آخر الأخبار

تهديدات حزب الله تعيد شبح 7 مايو إلى الشارع اللبناني | الحرة

شارك

في بيروت، لا تزال آثار الحرب مع إسرائيل ظاهرة في بعض الشوارع. مبان متصدعة، محال مغلقة، وورش ترميم تتحرك ببطء في أحياء تحاول استعادة حياتها اليومية.

لكن الخوف الذي عاد إلى لبنان في الأيام القليلة الماضية لا يتعلق بالحدود وحدها. فقد أعاد خطاب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، إلى الواجهة احتمالا يحاول اللبنانيون تجنبه اللبنانيون منذ سنوات: أن ينتقل الخلاف حول سلاح الحزب من السياسة إلى الشارع.

قال قاسم إن “من حق الشعب أن ينزل إلى الشوارع وأن يسقط الحكومة وأن يقاوم هذا المشروع الإسرائيلي الأميركي بكل ما أوتي من قوة”. وفي بلد لا تزال ذاكرته موشومة بأحداث 7 مايو 2008، عندما استخدم حزب الله سلاحه في الداخل وسيطر على أجزاء من بيروت، لم ينظر اللبنانيون إلى خطاب قاسم كتصعيد كلامي فحسب.

وجاء الرد الأميركي سريعا. إذ دان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، دعوة الحزب إلى إسقاط الحكومة اللبنانية، وقال إن حزب الله “يسعى إلى جر لبنان مجددا نحو الفوضى والدمار”، مؤكدا أن واشنطن “لن تسمح بالإطاحة بالحكومة اللبنانية”.

ليست المسألة الآن ما إذا كان الحزب قادرا على إرباك الداخل. فهو لا يزال يملك ترسانة وبنية أمنية لا يملكها أي طرف لبناني آخر. المسألة هي ما إذا كان مستعدا لاستخدام هذا الضغط في الداخل، في لحظة خرج فيها بالكاد من حرب مكلفة مع إسرائيل، وتواجه فيها مناطق انتشاره خسائر كبيرة، بينما تتزايد الضغوط اللبنانية والخارجية لفتح ملف سلاحه.

ذاكرة 7 مايو

بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، يستحضر الحديث عن النزول إلى الشارع أحداث 7 مايو 2008، حين استخدم حزب الله سلاحه في الداخل بعد قرار حكومي استهدف شبكة اتصالاته الخاصة.

منذ ذلك اليوم، تحولت تلك الأحداث إلى مرجع دائم في أي نقاش عن سلاح الحزب. فهي اللحظة التي خرج فيها السلاح من تعريف “المقاومة” إلى وظيفة داخلية: حسم نزاع سياسي بالقوة.

تأتي الأزمة الحالية في ظرف مختلف. فمنذ أكتوبر 2023، خاض حزب الله مواجهة طويلة مع إسرائيل، خسر خلالها مقاتلين وقادة، وتعرضت مناطق واسعة في جنوب لبنان، حاضنته، للنزوح والدمار وتعطل الاقتصاد.

وفي الوقت نفسه، يواجه الحزب ضغوطا متزايدة مرتبطة بسلاحه، وسط مفاوضات لبنانية إسرائيلية، وعقوبات أميركية طالت شخصيات لبنانية مرتبطة ببنيته السياسية والأمنية.

يقول مصدر حكومي لـ”الحرة” إن الحزب اختار رفع نبرة التصعيد في الشارع، لكنه لا يزال ينتظر نتائج مسارين: المفاوضات الإيرانية الأميركية، والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. ويضيف أن الحزب “ما زال ينظر إلى سلاحه باعتباره ورقة قوة إيرانية في المنطقة”، وأن قيادته تدرك أن الضغوط المقبلة قد تدفع باتجاه تحويله إلى حزب سياسي تقليدي.

قوة باقية بعد الاستنزاف

رغم الخسائر، يبقى حزب الله أكبر قوة مسلحة خارج الدولة في لبنان. ووفق تقديرات معهد ألما الإسرائيلي، ضمت ترسانته عشية هجومه على إسرائيل في الثاني من مارس نحو 25 ألف صاروخ، معظمها قصيرة ومتوسطة المدى، إلى جانب مئات الصواريخ المتطورة، بينها صواريخ دقيقة التوجيه وصواريخ كروز ومنظومات دفاع جوي.

ويمتلك الحزب نحو ألف طائرة مسيّرة انتحارية، فيما تبقى قدراته الكاملة في هذا المجال غير معروفة. وعلى المستوى البشري، تُقدّر قوته بما بين 40 و50 ألف مقاتل نظامي، إضافة إلى عشرات آلاف العناصر الاحتياطية.

ولم يتسن لـ”الحرة” التأكد من صحة هذه الأرقام من مصدر مستقل.

لكن العميد المتقاعد ناجي ملاعب يقول إن الخطر في أي مواجهة داخلية لا يأتي بالضرورة من الصواريخ أو القدرات الثقيلة، بل من “الأسلحة الخفيفة والمتوسطة” التي يمكن استخدامها داخل المدن والبلدات.

تهديد أم ورقة ضغط؟

لا يقدم المتابعون لـ”حزب الله” قراءة واحدة لخطابه. بعضهم يراه تهديدا جديا إذا انتقل ملف السلاح إلى مرحلة القرار. آخرون يعدّونه جزءا من ضغط سياسي ونفسي هدفه رفع كلفة أي محاولة لبنانية أو دولية لدفع الحزب إلى التراجع.

يقول الكاتب والمحلل السياسي، هادي مراد، لـ”الحرة” إن “حزبا نفذ أحداث 7 مايو وخاض حروبا خارج الحدود لا يمكن التعامل مع تهديداته باعتبارها مجرد خطاب”.

ويضيف مراد أن الحزب كان قريبا من تصعيد داخلي في 8 أبريل 2026، قبل أن يؤدي تدخل عربي مباشر إلى إيصال رسالة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري بضرورة كبح الموقف.

في المقابل، ترى الكاتبة والمحللة السياسية، سوسن مهنا، أن ما يجري حتى الآن أقرب إلى “حرب نفسية واسعة” منه إلى قرار فعلي بحرب داخلية. وتقول إن الحزب يعرف أن أي مواجهة داخلية اليوم لن تشبه 7 مايو، لا في الظروف السياسية ولا الشعبية ولا الإقليمية.

لكنها تحذر من التعامل مع التهديد بخفة. فالحزب، كما تقول، لا يزال يملك بنية عسكرية وأمنية كبيرة، وقادر على فرض سيطرة موضعية أو إحداث فوضى واسعة. وتضيف: “امتلاك القدرة شيء، والقدرة على تحمل نتائج استخدامها شيء آخر تماما”.

ويرى النائب السابق فارس سعيد أن الحزب يحاول شد العصب داخل محيطه واستعادة ورقة التفاوض من يد الدولة اللبنانية وإعادتها إلى طهران. لكنه يعتبر أن تكرار سيناريو 7 مايو بات صعبا، لأن الظروف الداخلية والإقليمية تغيرت بالكامل.

ويميز ملاعب بين “حرب أهلية” و”حرب داخلية”. فالأولى، كما يقول، تتطلب أطرافا لبنانية متعددة تملك السلاح والجهوزية لخوض مواجهة واسعة، وهذا غير متوافر اليوم. أما الثانية فقد تقع، برأيه، إذا قررت الدولة تنفيذ حصر السلاح بالقوة، لتصبح المواجهة بين حزب الله والدولة، وتحديدا الجيش اللبناني.

مأزق الدولة

لا تبدو الدولة اللبنانية راغبة في صدام مباشر مع حزب الله. ويرى ملاعب أنها لا تزال تتجنب خيار نزع سلاح الحزب بالقوة، فيما يحاول رئيس الجمهورية إبقاء باب التفاهم مفتوحاً للوصول إلى “لبننة” قرار الحزب وربطه بالدولة بدل طهران.

لكن هذا المسار لا يحل المعضلة. فبقاء السلاح خارج الدولة، كما تقول مهنا، يعني بقاء لبنان معرضا لكل اشتباك إقليمي، واستمرار تآكل مؤسساته. في المقابل، تحمل محاولة نزعه بالقوة خطر انفجار أوسع وفوضى وربما تقسيم أمني ومناطقي.

ويرى مراد أن الحزب يحاول تثبيت معادلة تقول إن أي محاولة لنزع سلاحه ستفجر البلد. الخطر، برأيه، أن تتعامل الدولة مع هذه المعادلة كأمر واقع دائم.

حتى الآن، لا يبدو لبنان على حافة حرب أهلية. لا توجد قوى داخلية مسلحة جاهزة لمواجهة واسعة مع حزب الله، ولا تبدو الدولة مستعدة لدفع الجيش إلى صدام مباشر. لكن خطاب الحزب أعاد ملف السلاح إلى مكانه الأكثر حساسية: بوصفه اختبارا لقدرة الدولة على فرض قرارها من دون تفجير الداخل.

يحاول الطرفان، في العلن على الأقل، تجنب لحظة الصدام. لكن لبنان يدخل هذا النقاش وهو أضعف مما كان عليه في محطات سابقة: دولة محدودة القدرة، حزب مستنزف لكنه مسلح، ومجتمع لم يعد يملك كثيرا من الطاقة لحرب أخرى.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا