آخر الأخبار

بلغ السيل الزبى.. كيف تحولت عبارة قيس سعيد لرسالة احتجاج ضده؟

شارك

في مشهد يعكس تصاعد الاحتقان السياسي والاجتماعي في تونس، تحولت عبارة "بلغ السيل الزبى"، التي استخدمها الرئيس التونسي قيس سعيد خلال انتقاده أداء مؤسسات الدولة، إلى عنوان لحالة غضب مضاد اتخذت أشكالا متعددة، بدأت بأغنية راب احتجاجية، وانتهت فيما وصف بـ"اختراق سيبراني" استهدف تطبيق شركة "اتصالات تونس" الرسمية عبر رسالة سياسية وصلت إلى هواتف المستخدمين.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه تونس ضغوطا اقتصادية ومعيشية متفاقمة، انعكست بوضوح على تفاصيل الحياة اليومية للتونسيين.

مصدر الصورة قيس سعيد في زيارة غير معلنة لولاية نابل أطلق فيها عبارة بلغ السيل الزبى (صفحة الرئاسة – فيسبوك)

فمع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع التضخم، بات متوسط الرواتب، الذي يدور حول 500 دولار شهريا، عاجزا عن مواكبة تكاليف السكن والغذاء والصحة والتعليم.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حملة للدفاع عن ترمب ضد انشقاق جمهوري بسبب الاتفاق مع إيران
* list 2 of 2 الطيران الخليجي يسجل أعلى معدلات التشغيل منذ اندلاع حرب إيران end of list

كما أن المناسبات الدينية، مثل عيد الأضحى، تحولت لدى كثير من الأسر من موسم للفرح إلى عبء مالي ثقيل، مع اضطرار بعض العائلات إلى الاستدانة أو تقاسم ثمن الأضحية أو التخلي عنها بالكامل تحت ضغط الغلاء وتراجع مستوى المعيشة.

مصدر الصورة رسالة سياسية حادة تصل إلى هواتف المواطنين في تونس عبر شركة الاتصالات

وخلال الأيام الماضية، فوجئ عدد من مستخدمي تطبيق "ماي. تي. تي" (MyTT) التابع لشركة اتصالات تونس بإشعار يحمل رسالة سياسية حادة تنتقد تراجع الحريات والأوضاع الاقتصادية في البلاد، وجاء في نصها: "بلغ السيل الزبى.. إلى متى سنظل صامتين؟ الوضع في تونس لم يعد يحتمل السكوت"، قبل أن تتحدث الرسالة عن "تراجع حاد في الحريات" و"ملاحقة الصحفيين والمحامين والناشطين".

وسرعان ما أثارت الرسالة تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، ليس فقط بسبب مضمونها السياسي، بل لأن وصولها تم عبر منصة رقمية تابعة لشركة الاتصالات الحكومية، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة الاختراق والجهة التي تقف خلفه.

وفي بيان رسمي، أقرت اتصالات تونس بتعرض تطبيقها لهجمة سيبرانية، مؤكدة أنها "تمكنت من التصدي لها في وقت قياسي"، وأن الاختراق "لم يؤثر على سلامة المعطيات أو استمرارية الخدمات". كما شددت الشركة على أن الإشعار المرسل "لا يمت بصلة إلى نشاط المؤسسة أو أهداف التطبيق ذات الصبغة التجارية البحتة".

لكن الحادثة لم تُقرأ باعتبارها مجرد اختراق تقني فحسب، بل بدت لدى كثيرين انعكاسا لحالة الاحتقان السياسي التي تتصاعد في البلاد، خاصة مع تزايد الجدل حول أوضاع الحريات وملفات الاعتقالات والمحاكمات المرتبطة بالنشاط السياسي والإعلامي.

إعلان

وجاء تصريح سعيد عقب جولة ميدانية مفاجئة في ولاية نابل، عاين خلالها مشاريع متعثرة ومشكلات مرتبطة بالمرافق العمومية، في محاولة لإظهار متابعته المباشرة للملفات الخدمية والمعيشية.

غير أن العبارة خرجت سريعا من إطار الخطاب الرسمي، لتدخل فضاء آخر أكثر حساسية وتأثيرا، بعدما أعاد مغني الراب التونسي الشاب "أيوب" توظيفها في أغنية حملت العنوان نفسه، لكن هذه المرة بوصفها صرخة احتجاج ضد الواقع السياسي والاجتماعي في تونس.

الأغنية، التي انتشرت بشكل واسع على المنصات الرقمية، جاءت محملة بإشارات مباشرة إلى الغلاء والبطالة والهجرة والسجون والضيق الاجتماعي، مستخدمة لغة الشارع وإيقاع الراب لتقديم سردية موازية للسردية الرسمية.

وفي أحد المقاطع الأكثر تداولا، يطرح أيوب تساؤلا يحمل بعدا سياسيا واضحا: "زعمه باش تتعاود ثورة؟ مشني نشوف في حتى مانع"، في إشارة تعكس حجم الغضب والإحباط لدى جزء من الشباب التونسي، دون أن تمثل بالضرورة توصيفا شاملا للمشهد العام.

وتكشف المفارقة هنا عن تحول لافت في مسار العبارة نفسها؛ فالجملة التي استخدمها الرئيس للتعبير عن غضبه من أداء الدولة، أعاد الشارع الرقمي والفني تدويرها لتصبح عنوانا لغضب موجه نحو السلطة ذاتها.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الخطاب الغاضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر ناشطون ومدونون تونسيون عن استيائهم من الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد.

واعتبر بعض المنتقدين أن المواطنين هم من "بلغ بهم السيل الزبى" بسبب الغلاء وتراجع مستوى المعيشة واتساع حالة الإحباط، متهمين السلطة بالعجز عن معالجة الأزمات المتراكمة.

كما انتقدت منشورات متداولة أسلوب إدارة الحكم والخطابات السياسية المتكررة، في ظل شعور متزايد لدى فئات من التونسيين بانسداد الأفق الاقتصادي والسياسي.

وفي السياق نفسه، أثارت النائبة في البرلمان التونسي أسماء الدرويش الجدل بعد حديثها عن وصول أسعار اللحوم في بعض المحلات إلى ما بين 60 و75 دينارا (نحو 19 و24 دولارا) للكيلوغرام، مع غياب واضح للرقابة في بعض الأسواق.

كما تساءلت عن مدى فعالية نقاط البيع الحكومية في تخفيف الأزمة، وحول الكميات التي ضُخت فعليا في السوق، واعتبرت أن المواطنين باتوا يطالبون بـ"الوضوح والعدل"، وسط شعور متزايد بأن القدرة الشرائية تتآكل أمام موجات الغلاء المتلاحقة.

وبين أغنية الراب ورسالة الاختراق، تبدو عبارة "بلغ السيل الزبى" وكأنها تحولت إلى شعار رمزي لحالة سياسية متوترة، تعكس الصراع المتصاعد بين خطاب السلطة وخطاب الاحتجاج.

كما تعكس حادثة اختراق تطبيق اتصالات تونس تحولا في طبيعة الاحتجاج نفسه، من الشارع التقليدي إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الرسائل السياسية قادرة على الوصول مباشرة إلى هواتف المواطنين عبر أدوات غير تقليدية، في مشهد يعكس تداخل السياسة بالتكنولوجيا والإعلام الرقمي.

وبين خطاب رسمي يتحدث عن "تطهير الدولة" و"تصحيح المسار"، وخطاب احتجاجي يتهم السلطة بالتضييق وإغلاق المجال العام، تبدو تونس أمام معركة سرديات مفتوحة، تتجاوز السياسة التقليدية إلى الموسيقى والمنصات الرقمية وحتى تطبيقات الهواتف المحمولة.

إعلان

يشار إلى أنه وفي 25 يوليو/ تموز2021 أعلن قيس سعيد عن مجموعة من الإجراءات الاستثنائية، وعلى امتداد كل هذه السنوات، عرف المشهد السياسي تحولات عميقة، يعتبرها أنصار الرئيس تصحيحا لمسار الثورة، وترى المعارضة أنها مرحلة "صفحة سوداء" في تاريخ البلاد.

وبموجب تلك التدابير الاستثنائية، قام سُعيد بحل البرلمان، وعزل حكومة هشام المشيشي، وحل المجلس الأعلى للقضاء وعددا آخر من المؤسسات الدستورية كالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

وأصدر سعيد المرسوم 117، ليكون دستورا مؤقتا حكم من خلاله البلاد بصلاحيات رئاسية واسعة غير مسبوقة، وقام بعزل عشرات القضاة ورفض إرجاعهم لعملهم رغم قرار المحكمة الإدارية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا