الأوروبية في يالطا من خلال "حل المسألة اليهودية" بنقلها إلى خارج حدود أوروبا.

مصدر الصورة روزفلت وتشرشل وستالين مع قادة آخرين حول طاولة مؤتمر يالطا بشبه جزيرة القرم عام 1945 (شترستوك)

في يالطا أيضا تم ترسيم حدود النفوذ السوفيتي في أوروبا، ورسم خرائط السيطرة النفطية. احتفظ السوفييت بالسيطرة على حقول بلويشتي في رومانيا، فيما مُنِح الشرق الأوسط ضمنيا للشركات النفطية المعروفة بالأخوات السبع، التي تضم شركة "بريتيش بتروليوم" البريطانية وأخواتها من الشركات الأمريكية. وبذلك عزز المؤتمر من أهمية الشرق الأوسط كبديل إستراتيجي وحيد وآمن لتزويد أوروبا الغربية بالطاقة اللازمة لإعادة الإعمار.

إعلان

هذه الوضعية هي التي دفعت الملك عبد العزيز آل سعود للقاء الرئيس الأمريكي روزفلت على متن المقاتلة "يو إس إس كوينسي" خلال عودة الأخير من المؤتمر. لم يكن اللقاء ليحدث لولا أن استشعر الملك عبد العزيز أن أمريكا قد ورثت بريطانيا في هيمنتها على العالم، كما لم يكن اللقاء ليحصل لولا يقين روزفلت أن يالطا حسمت شكل "النظام العالمي الجديد". كانت أمريكا بحاجة لتأمين مواردها بعيدا عن التنافس الاستعماري البريطاني القديم، وكانت السعودية تبحث عن أمنها وأمن نفطها لعقود قادمة.

"على كوينسي طُرحت المسألة الصهيونية في المحادثات بين روزفلت والملك عبد العزيز"

على متن كوينسي طُرحت المسألة الصهيونية في المحادثات بين روزفلت والملك عبد العزيز. عرض الملك عبد العزيز موقفا حازما ورافضا للمشروع الصهيوني ومحاولات تهجير اليهود إلى فلسطين، مبينا أن إقامة دولة يهودية على أرض عربية سيؤدي إلى صراع طويل الأمد. ومن جانبه، أكد روزفلت أن الولايات المتحدة لن تُغير سياستها تجاه فلسطين دون التشاور مع العرب.

ولكن بعد شهرين، توفي روزفلت، وسرعان ما أعلن خلفه الرئيس ترومان دعمه لإسرائيل، ورفض إعادة تأكيد بيان سلفه بشأن الحياد والصداقة. وعندما زار واشنطن الأمير فيصل (الذي أصبح ملكا فيما بعد) في ديسمبر/كانون الأول 1946 للقاء ترومان وتوضيح مخاوف والده من الصهيونية، يُقال إن أمريكا اجترحت سياستين خارجيتين متناقضتين؛ الأولى تقوم على دعم إسرائيل مطلقا، والثانية تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاقتصادية العربية وتشابكها مع المصالح الأمريكية في مجال النفط.

بيد أن العلاقة بين النفط وإسرائيل كانت علاقة عضوية. بإمكاننا التنبه لهذه الحقيقة من خلال تسامح الشركات الكبرى مع إمداد السوفييت لإسرائيل بالنفط بين عامي 1954-1956. فالخرق الوحيد الذي هدَّد به الاتحاد السوفيتي نظام يالطا كان في توقيعه اتفاقية مقايضة لإمداد إسرائيل بالنفط مقابل الحمضيات في 5 مارس/آذار 1954 (وحصلت إسرائيل بموجبه على 100 ألف طن من النفط الخام سنويا). ورغم أن هذه الاتفاقية كانت تعني دخول السوفيت على أسواق السبع الكبار إلا أن أيا منها لم يعترض على ذلك.

الملك عبد العزيز آل سعود (يسار) يلتقي الرئيس الأمريكي روزفلت على متن "يو إس إس كوينسي" خلال عودة الأخير من مؤتمر يالطا (شترستوك)

حرب الخروج عن النص

بنهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن حال أوروبا مبشرا. فقد عانت فرنسا عسكريا بشكل غير مسبوق، كما عانت سياسيا من تبعات تراجع قوتها داخل القارة المُدمَّرة. وفي تجل لهذا التراجع، جاءت دعوة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت لنظيره الفرنسي شارل ديغول للقاء سريع على متن سفينة يو إس إس كول في الجزائر، خلال رحلة روزفلت إلى يالطا، ولكن ديغول رفض دعوة روزفلت. أما ألمانيا المنبوذة عالميا آنذاك، فقد رحبت بأي نوع من الاعتراف الدولي بوجودها في ظل شبح الستالينية الذي خيَّم على الجزء الشرقي من برلين.

لم يكن لدى غالبية الفرنسيين أي مشكلة حقيقية في التعايش مع عدوهم اللدود (ألمانيا) نتيجة حاجة الصناعات الفرنسية للفحم الألماني. وهكذا، أدت المفاوضات بين المستشار الألماني كونراد أديناور ووزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان ومعهما رئيس الوزراء الإيطالي ألتشيدي دي غاسبيري، إلى إنشاء اتحاد الفحم والصلب عام 1951، والذي انضمت إليه بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ لتشكيل المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC).

وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان (يمين) يصافح المستشار الألماني كونراد أديناور، بحضور السياسي اللوكسمبورغي جوزيب بيش خلال الاجتماع الأول للمجلس الوزاري للجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1952 (غيتي)

اكتسب هذا الاتحاد الاقتصادي طابعا سياسيا جزئيا، لكن التكامل الأوروبي كان عملية بطيئة ومُحبطة في حينه. بالنسبة للفرنسيين، كان شرط تحول أوروبا الغربية إلى قوة سياسية وعسكرية مرهونا بضمان إمدادات النفط من الشرق الأوسط. ومن هنا كانت خطوة الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس تعني ضمنا قتل أمل أوروبا الأخير في أن تكون قوة مهيمنة على الساحة العالمية، فكان التصدي السريع لتأميم القناة ضرورة بريطانية فرنسية، وكانت حرب عام 1956.

"بإمكاننا النظر إلى العدوان الثلاثي على أنه المحاولة الأوروبية الأخيرة للانقلاب على نتائج يالطا"

بإمكاننا النظر إلى العدوان الثلاثي كما سُمي على أنه المحاولة الأوروبية الأخيرة للانقلاب على مفاعيل يالطا، التي انتهت سياسيا بفشل ذريع، بعد تهديد أمريكا والاتحاد السوفيتي لفرنسا وبريطانيا والضغط عليهما لإيقاف الحرب. لكن هذه اللحظة كشفت مسألتين: الأولى بداية ظهور إسرائيل كلاعب في أمن الطاقة وممراتها في منطقتنا، والثانية ظهورها كمعيق للتنمية في المنطقة العربية.

إعلان

على مفترق طرق

في كتابه "الليبرالية الجديدة: موجز تاريخي"، يقدم الباحث البريطاني ديفيد هارفي مقاربة مختلفة بعض الشيء عن التيار الماركسي التقليدي. يرى هارفي أن الرأسمالية في كل مرة تواجه فيها أزمة "فائض في الإنتاج" أو "تناقص في الأرباح" داخل حدودها، فإنها تلجأ مباشرة إلى استخدام العنف لضمان "التراكم الأولي" (النهب، السيطرة على الأراضي، الخصخصة القسرية). هذا منظور يمكن أن يقدم لنا تصورا أوضح للدور الإسرائيلي منذ عام 1956، وصولا إلى حرب إيران عام 2026.

لقد أسهمت إسرائيل في إعاقة التنمية الطبيعية لدول المنطقة من خلال حروبها المتكررة على فلسطين ومصر وسوريا والأردن والعراق. فقد استجرت تلك الحروب إهدارا مهولا للقدرات المالية والسكانية، وأدت إلى إفشال عمليات التنمية المستدامة، فضلا عن آثارها الاجتماعية والسياسية الواسعة. وهكذا، وجدت كل دول المنطقة غير النفطية تقريبا نفسها عُرضة لضغوطات التنمية المتعثرة، بعد تآزر الغرب وإسرائيل في عملية هيمنة متكاملة.

لقد شكَّل سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 نهاية لنظام يالطا عام 1945، واكتسحت الولايات المتحدة العالم من بعدها، وكانت السيطرة على النفط العنوان الأهم للزمان الأمريكي، وقد استفادت إسرائيل من هذا الصعود الأمريكي بتنمية قدراتها العسكرية بنحو كبير مقارنة بخصومها. لقد لعبت الديناميات النفطية لصالح أمريكا وإسرائيل لمعظم الوقت باستثناءات قليلة أهمها خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين استخدمت الدول العربية النفط سلاحا ضد الولايات المتحدة لوقف دعمها لإسرائيل.

"لأول مرة منذ فترة طويلة يتحول النفط إلى ورقة ضغط ضد أمريكا وإسرائيل"

اليوم تتكرر الدينامية نفسها بصورة أوضح ، ويتحول النفط إلى ورقة ضغط ضد أمريكا وإسرائيل، وكأن العالم يقف بين أولويتين: أولوية أسواق الطاقة أو أولوية إسرائيل. تطرح هذه المفارقة العديد من الأسئلة الصعبة: ماذا لو تعارض دعم إسرائيل مع استقرار أسواق الطاقة? وماذا لو بات عالم اليوم ينظر إلى إسرائيل كثقل ينبغي التخفف منه؟ إنها أسئلة لا شك ستمتد أكثر لتطال يهود العالم أنفسهم، الذين بدأ بعضهم ينظر إلى إسرائيل كدولة قومية بعين ناقدة.

بينما يقف العالم اليوم أمام سؤال الطاقة مجددا، يستصحب ذلك السؤال معه النقاش الحرج حول إرث الصهيونية. وباختصار، يُمكن القول إننا أمام تحول في العلاقة بين إسرائيل (ومن خلفها الولايات المتحدة) كقوة سياسية والنفط كقوة اقتصادية. وبغض النظر عن المآلات المباشرة للحرب الحالية، لا شك أننا نقف عند مفترق طرق تاريخي لا يمكن غض الطرف عنه.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا