في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عاد القضاء التونسي ليتصدر واجهة الأحداث بسلسلة أحكام طالت معارضين سياسيين، وإعلاميين، وناشطين، بتهم تتراوح بين "التآمر على أمن الدولة" و"التحريض على الفوضى".
وفي حين تصر السلطات على أن المحاكمات جنائية بحتة وتجري في إطار استقلال قضائي كامل، ترى قوى معارضة ومنظمات دولية أنها أداة لتكميم الأفواه وتصفية الخصوم، مما يضع التجربة الديمقراطية التونسية أمام اختبار عسير وسط أزمة اقتصادية خانقة.
فمن وجهة نظره، يرى المحلل السياسي محمد أمين الجربي أن استقلال القضاء في تونس "أمر مثبت وقرينة لا يمكن الطعن فيها"، مؤكدا أن الأحكام الصادرة -بما فيها المتعلقة بقضية "المسامرة الرمضانية" لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي– احترمت كافة الإجراءات القانونية وقرينة البراءة.
وتعود قضية "المسامرة الرمضانية" إلى فبراير/شباط 2023، عندما تم إيقاف سياسيين معارضين ومحامين وناشطين ورجال أعمال بتهم "محاولة المساس بالنظام العام وتقويض أمن الدولة"، و"التخابر مع جهات أجنبية"، و"التحريض على الفوضى أو العصيان". وينفي المتهمون صحة الاتهامات الموجهة إليهم.
ويعتبر الجربي -خلال حديثه لبرنامج "ما وراء الخبر"- أن الملفات هي قضايا "جنائية بامتياز" ترتبط بممارسات تمت خلال ما وصفها بـ"العشرية السوداء"، رافضا منح السياسيين "قداسة" تحميهم من المحاسبة.
وتُستحضر "العشرية السوداء"، في الخطاب السائد الرسمي والشعبي، وتشير إلى المرحلة التي حكمت فيها أحزاب سياسية، من بينها حركة النهضة، سواء مباشرة أو ضمن تحالفات، وتُحمَّل فيها هذه الأطراف مسؤولية تعثر المسار الاقتصادي والانقسام السياسي في البلاد.
كما قلل الجربي من شأن التقارير الدولية، معتبرا أن منظمة "هيومن رايتس ووتش" تخضع لأجندات مموليها وتتدخل في الشؤون الداخلية التونسية.
وفي 17 أبريل/نيسان 2023، دهمت قوات الأمن منزل الغنوشي (84 عاما)، رئيس البرلمان السابق، وأوقفته، ثم أمرت محكمة ابتدائية بإيداعه السجن بتهمة الإدلاء بتصريحات "تحرض على الفوضى والعصيان"، وصدرت بحقه لاحقا أحكام بالسجن في قضايا أخرى.
في المقابل، يذهب الكاتب والمحلل السياسي أحمد الغيلوفي إلى أن القضاء التونسي فقد استقلاليته وبات فوقه "سيف رهيب مسلط"، مستدلا بملف القضاة المعزولين الذين رفضت السلطة إعادتهم رغم صدور أحكام لصالحهم من المحكمة الإدارية.
ويرى الغيلوفي أن السلطة الحالية، "العاجزة عن الإنجاز الاقتصادي"، تلجأ إلى "دغدغة المشاعر الشعبوية" عبر رمي المعارضين في السجون لتغطية فشلها، واصفا ما يحدث بأنه "تصفية حساب سياسي" وتنكيل بالتجربة الديمقراطية السابقة.
من جهته، يصف أحمد بن شمسي، مدير التواصل بقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، هذه المحاكمات بأنها "دليل جديد على السيطرة التامة للحكومة على القضاء".
ويشير بن شمسي إلى أن الجهاز التنفيذي أظهر عدم مبالاة بالقرارات القضائية، خاصة بعد رفض تنفيذ حكم إعادة 49 قاضيا عُزلوا تعسفا عام 2022.
ويؤكد أن تهم "التآمر" باتت تُستخدم كوسيلة لتخويف وترهيب المعارضة والمجتمع المدني، معتبرا أن تونس التي كانت "قاطرة الربيع العربي" تعيش الآن حالة من الانسداد الحقوقي حيث أصبح "الكل في السجن أو المنفى".
ويخلص المشهد التحليلي إلى تباين حاد في قراءة المستقبل، فبينما يرى مؤيدو المسار الحالي أن القانون هو الفيصل، يحذر الغيلوفي من أن "الاحتقان السياسي والاجتماعي" الناجم عن رفع الدعم والأزمات المعيشية قد يؤدي إلى انتفاضة شعبية، معتبرا أن الشعوب لا تصبر طويلا على القمع.
ويتفق بن شمسي جزئيا مع الغيلوفي، مؤكدا أن تفشي القمع -على غرار حقبة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي– يقود تاريخيا إلى مسارات مجهولة، في ظل غياب أي مؤشرات للانفراج السياسي القريب.
ودخلت تونس منذ إعلان الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو/تموز 2021 مجموعة من الإجراءات الاستثنائية، منعطفا حادا غيّر ملامح المشهد السياسي، إذ أصبحت تتجه بحسب منتقدين نحو ما يصفونه بأنه "دكتاتورية جديدة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة