في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- على وقع الفقد والشوق تعيش عائلتا الطبيبين حسام أبو صفية و مروان الهمص، فبينما تفتقد الأولى حسّ ابنها وضحكاته التي كانت تملأ فراغ المنزل، استعاضت الأخرى بتصبير نفسها على غيابه بتعليق صورة له فوق عمود خيمة نزحت إليها، ليظل ربُّ الأسرة ورأس سنامها حاضرا رغم البعد والأسر.
وكلا الطبيبين ضجّ قطاع غزة بدوره الإنساني في معالجة المرضى والمصابين خلال حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستمرت عامين.
تقاسما المعاناة ولا يزالان يعيشان ألم الأسر في سجون الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يدّخر جهدا في التنكيل بهما وتنغيض حياتهما، كحال آلاف الأسرى الفلسطينيين.
تعيش عائلة الطبيب الأسير حسام أبو صفية فقدا يتجاوز غيابه الجسدي، إذ لم تستطع منذ اعتقاله في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، التكيُّف مع الفراغ الذي خلّفه داخل البيت، ولا مع غياب الدور الذي كان يشكّل توازنهم اليومي. إذ أنهى اعتقاله حالة السكينة والاستقرار التي كانت ترتبط بوجوده، كما يقول نجله إلياس، مضيفا للجزيرة نت "فقدنا روح البيت وضحكته وأمانه، وفقدنا نصيحته وتوجيهه الذي كان يختصر علينا تعب سنين".
وبعد انقطاع دام 60 يوما، بحسب إلياس، تلقت العائلة الثلاثاء اتصالا يفيد بوجود جلسة محاكمة له بعد أيام، لكن دون معلومات واضحة عن وضع والده الصحي، الذي تُمنع زيارة المحامين له بحجة الأوضاع الأمنية، مما يزيد القلق حول مصيره. ورغم أن التضامن مع قضية والده واسع، فإنه بحاجة -بحسبه- إلى خطوات عملية للضغط من أجل معرفة مصيره أو تحسين ظروف اعتقاله على الأقل.
ويظل أبو صفية حاضرا في أذهان أبنائه بوصفه طبيبا عُرف بصلابته، حيث واصل عمله رغم استشهاد ابنه إبراهيم، وتحمّل إصابة في قدمه، وظهر في مشهد وهو يتقدم نحو دبابة للاحتلال بثبات لافت. أمّا أصدقاؤه الذين رافقوه في مستشفى كمال عدوان فينعتونه بأنه "أبو المرضى".
وروى الطبيب إيهاب العبسي، مدير التمريض في شمال غزة، الذي رافق الدكتور أبو صفية خلال حصار مستشفى كمال عدوان أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024، تفاصيل الساعات الأخيرة قبل اعتقاله، موضحا أن المستشفى كان يعيش ذروة الحصار حينها، بينما بقي أبو صفية حتى اللحظة الأخيرة داخله رغم التهديدات المتكررة له.
وكان أبو صفية يحرص على طمأنة المرضى والطواقم، ويؤكد لهم أن أداء الواجب الطبي لا يُعدّ تهمة، ويشاركهم لحظات الخوف والصمود، ويردد "لم نذنب بشيء، نحن نقوم بواجبنا".
وبعد ساعات من الضغط الميداني، نُقل أبو صفية مع عدد من الطواقم إلى مدرسة الفاخورة التي تحوّلت إلى نقطة تحقيق ميدانية. وتابع العبسي "سارت الدبابة، ثم حافلة تُقلّ مرضى وكوادر طبية، وبعدهم الدكتور حسام ومعه باقي الطاقم الطبي ومن خلفهم قوات الاحتلال".
وعند الوصول إلى المكان المقصود فُصل أبو صفية، وكان يرتدي معطفه الأبيض وسماعة الطبيب، ثم أُجبر على خلعها واستبدال ملابسه، في آخر لحظة شاهده فيها زملاؤه قبل اقتياده معتقلا.
ويكمل الرواية للجزيرة نت الأسير المحرر محمد الرملاوي، الذي استقبل الدكتور أبو صفية في معتقل سدي تيمان -السيئ الصيت- في أول أيام اعتقاله وقد بدت عليه آثار الضرب، حيث قال لهم "بهدلوني وضربوني"، وأخبرهم بإعدام 5 من الطواقم الطبية أمامه والتنكيل الذي حلّ بالسيدات اللواتي كُنّ بالمستشفى.
وحمّل أبو صفية الرملاوي وصية -حين علم بقرب خروجه- بأن يبلغ عائلته بعدم "الصمت" وأن تطالب المؤسسات الحقوقية بالتحرّك للإفراج عنه.
وبحسب إفادة مصدر حقوقي خاص للجزيرة نت، فإن وضعه الصحي "سيئ ومقلق"، إذ احتجز في العزل الانفرادي عدة أسابيع دون لائحة اتهام أو حكم، ودون السماح لمحاميه بزيارته بانتظام، كما أنه فقد جزءا كبيرا من وزنه ويعاني من حالة نفسية سيئة.
وتأتي قضية الطبيب حسام ضمن سياق أوسع، إذ كشفت مصادر صحفية للجزيرة نت اعتقال 737 من الكوادر الطبية منذ بدء الحرب الأخيرة على غزة، بينهم أطباء ومسعفون وممرضون، وسط معطيات عن تعرّض عدد كبير منهم للتنكيل وسوء المعاملة، في حين تظل عائلاتهم في انتظار أي معلومة عنهم.
ومثل عائلة حسام أبو صفية، لا تزال ولاء الهمص (أم عبادة) تعيش تحت وطأة صدمة اختطاف واعتقال زوجها الطبيب مروان الهمص، الذي يشغل منصب مدير المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة بقطاع غزة، وذلك بعد اختطافه بأيدي قوة خاصة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في يوليو/تموز 2025.
كالصاعقة -تصف أم عبادة- وقع خبر اختطاف زوجها، وتقول إنه كان يتوقع دائما أن يرتقي شهيدا، ويكرر باستمرار "أنا شهيد"، لكننا لم نتخيل أبدا أن "يُختطف بهذه الطريقة الوحشية".
وتؤكد العائلة أن قوة خاصة يُرجّح أنها من المليشيات المسلحة المرتبطة بجيش الاحتلال اختطفت الطبيب الهمص في 21 يوليو/تموز الماضي من أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر قرب ساحل البحر بين مدينتي رفح وخان يونس، حيث كان في مهمة عمل، واقتيد جريحا، ثم أعلن الاحتلال أنه معتقل لديه.
في خيمة متواضعة تتدلى من سقفها صورة رب العائلة مرتديا معطفه الأبيض، تقيم أم عبادة مع أبنائها السبعة في "المخيم الجزائري" جنوب غرب خان يونس.
وانقلبت حياة هذه الأسرة رأسا على عقب، بعد تغييب معيلها الوحيد، وأصبحت تواجه ظروفا معيشية قاسية وسط النزوح والحرمان، وعن زوجها تقول أم عبادة والدموع تختلط بكلماتها "كان زوجا صالحا بارا بأهله، ومتفانيا في عمله، ويتمتع بسمعة طيبة، ولن يضيعه الله".
وتخشى الزوجة الصابرة على حياة زوجها، في ظل ما يتوارد من أخبار عن تعرضه للتعذيب داخل سجون الاحتلال، حيث جرى اختطافه وهو جريح، وأصيب خلال التحقيق الوحشي معه بكسور في أضلاعه، وفقد الكثير من وزنه نتيجة سياسة التجويع الممنهجة بحق الأسرى.
ورغم الألم والقلق، تحاول أم عبادة أن تبدو قوية لتؤدي دور الأب والأم معا، متشبثة بخيوط الأمل في ألا تطول فترة اعتقاله.
ومع حلول يوم الأسير الفلسطيني في 17 أبريل/نيسان، وجّهت أم عبادة رسالة مؤثرة لزوجها "كن قويا محتسبا كما عهدناك، ولن يصيبنا ويصيبك إلا ما يقدره الله، والفرج قريب بإذن الله".
أما محمد نجل الدكتور مروان، فقد وجد نفسه وهو شاب لا يزال في مطلع العشرينيات من عمره مضطرا لإعالة والدته وإخوته في وقت مبكر.
وقال محمد للجزيرة نت "ترك والدي فراغا كبيرا، وكان علي أن أتحمّل المسؤولية في ظل ظروف قاسية من العدوان والتجويع، خاصة أن اعتقال والدي كان في فترة عصيبة من المجاعة".
وترك اعتقال الوالد أثرا عميقا في حياة محمد، فأصبح أكثر اهتماما بقضايا الأسرى، وخصّص منصاته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي للتعريف بقضية أبيه وما يتعرّض له الأسرى في سجون الاحتلال، خاصة الأطباء والكوادر الطبية الذين يستهدفون بشكل متزايد.
ومروان الهمص طبيب فلسطيني، ولد وترعرع في مخيم يبنا للاجئين بمدينة رفح في 21 مايو/أيار 1972، وتنحدر أسرته من بلدة يبنا التي هجّرها الاحتلال منها قسرا في نكبة عام 1948.
وعُرف الطبيب الهمص بالتزامه الديني منذ طفولته وسنوات عمره المبكرة، وهو قريب من الناس، ويبادر لمساعدة الآخرين والسعي في قضاء حوائجهم. وهو متزوج وله 9 أبناء، منهم 4 ذكور و5 إناث، و3 أحفاد.
والتحق بوزارة الصحة، وتنقّل في العمل بمستشفياتها، حيث تولى إدارة مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، وإدارة المستشفيات الميدانية، وشغل منصب المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة.
الطبيب مروان الهمص محروم من رؤية حفيده الذي سُمّي باسمه (الجزيرة)وبحسب مؤسسات الأسرى يتجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين بسجون الاحتلال حاليا 9600 معتقل، منهم 86 أسيرة، و350 طفلا، ومن بين العدد الإجمالي يصل عدد من يصنفهم الاحتلال تحت مسمى "مقاتلون غير شرعيين" إلى 1249 أسيرا من غزة، وهذا لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال والمصنفين ضمن هذه الفئة.
ويقول مدير مؤسسة الضمير، المحامي علاء السكافي، للجزيرة نت، إن 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 شكَّل نقطة تحوُّل خطيرة في سياسات الاحتلال بحق الأسرى والمعتقلين، من التضييق والتنكيل والتعذيب والتجويع، وصولا إلى إقرار قانون الإعدام.
ولا يُفرِّق الاحتلال بين الأسرى في المعاملة القاسية والوحشية التي أفضت مرارا إلى الموت، بما في ذلك الأطباء والكوادر الطبية، وأبرزهم أخصائي العظام الدكتور الشهيد عدنان البُرش الذي اعتقل وهو يؤدي واجبه الإنساني خلال الحرب، وقضى تحت التعذيب، بحسب السكافي.
وفي هذا السياق، أشار السكافي إلى حالتي الطبيبين الهمص ومدير مستشفى الشهيد كمال عدوان الأسير حسام أبو صفية، مؤكدا أنهما يتعرضان للعزل الانفرادي والتعذيب والتنكيل، والحرمان من الاتصال بالعالم الخارجي.
وعن الهمص، يقول السكافي إن الاحتلال مارس صنوفا من التعذيب الجسدي والنفسي عليه، منذ لحظة اختطافه، وبإقدامه على اختطاف ابنته الممرضة تسنيم في عملية مشابهة لطريقة اعتقال والدها من قبل قوة خاصة، وابتزازه بها، قبل إطلاق سراحها لاحقا.
وحرم الاحتلال الهمص من حقه في العلاج والرعاية الصحية الملائمة من جروح أصيب بها خلال عملية خطفه، ومن الطعام والشراب المناسبين، علاوة على حرمانه من زيارة محاميه الخاص لأكثر من 120 يوما، تعرَّض خلالها لتعذيب قاس ومعاملة مهينة، والتهديد المباشر بقصف أسرته وقتلها في خيام النزوح، كما قال السكافي.
وأوضح أن ما يجري بحق الأسرى الفلسطينيين يُمثل انتهاكا صارخا ل لقانون الدولي الإنساني ولكافة القوانين المتعلقة باعتقال واحتجاز المدنيين، والأسرى بصفتهم مدنيين يتمتعون بحماية عامة، إضافة إلى الحماية الخاصة التي وفّرها القانون الدولي الإنساني للطواقم الطبية والإنسانية، والتي تضمن لهم ممارسة عملهم وتأدية رسالتهم الإنسانية بعيدا عن الاعتقال أو القتل أو الإصابة.
أماني الناعوق: لم نتمكن من زيارة المعتقلين في السجون الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 (الجزيرة)بدورها، قالت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أماني الناعوق، إنه "منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم نتمكن من الوصول إلى المعتقلين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية".
وأشارت إلى ضرورة إبلاغ اللجنة بمصير جميع المعتقلين وأماكن وجودهم، ومنحها إمكانية الوصول إليهم، "ونحن على أتم الاستعداد لاستئناف زياراتنا الدورية لأماكن الاحتجاز لمواصلة رصد معاملة المعتقلين وظروف احتجازهم في جميع المرافق ذات الصلة"، مشددة أن هذا الأمر "لا يزال يُمثل أولوية لهم كلجنة دولية في الأراضي المحتلة وإسرائيل".
وأشارت إلى تلقيهم يوميا اتصالات من عائلات فلسطينية تسعى لمعرفة مصير أحبائها المعتقلين، والاطمئنان على صحتهم وسلامتهم، مضيفة "كثيرون آخرون لا يعرفون مصير أحبائهم؛ هل هم على قيد الحياة، أم معتقلون، أم ما زالوا في عداد المفقودين؟ نحن نشعر بمعاناتهم".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة