في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يعرف الشتاء بأنه فصل "موال" للروس، فقد كان البرد القارس هو ما قهر جيش نابليون ومن بعده هتلر على أعتاب المدن الروسية الحصينة. ويروي الجنود الألمان في شهاداتهم عن "العملية بربروسا"، التي وقعت إبان الحرب العالمية الثانية في شتاء عام 1941، كيف كانوا يضطرون لإشعال النيران تحت مركباتهم لإذابة الجليد وتسخين المحركات، وكيف عانوا من نقص الإمدادات نتيجة انسداد الطرق بالطين خلال موسم الوحل قبل تساقط الثلوج، وكيف تعطلت البنادق وتجمدت المدافع لأن الزيوت ومواد التشحيم المستخدمة لم تكن مناسبة لفصل الشتاء.
كان الألمان يرتدون الزي العسكري الصيفي عندما هاجمهم صقيع أوراسيا المميت، وكان لهذا الطقس أثر بالغ على كفاءتهم العسكرية في ميدان القتال. أما الروس، فكانوا متأقلمين مع أجواء البرد القاسية، وارتدوا ملابسهم الشتوية، واستخدموا معدات مناسبة، وكان الجليد يمثل بالنسبة لهم حدا طبيعيا يعمل لصالحهم، ويمهد لهم بيئة العمليات الحربية، ويقوض قدرة خصومهم على التقدم في المعارك.
ولكن عندما انقلب الوضع، وباتت روسيا تؤدي دور المهاجم في أوروبا الشرقية إبان حرب أوكرانيا، سعت لتأجيل المعارك الكبرى إلى فصلي الربيع والصيف، بهدف تحقيق مكاسب ميدانية تمكنها من التفاوض مع بداية الخريف، عندما تحل الجهود الدبلوماسية محل الزخم العملياتي لمعارك القتال. وبينما دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، أصبح "هجوم الربيع" مصطلحا رائجا في قاموس الحرب، إذ يشير إلى تحسن أحوال الطقس وانجلاء الثلوج، وتغير طبيعة ساحة المعركة لتصبح مواتية للقتال في شرق أوروبا.
"أصبح هجوم الربيع مصطلحا رائجا في قاموس حرب أوكرانيا، إذ يشير إلى تحسن أحوال الطقس وانجلاء الثلوج، وتغير طبيعة ساحة المعركة لتصبح مواتية للقتال في شرق أوروبا"
ومع بداية مارس/آذار، بدأت التقارير والمصادر ترصد تحركات الكرملين لحشد قواته استعدادا لشن هجوم واسع النطاق على مقاطعة دونيتسك الأوكرانية في ربيع وصيف العام الحالي، ما جعل البعض يتكهن بأن روسيا بعدما حققت مكاسب اقتصادية من عائداتها النفطية جراء الحرب الأمريكية على إيران، وبعد أن وظفت أموالها لخدمة المجهود الحربي في أوكرانيا وتعزيز قواتها؛ تتجهز الآن للسيطرة على المنطقة التي تعرف باسم "حزام الحصون"، وهي العمود الفقري لخط الدفاع الرئيسي في الشرق الأوكراني.
وإن أُخضِعت تلك المنطقة، من شأن ذلك أن يمنح القوات الروسية مزايا كبيرة في العمليات العسكرية مستقبلا، تساعدها على التوغل بعمق أكبر نحو الغرب، كما سيمنحها موقعا أفضل على طاولة المفاوضات أيضا.
حزام الحصون هو شريط دفاعي يمتد لنحو 50 كيلومترا من الشمال إلى الجنوب، وهو ليس خطا عسكريا تقليديا يمكن رسمه على الخرائط، بل شبكة معقدة من عدة مدن تقع في قلب مقاطعة دونيتسك شرق أوكرانيا. ومنذ عام 2014 بذلت كييف جهودا مضنية وأنفقت أموالا طائلة على الاستثمار العسكري لتعزيز هذه المواقع، التي تحولت إلى عقد دفاعية متعددة الطبقات، لا يمكن اختراقها بسهولة.
يمر "حزام الحصون" بأربع مدن رئيسية داخل مقاطعة دونيتسك هي سلافيانسك وكراماتورسك ودروجكيفكا وكوستيانتينيفكا، بالإضافة إلى بعض البلدات الصغيرة. وتشبه هذه المدن "قلعة حصينة" ممتدة في الشرق تعمل كحد جغرافي صلب، يفصل المناطق الواقعة تحت السيطرة الروسية وجبهات القتال، عن العمق الأوكراني في الغرب. وقد مثلت مدينتا سلافيانسك وكراماتورسك مركزا للدعم اللوجيستي والإمداد، في حين أصبحت مدن الحزام الدفاعي مركزا لإدارة العمليات العسكرية في كامل مقاطعة دونيتسك.
"حزام الحصون هو شريط دفاعي يمتد لنحو 50 كيلومترا، وهو ليس خطا جغرافيا تقليديا بل شبكة دفاع معقدة تمر عبر عدة مدن في قلب مقاطعة دونيتسك شرق أوكرانيا"
من الناحية الجغرافية، تلعب المسطحات المائية (نهرا سيفرسكي دونتس وأوسكيل) دورا محوريا باعتبارهما عوائق طبيعية تقف حائلا أمام تقدم القوات الروسية، كما تتسم المنطقة بتضاريس وعرة (مرتفعات ومناطق شديدة الانحدار)، وهو أمر يمنح الأوكرانيين ميزة دفاعية إضافية، تتيح لهم التمركز في المواقع المرتفعة بما يسهل عليهم مهام المراقبة والاستطلاع، ويهيئ لهم بيئة مناسبة لإطلاق المسيرات، وكل هذا جعل المنطقة محصنة جغرافيا.
أما فيما يتعلق بالبيئة الحضرية، فنجد المنطقة تعج بالمباني الخرسانية وشبكات الطرق الرئيسية، وتمتاز المدن الأربع بكثافة سكانية عالية، حيث بلغ عدد سكانها قبل الغزو الروسي قرابة 380 ألف نسمة. هذه السمات الحضرية التي بنيت فوق طبيعة المكان المعقدة لها ميزاتها الدفاعية الخاصة، التي تسهم في تحويل المعارك إلى حرب استنزاف طويلة تعيق قدرة المهاجمين على التقدم. وخير مثال على ذلك، كانت الحملة الروسية للسيطرة على مدينة باخموت، التي استغرقت قرابة 9 أشهر في عامي 2022 و2023، رغم أن مساحة المدينة لا تتعدى ربع المساحة الإجمالية لـ"حزام الحصون".
وعلى هذا الأساس، بنى الخبراء العسكريون توقعاتهم بأن الهجوم الروسي الذي يستهدف إحكام السيطرة على كامل مقاطعة دونيتسك لن يكون نزهة قصيرة، أو معركة حربية سريعة، بل على العكس، قد تدوم هذه العملية العسكرية الشاقة لعدة أشهر، وربما يستغرق الأمر سنوات لإسقاط المقاطعة بالكامل حسب بعض التقديرات.
تدرك أوكرانيا أهمية هذا الموقع، وعلى مدار الأحد عشر عاما الماضية استثمرت في بناء منظومة دفاع متكاملة تستغل الجغرافيا لصالحها. فقد بنى مهندسوها شبكة واسعة من التحصينات الميدانية، وصمموا عوائق هندسية عسكرية مثل الخنادق المضادة للمركبات، وعززوا المنطقة بأسلاك شائكة وحقول ألغام و"أفخاخ" معدة مسبقا للقتال. كل هذه التجهيزات ساهمت في جعل حزام الحصون الخط الدفاعي الأكثر تحصينا، ولذا صار العقبة الرئيسية أمام طموحات الكرملين، بعد أن باءت محاولات روسيا للسيطرة عليه بالفشل منذ بداية الحرب عام 2022.
"على مدار أكثر من عقد، استثمرت أوكرانيا في بناء منظومة دفاع متكاملة تستغل الجغرافيا لصالحها"
تتمثل الأزمة الأوكرانية الحقيقية في المنطقة الواقعة غرب حزام الحصون، إذ على النقيض من مقاطعة دونيتسك، تضم هذه المنطقة مجموعة من القرى والمجتمعات الزراعية الصغيرة، التي تفتقد للتضاريس والعوائق الطبيعية على غرار حزام الحصون، ناهيك عن قلة الكثافة السكانية وضعف شبكة الطرق اللازمة لنقل الإمدادات والدعم اللوجيستي، ومن ثم لن تكون المنطقة مؤهلة للعمل كنقطة ارتكاز دفاعي.
ونظرا لهذه الأهمية الإستراتيجية البالغة لمنطقة "حزام الحصون" وكامل مقاطعة دونيتسك، دار حولها الكثير من النقاش في مباحثات السلام الأخيرة بين موسكو وكييف، حيث اشترط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن تتخلى أوكرانيا عن مقاطعة دونيتسك بالكامل مقابل إنهاء الحرب، وهو عرض رفضته كييف حتى لا يسقط حائط الصد الأخير، وينفتح الطريق أمام القوات الروسية لمهاجمة مدن كبرى مثل دنيبرو وخاركيف، ثم التوغل غربا في عمق الأراضي الأوكرانية وصولا إلى العاصمة.
خلال سنوات الحرب الماضية، جرت العادة أن تستغل موسكو طقس الربيع الدافئ لاستعادة الزخم العملياتي في القتال، الذي تنخفض وتيرته طيلة شهور الشتاء القاسية، مستغلة في ذلك "الغطاء النباتي" الكثيف لصفوف الأشجار، التي تعمل بمثابة ستار طبيعي يحجب الجنود الروس عن الأنظار، فلا تستطيع طائرات الاستطلاع الأوكرانية تعقبهم.
وعن ذلك تقول صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية: "لقد ولى العهد الذي كانت فيه الدبابات والمركبات المدرعة تتحرك بأريحية في ساحات القتال"، ففي عصر المسيرات، التي توصف بأنها "عين لا ترمش في السماء"، يجري تعقب ومهاجمة أي هدف يتحرك تقريبا، ولهذا يلجأ الجنود للتمويه، ويضطرون للتقدم في ساحات المعارك سيرا على الأقدام، ويسيرون في مجموعات صغيرة بين الأشجار لتجنب رصدهم. ومن هذا المنطلق، أصبحت الأشجار سلاحا هاما في الهجوم الروسي الربيعي.
منذ منتصف عام 2025، حذر المحللون العسكريون من أن روسيا بدأت بالفعل في حشد جنودها تمهيدا لهجوم مكثف يرجح أن يستمر حتى نهاية فصل الصيف. وكانت موسكو قد نشرت مركباتها المدرعة على 3 جبهات استعدادا للصيف.
منذ مارس/آذار، حاولت القوات الروسية التقدم بالفعل نحو مدينتي كوستيانتينيفكا ودروجكيفكا، كما رصدت بعض التحركات الروسية في اتجاه سلافيانسك، ودفعت هذه الهجمات مصادر عسكرية إلى التصريح بأن هجوم الربيع بدأ بالفعل. لكن هذه الجهود المبكرة لم تفض إلى تغييرات ملموسة على أرض الواقع أو في جبهات القتال الأمامية.
وبحسب ما ذكرته مصادر عسكرية، لم تكن هذه الانطلاقة سوى بداية مضللة، كجزء من حملات "الاستطلاع الناري"، وهو تكتيك عسكري تعتمده روسيا يتمثل في توجيه عدة ضربات نارية لمناطق محددة سلفا، بهدف الكشف عن مواقع تمركز القوات الأوكرانية تمهيدا لاستهدافها أثناء عمليات الهجوم البري.
وقد توقعت منصة التدوين العسكري الأوكراني "ديب ستيت" أن ينفذ الهجوم المحتمل على مرحلتين، في المرحلة الأولى تسعى القوات الروسية إلى اختراق منطقة دونباس الشرقية، ثم في الثانية تحاول موسكو إحكام قبضتها على منطقة زابوريجيا جنوب شرق أوكرانيا، التي تعد واحدة من العقد الدفاعية الأوكرانية لمنع تقدم القوات الروسية نحو "حزام الحصون".
وفي الوقت الحالي تسيطر روسيا على نحو 75% من زابوريجيا (خاصة الأجزاء الجنوبية والشرقية منها)، وكانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت مطلع العام الجاري سيطرتها على قرية بيلوهيريا في الإقليم، وتلى ذلك إعلان عن السيطرة الروسية على 12 قرية تقع شرق البلاد، في فبراير/شباط.
"تعد زابوريجيا واحدة من العقد الدفاعية الأوكرانية لمنع تقدم القوات الروسية نحو حزام الحصون"
بحلول 21 أبريل/نيسان، أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف، أن القوات الروسية تمكنت هذا العام من السيطرة على 1700 كيلومتر مربع، وتتقدم بخطى ثابتة نحو حزام الحصون عبر منطقة دونباس شرق أوكرانيا، قائلا: "منذ بداية هذا العام، تمكنت قواتنا من بسط سيطرتها على 80 بلدة أوكرانية، وقرابة 1700 كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية".
منذ ذلك الحين، شن الروس عشرات الهجمات في تلك المنطقة، خاصة مدينة كوستيانتينيفكا التي شهدت العديد من المعارك في الشهر الحالي (مايو/ أيار). وبحسب "ديب ستيت" تسيطر روسيا على المناطق المتاخمة للمدينة من الجنوب، في حين تصنف أجزاء صغيرة في جنوب شرق المدينة كمناطق رمادية لا يسيطر عليها أي من الطرفين بصورة كاملة.
لكن السيطرة على "حزام الحصون" ليست مهمة سهلة يمكن إنجازها عبر مواجهات الحسم السريع، لكنها معركة للنفس الطويل، ينتصر فيها الطرف الأكثر إرادة وقدرة على التحمل، والقادر على دفع الثمن الباهظ للاستنزاف. وهكذا يمكننا وضع ثلاثة سيناريوهات محتملة للهجوم الروسي على منطقة "حزام الحصون" الأوكرانية، وهي: إستراتيجيات "القضم البطيء" و"اختراق الثغرات" و"العزل".
تناول مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية إستراتيجية "القضم البطيء"، في تحليل عسكري نُشر في 27 يناير/كانون الثاني الماضي، قائلا إن روسيا ستستمر في اتباع تكتيكات التقدم عبر حرب استنزاف طويلة، وهو نهج يمكنها من التسلل عدة كيلومترات في بعض المحاور، وإجبار الخطوط الدفاعية الأوكرانية على التراجع، وهي إستراتيجية شاقة ومرهقة ومكلفة من حيث الخسائر في الأرواح، ورغم ذلك يعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحا للعمليات الهجومية الروسية.
"تتقدم القوات الروسية بمعدل يتراوح بين 15-70 مترا في اليوم الواحد، وهو أبطأ من أي حملة عسكرية طيلة القرن الماضي بأكمله"
فمنذ أحكمت موسكو سيطرتها على منطقة كورسك عام 2024، تتقدم القوات الروسية بمعدل يتراوح بين 15-70 مترا في اليوم الواحد، وهو أبطأ من أي حملة عسكرية عايشناها طيلة القرن الماضي بأكمله. ونتيجة لذلك، لم تستطع القوات الروسية الاستحواذ إلا على 1.5% من الأراضي الأوكرانية طوال العامين الفائتين (تسيطر موسكو إجمالا على حوالي 13% من مساحة أوكرانيا)، بحسب تقديرات مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية، وهو ما كلف الكرملين أثمانا باهظة مقابل مكاسب ضئيلة على أرض الواقع.
في السيناريو الثاني، قد تلجأ روسيا إلى استغلال الثغرات ونقاط الضعف على طول الحزام الدفاعي، للقيام بعملية اختراق محدود، تجنبا للهجوم المباشر، وهو أمر كانت قد أشارت إليه بعض المصادر العسكرية، قائلة إن روسيا ركزت جهودها على اختراق الأجنحة الشمالية والجنوبية للحزام الدفاعي. وقد حققت موسكو قبل أسابيع تقدما ملحوظا نحو مدينة ليمان، وهي أحد أهم النقاط الإستراتيجية في الشرق الأوكراني، ومدخل لمدينة سلافيانسك داخل الحزام الدفاعي.
أما الاحتمال الأخير والأصعب، فيتمحور حول قطع الإمدادات عن بعض المدن تمهيدا لعزلها. وبالفعل، تتواجد قوات مشاة روسية على الأطراف الجنوبية الشرقية لمدينة دروجكيفكا، ومن المحتمل أن تحاول التسلل إلى داخل المدينة أو السيطرة على الطريق الرئيسي (إن-20) الذي يربطها بمدينة كوستيانتينيفكا بهدف قطع الإمدادات عنها.
غالبا ما تستخدم القوات الروسية السيناريوهات الثلاث في جبهات قتال مختلفة، وهو أمر تحدده ظروف القتال والعوامل المحيطة بأرض المعركة، كما تجمع في تكتيكاتها العسكرية بين إستراتيجيات التسلل البري، والقوة النارية الضاربة للمسيرات الهجومية والقنابل الموجهة، التي تعمل على إغراق الدفاعات الأوكرانية، وتعد بمثابة غطاء ناري يجبر القوات الأوكرانية على التراجع، كما يمكن القوات البرية المتقدمة من أن تكون أكثر قدرة على المناورة.
وتوضح البيانات الصادرة عن المسؤولين الأوكرانيين أن القنابل الجوية الموجهة، لعبت دورا محوريا في تحويل المدن الأوكرانية إلى مدن أشباح، حيث يجري إطلاق قرابة 500 قنبلة شديدة الانفجار أسبوعيا، يتراوح مداها بين 40-60 كيلومترا، بما يهدد خطوط الدفاع الأمامية الأوكرانية، ويهيئ الأرض لتستولي روسيا على أنقاضها فيما بعد، كما حدث في مدينة أفدييفكا شرق أوكرانيا، التي أعلنت موسكو السيطرة الكاملة عليها عام 2024.
في عالمنا المعقد، حيث تتداخل خيوط السياسة مع ساحات القتال ومصالح القوة العظمى، ليس من المستغرب أن تصبح الحرب التي تخوضها روسيا في أوكرانيا، وحرب الولايات المتحدة ضد إيران، مواجهات مترابطة، تؤثر نتائج كل منهما على الأخرى. هذا ما تناوله أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو بول بوست، في مقال تحليلي نُشر في صحيفة "واشنطن بوست"، مشيرا إلى أن مسرحي الصراع أصبحا ساحة للتنافس الإستراتيجي بين القوى الكبرى.
وفي قلب هذا المشهد المركب، وبينما تتجه الأنظار إلى أطراف الصراع المباشرين أثناء حسابات المكسب والخسارة، يبرز اسم روسيا بوصفها أبرز الرابحين من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت 28 فبراير/شباط الماضي واستمرت لأربعين يوما حتى سريان وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان. وقد جادل أندرو ميشتا، أستاذ الدراسات الإستراتيجية في كلية هاميلتون بولاية فلوريدا، بأن روسيا رغم أنها لم تكن طرفا في الصراع، أصبحت المستفيد الأكبر من الحرب على إيران، وحققت مكاسب اقتصادية طائلة ساهمت بشكل مباشر في تمويل مجهودها الحربي في أوكرانيا.
"روسيا أصبحت المستفيد الأكبر من الحرب على إيران، وحققت مكاسب اقتصادية طائلة ساهمت في تمويل مجهودها الحربي في أوكرانيا"
أهم هذه المكاسب كانت العائدات النفطية. فمنذ غزو أوكرانيا عام 2022، تخضع موسكو لعقوبات أمريكية وأوروبية تحظر على الدول شراء النفط الروسي، لكن بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز، الممر الملاحي الذي تمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية المنقولة بحرا، وما ترتب على ذلك من نقص إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط عالميا، اضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاتخاذ إجراءات عاجلة لضمان تدفق إمدادات النفط للسوق العالمية. وفي 12 مارس/آذار، أعلنت إدارة ترمب إعفاء مؤقتا من العقوبات على شراء النفط الروسي لمدة شهر، قبل أن تمدده لشهر إضافي ثم لشهر ثالث.
قبل حرب إيران، كان الاقتصاد الروسي مثقلا جراء حرب الاستنزاف الأوكرانية الطويلة، ونتيجة لذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية خفض ميزانيتها العسكرية لعام 2026 إلى نحو 14.9 تريليون روبل (حوالي 200 مليار دولار)، مقارنة بالإنفاق العسكري عام 2025، الذي تجاوز 16 تريليون روبل (حوالي 220 مليار دولار)، بحسب تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. وقد تبدل هذا الوضع وفقا لما ذكره أندرو ميشتا، حيث ارتفعت عائدات النفط الروسية إلى 600 مليون دولار يوميا، وهو بمثابة "منحة مالية" استخدمتها موسكو لتعزيز احتياطياتها العسكرية وإعادة بناء قدراتها تمهيدا لمعركة الربيع.
وتشير التقديرات إلى أن روسيا حققت مكاسب غير متوقعة من الحرب الإيرانية تجاوزت 150 مليون دولار إضافية يوميا، بعد زيادة الطلب على النفط الروسي من الهند والصين، مما دفع كييف في مارس/آذار إلى شن هجمات بمسيرات على جميع موانئ تصدير النفط غرب روسيا، بغرض إلحاق الخسائر بصادرات النفط الروسية.
وخلال فترة الحرب، توقفت عمليا الجهود الدبلوماسية التي قادها ترمب في بداية ولايته الثانية للتوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا. أضف إلى ذلك حالة الضعف التي يعاني منها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد سحب ترمب 5000 جندي من ألمانيا، ردا على الموقف الأوروبي المتردد تجاه الحرب على إيران، ما وضع مستقبل حلف شمال الأطلسي على المحك، وفي الوقت ذاته عزز مصالح روسيا وخدم أهدافها. في غضون ذلك، استفادت روسيا أيضا من انخفاض الإمدادات العسكرية إلى أوكرانيا، التي اعتمدت في السابق على مخزون الأسلحة الأمريكية لتعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية.
"كشف تقرير صحفي أن روسيا عرضت على أمريكا التوقف عن إمداد إيران بالمعلومات الاستخباراتية، مقابل توقف واشنطن عن دعم أوكرانيا بالمعلومات عبر الأقمار الصناعية الأمريكية"
ويُعتقد أن موسكو زودت طهران بمعلومات استخباراتية وصور للأقمار الصناعية تظهر أماكن تمركز القوات الأمريكية. وفي مارس/آذار، كشف تقرير لموقع "19 فورتي فايف" أن روسيا عرضت على الولايات المتحدة التوقف عن إمداد إيران بالمعلومات الاستخباراتية، مقابل توقف الولايات المتحدة عن دعم أوكرانيا بالأقمار الصناعية الأمريكية، وهو عرض رفضته واشنطن.
كل هذه الأسباب مجتمعة، دفعت أندرو ميشتا إلى القول بأن روسيا كانت الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية على إيران، بل ومنحتها هامشا أوسع للمناورة السياسية والعسكرية، وجعلتها أكثر ميلا لاستغلال الفرص وشن هجوم واسع في أوكرانيا لترسيخ مكاسبها الإقليمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة