دفعت أزمة مضيق هرمز الصين إلى إعادة النظر في واحدة من أكثر معادلاتها النفطية حساسية: الاعتماد الواسع على الخام الإيراني الرخيص، مقابل الحاجة إلى إمدادات أكثر أمنا واستقرارا، ولو كانت أعلى كلفة.
فمع اضطراب الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم منذ اندلاع المواجهة بين أميركا وإسرائيل، وإيران في أواخر فبراير، لم تعد المسألة بالنسبة إلى بكين مرتبطة فقط بسعر البرميل، بل بأمن الإمدادات، وقدرة الاقتصاد الصيني على تجنب صدمات مفاجئة في سوق الطاقة. ومن هنا برزت البراميل الأميركية، سواء من النفط الصخري أو من ألاسكا، كخيار بديل لا يخلو من حسابات سياسية.
لسنوات، شكل النفط الإيراني جزءا مهما من معادلة الطاقة الصينية. فقد استفادت بكين من الخصومات التي قدمتها طهران تحت ضغط العقوبات الغربية، والتي وصلت، وفق تقديرات خبراء في سوق الطاقة، إلى ما بين 8 و10 دولارات للبرميل.
ويقول أمير إمام، رئيس تحرير مجموعة أواسيس الإعلامية، لموقع “الحرة”، إن إيران كانت تضخ إلى الصين نحو 1.4 مليون برميل يوميا حتى عام 2025، أي ما يقارب 13 في المئة من إجمالي واردات الصين النفطية. كما استوعبت السوق الصينية، بحسب تقديراته، نحو 87 في المئة من صادرات النفط الإيراني، بما جعل بكين الشريان الأهم للاقتصاد الإيراني.
لكن أزمة هرمز غيّرت الحسابات. فالتدفق الذي كان يبدو مربحا ورخيصا تحول، في لحظة توتر إقليمي، إلى مصدر قلق استراتيجي. وكلما زادت احتمالات تعطّل الملاحة أو ارتفاع كلفة التأمين والشحن، أصبح النفط الإيراني أقل جاذبية، حتى لو بقي أرخص من منافسيه.
في هذا السياق، جاءت المؤشرات الأولى على عودة الطاقة إلى قلب العلاقة بين واشنطن وبكين. فبعد قمة الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في 14 من الشهر الجاري، أبحرت أربع ناقلات غاز أميركية باتجاه الصين، في خطوة قرأها مراقبون باعتبارها أكثر من مجرد صفقة تجارية.
ويقول كامران بخاري، مدير في معهد نيولاينز، إن الجغرافيا السياسية دفعت الصين إلى الخروج من الحسابات التجارية الضيقة، والدخول في حوار جيو-اقتصادي أوسع مع إدارة ترامب. فشراء الطاقة الأميركية يمنح بكين، برأيه، هامشا تفاوضيا في ملفات أكبر، من الرسوم الجمركية إلى التكنولوجيا والقيود الاستثمارية.
ولا يعني ذلك أن النفط الأميركي هو الخيار الأرخص للصين. لكنه يوفر لها ثلاث مزايا لا يوفرها الخام الإيراني في لحظة الأزمة: تنويع الإمدادات بعيدا عن مضيق هرمز، تحسين موقعها التفاوضي مع واشنطن، وتوجيه رسالة إلى طهران بأن أكبر زبائنها قادر على البحث عن بدائل دائمة إذا أصبحت الإمدادات الإيرانية عبئا أمنيا.
بالنسبة إلى واشنطن، يبدو التحول الصيني مكسبا مزدوجا. فمن جهة، يفتح بابا أوسع أمام صادرات الطاقة الأميركية إلى أكبر مستورد للنفط في العالم. ومن جهة أخرى، يزيد الضغط الاقتصادي على إيران عبر تقليص قدرتها على الاعتماد شبه الحصري على السوق الصينية.
ويشير جيمس روبنز، خبير الأمن القومي في مجلس السياسة الخارجية الأميركية، إلى وجود تقاطع مصالح غير معلن بين واشنطن وبكين في نقطة محددة: إبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام التجارة العالمية، ومنع أي طرف إقليمي من استخدامه كورقة ابتزاز دائمة.
لكن تداعيات التحول لا تقف عند إيران. فدول الخليج تراقب المشهد بقلق واضح، إذ تستورد الصين نسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية من المنطقة. وإذا بدأ الطلب الصيني يتحول تدريجيا نحو النفط الأميركي أو مصادر أخرى بعيدة عن هرمز، فإن ذلك قد يعيد توزيع الحصص داخل سوق الطاقة الآسيوية.
ومع ارتفاع أسعار خام برنت فوق 107 دولارات للبرميل، وجدت الدول الخليجية نفسها أمام مفارقة صعبة: الأسعار المرتفعة تعني عائدات أكبر، لكنها تأتي في سياق اضطراب يهدد قدرة تلك الدول على تصدير النفط بسلاسة عبر المضيق.
وتختلف قدرة دول الخليج على امتصاص الصدمة. فالسعودية والإمارات تمتلكان خيارات بديلة نسبيا، مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودي نحو البحر الأحمر، وخط أنابيب الفجيرة الإماراتي الذي يتيح تجاوز مضيق هرمز جزئيا. أما الكويت وقطر، فتواجهان قيودا لوجستية أكبر، في حين يبقى العراق أكثر هشاشة بسبب محدودية منافذه البديلة وتعقّد موقعه الجغرافي والسياسي قرب إيران.
ويقول إمام إن القلق الخليجي لا يتعلق فقط بأزمة عابرة في المضيق، بل باحتمال أن تترك الأزمة أثرا دائما على شكل تجارة النفط العالمية. فالسؤال المطروح في العواصم الخليجية هو ما إذا كانت الصين ستعود إلى أنماط الشراء القديمة بعد انتهاء الأزمة، أم أنها ستستخدم اللحظة الحالية لإعادة بناء خريطتها النفطية على أسس مختلفة.
في المحصلة، لا تبدو الصين كأنها تشتري النفط الأميركي لمجرد سد نقص طارئ في الإمدادات. إنها تستخدم الطاقة كأداة توازن بين ثلاث دوائر متداخلة: تقليل المخاطر القادمة من هرمز، الحفاظ على علاقتها المعقدة مع إيران، وفتح قناة اقتصادية حساسة مع واشنطن.
ولهذا، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الناقلات الأميركية المتجهة إلى الصين، بل بما إذا كانت هذه الناقلات تمثل حلا مؤقتا لأزمة مضيق هرمز، أم بداية تحوّل أعمق في سياسة بكين النفطية، من الاعتماد على الخام الإيراني الرخيص إلى البحث عن أمن الطاقة مهما ارتفعت الكلفة.
المصدر:
الحرة