آخر الأخبار

شكوك حول “مرسوم الشرع” بعد إزالة لافتات بالكردية من دوائر رسمية | الحرة

شارك

بعد عقود من إنكار اللغة والهوية، حصل الكرد في سوريا الجديدة على اعتراف رئاسي بحقوقهم الثقافية. لكن الاعتراف، بالنسبة لكثيرين، ما زال ناقصا ما لم يتحول إلى نص دستوري.

ففي يناير الماضي، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 13 ، معترفا بالكرد جزءا أصيلا من الشعب السوري، وبثقافتهم ولغتهم جزءا من الهوية الوطنية. كما تعهد المرسوم بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق الكرد في إحياء تراثهم وتطوير لغتهم الأم وتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكلون فيها حضوراً سكانياً ملحوظا.

لكن القلق الكردي لم يبقَ في حدود النقاش الدستوري. فمنذ مطلع مايو، شهدت مناطق كردية في شمال شرق سوريا احتجاجات واعتصامات وإضرابات، بعد إزالة لافتات رسمية مكتوبة بالعربية والكردية من عدد من الدوائر، واستبدالها بلافتات بالعربية والإنكليزية.

بالنسبة إلى سكان محليين وناشطين بدت قضية اللافتات اختبارا مبكرا لمدى جدية دمشق في تنفيذ المرسوم الرئاسي، ومؤشرا إلى أن الاعتراف باللغة الكردية قد يبقى قابلا للتراجع ما لم يُثبت في الدستور الدائم المقرر بعد انتهاء المرحلة الانتقالية عام 2030.

ويطالب المحتجون بالاعتراف الرسمي باللغة الكردية، واعتمادها في الدستور، وضمان الحق في التعلم باللغة الأم. ويقولون إن الحكومة السورية الجديدة لم تتخذ بعد خطوات فعلية كافية لتحويل وعود المرسوم إلى سياسة واضحة في المؤسسات والمدارس والإدارة المحلية.

ولا يدور الخلاف حول اللغة وحدها. فالمطالب الكردية، كما يتابعها ناشطون وسياسيون في شمال شرق سوريا، تشمل الاعتراف الدستوري بالكرد كقومية في البلاد، واعتماد صيغة لامركزية للحكم، وفتح المجال أمام إدارة محلية أوسع في مناطقهم، إلى جانب مشاركة سياسية وثقافية فاعلة على مستوى سوريا كلها.

ويقول الباحث السياسي زانا عمر، المقرب من “قسد”، إن المرسوم يمثل مدخلا مهما للاعتراف بالحقوق الثقافية للكرد، لكنه لا يكفي لضمانها. ويرى أن المشكلة تكمن في غياب مؤشرات واضحة على استعداد السلطة لفتح حوار وطني واسع أو صياغة دستور يستجيب لتطلعات المكونات السورية المختلفة.

وتزداد حساسية الملف لأن النقاش حول الحقوق الكردية يتقاطع مع مفاوضات أوسع بين دمشق و”قسد”، بعد الاتفاق الموقع بين الجانبين في يناير الماضي. فالجانبان ينهمكان في تنفيذ بنود إدارية وعسكرية تتعلق بعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق الإدارة الذاتية، ودمج المؤسسات المدنية، واستعادة دمشق السيطرة على النفط والغاز والمعابر، ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش والأجهزة الأمنية الجديدة.

وبينما ترى دمشق أن المرحلة الحالية تحتاج إلى بناء ثقة تدريجي، يخشى كثير من الكرد أن يؤدي التركيز على الترتيبات العسكرية والإدارية إلى تأجيل السؤال الأهم: موقعهم في الدستور المقبل، وحدود الاعتراف بلغتهم وثقافتهم وحقهم في إدارة شؤونهم المحلية.

ويرى عمر أن شكل الدولة المقبلة سيكون حاسماً في تحديد معنى الحقوق الكردية وحدودها. فالدولة المركزية، برأيه، قد تجعل الاعتراف الثقافي بلا أثر سياسي فعلي، خصوصاً إذا لم تقترن الوعود بإطار دستوري يضمن اللامركزية والإدارة المحلية.

ويقول عمر لـ”الحرة” إن السلطة الحالية تتجه، بدعم تركي، نحو نموذج مركزي قد يؤدي عملياً إلى تقييد أي حقوق سياسية للكرد وتقويض أشكال الإدارة المحلية التي نشأت في شمال شرق سوريا خلال سنوات الحرب.

ويستبعد عمر أن تقر السلطة السورية الجديدة بحقوق سياسية واسعة للكرد في المرحلة المقبلة، متوقعاً أن يقتصر الاعتراف الرسمي على بعض الحقوق الثقافية واللغوية. ويرى أن حل القضية الكردية في سوريا لا يرتبط بدمشق وحدها، بل يتأثر أيضاً بمواقف إقليمية ودولية، خصوصاً تركيا والقوى المنخرطة في الملف السوري.

في المقابل، يقول المحامي مصطفى شيخ مسلم إن الحكومة السورية كانت سخية إلى حد ما في وعودها المتعلقة بالحقوق الكردية، لكن هذه الوعود بدأت تتراجع، أو تبدو أقل وضوحا، مع بدء تنفيذ بنود الاتفاق الأخير بين دمشق و”قسد”.

ويعتبر شيخ مسلم أن التوترات الحالية في المناطق الكردية تحمل رسالة واضحة للحكومة الجديدة، مفادها أن العودة إلى سياسات حزب البعث في التعامل مع الكرد لم تعد ممكنة. ويقول لـ”الحرة” إن القضية الكردية في سوريا تمتد لعقود، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفا إداريا أو أمنيا عابرا.

تستند هذه المخاوف إلى تاريخ طويل من التهميش. فبعد استقلال سوريا عام 1946، تمتع الكرد بهامش ثقافي وسياسي محدود نسبياً، وشارك بعضهم في الحياة السياسية، وكانت لهم صحف ومجلات باللغة الكردية، لكن هذا الهامش لم يتحول إلى اعتراف دستوري واضح.

بدأ التراجع مع الوحدة بين سوريا ومصر بين عامي 1958 و1961، حين أغلقت السلطات جمعيات ومؤسسات إعلامية كردية. ثم جاءت ضربة أشد في عام 1962، بعد الانفصال عن مصر، عندما أجرت السلطات السورية إحصاء استثنائيا في محافظة الحسكة أدى إلى إسقاط الجنسية عن أكثر من 150 ألف كردي واعتبارهم “أجانب”.

ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، دخلت الحقوق الكردية مرحلة أشد قسوة. مُنعت اللغة الكردية من التداول العام، وحُظرت المطبوعات والكتب الكردية، ووصل التضييق إلى الأغاني والأنشطة الثقافية.

تغير المشهد بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين تمكنت القوى الكردية من إدارة مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد، وأسست الإدارة الذاتية، واعتمدت اللغة الكردية في التعليم والإدارة. لكن سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024 وتشكيل السلطة الجديدة أعادا طرح السؤال من زاوية مختلفة: كيف ستتعامل دمشق الجديدة مع إدارة ذاتية نشأت خارج سيطرتها، ومع مطالب كردية لم تعد تقتصر على الثقافة واللغة؟

ورغم توقيع عدة تفاهمات بين دمشق و”قسد”، ظل التوتر العسكري والسياسي حاضراً في مناطق من شمال وشرق سوريا، إلى أن توصل الجانبان في يناير الماضي إلى اتفاق جديد بدعم دولي. وينص الاتفاق على عودة مؤسسات الدولة السورية إلى مناطق الإدارة الذاتية، ودمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ومناطق أخرى ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على خصوصية الإدارة المحلية وضمان بقاء الموظفين المدنيين.

كما يشمل الاتفاق استعادة دمشق السيطرة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية، والبدء بدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش والأجهزة الأمنية الجديدة.

غير أن هذه البنود، بالنسبة إلى كثير من الكرد، تعالج الإدارة والأمن أكثر مما تعالج الضمانات السياسية. فدمج المؤسسات والقوات يمكن أن يمضي بقرارات تنفيذية، أما تثبيت اللغة والهوية وشكل الحكم المحلي فيحتاج، في نظرهم، إلى دستور لا إلى مراسيم قابلة للتعديل.

لكن الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع في مارس الماضي، أعاد القلق إلى الواجهة. فقد خلا من نص يعترف بالكرد كقومية ثانية أو يمنح مناطقهم وضعا إداريا خاصا، واعتمد صيغة المواطنة المتساوية والحقوق العامة لجميع السوريين من دون تخصيص عرقي.

على الجانب الآخر، يرى باحثون مقربون من دمشق أن سوريا الجديدة تتيح فرصة لمعالجة إرث طويل من سياسات الإقصاء، من دون تحويل الدستور إلى سجل مطالب خاص بكل مكون.

ويقول وائل علوان، الباحث في المركز السوري للدراسات بدمشق، إن الفهم الجديد للمواطنة وحقوق جميع السوريين يمكن أن يخلق فرصة للتعايش والتنمية والتعافي بعد سنوات الحرب، وبعد عقود من ممارسات النظام السابق التي فككت المجتمع السوري وزادت تناقضاته.

ويضيف علوان لـ”الحرة” أن الاعتراف بالجغرافيا السورية بكل مكوناتها، وبالحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين، بما فيهم الكرد، هو جزء من بناء سوريا الجديدة. ويرى أن احترام اللغة الكردية في المناطق التي ينتشر فيها الكرد، واحترام الثقافات المختلفة في البيئات السورية، يمكن أن يحولا التنوع إلى مصدر غنى لا إلى سبب نزاع.

رفضت الإدارة الذاتية الإعلان الدستوري بعد صدوره، وقالت إنه يتضمن بنودا مركزية تشبه حقبة الحكم السابقة، ودعت إلى صياغة دستور حقيقي تشارك فيه جميع المكونات السورية.

ويقول أحمد جاسم الحسين، رئيس اتحاد الكتاب في سوريا والمقرب من الحكومة، إن الحكومة تمضي في تطبيق المرسوم الرئاسي المتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد، وإن هناك مفاوضات بين ممثلي “قسد” والحكومة حول آليات تطبيقه.

لكنه لا يرى ضرورة لتثبيت حقوق الكرد بنص خاص في الدستور. ويقول لـ”الحرة”: “لا أتصور أن يكون هناك نص يثبت حقوق الكرد في الدستور، فهناك أيضاً أقليات أخرى في سوريا، أو لنقل أطراف أخرى، ستطلب مثل هذا المطلب أيضاً، وقد يؤدي ذلك إلى مشاكل معينة”.

ويضيف الحسين أن المرحلة الحالية انتقالية وتركز على بناء الثقة، وأن الأمور لا تتحقق دفعة واحدة في مثل هذه المراحل. ويقول إن الحكومة السورية لا تمانع تدريس اللغة الكردية في المناطق التي يوجد فيها الكرد، لكنها تفضل التعامل مع الملف ضمن إطار حقوق ثقافية عامة، لا عبر نصوص دستورية خاصة بمكون واحد.

هنا تكمن الفجوة بين الطرفين. فدمشق تتحدث عن مساواة عامة وحقوق ثقافية لجميع السوريين، بينما يخشى الكرد أن تتحول العمومية نفسها إلى وسيلة لتجنب الاعتراف بهم كجماعة لها تجربة خاصة مع الدولة السورية.

ولذلك، لا تبدو معركة اللغة الكردية معركة على المناهج أو اللافتات فقط. إنها اختبار مبكر لما إذا كانت سوريا الجديدة ستبني دستورا يعترف بتعدد البلاد كما هو، أم ستكتفي بوعود يمكن أن تتغير مع تغير السلطة والظروف السياسية.

بالنسبة إلى كثير من الكرد، جاء المرسوم الرئاسي متأخرا لكنه مهم. أما الدستور، فسيحدد ما إذا كان ذلك الاعتراف بداية لتغيير حقيقي أم مجرد وعد يمكن التراجع عنه.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا