في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- للوهلة الأولى، توحي الحركة الدؤوبة للشاحنات وهي تنقل أطنان الركام وتلقمها لكسّارات الصخور، في موقع يتوسط محافظة خان يونس، جنوب قطاع غزة، بأن عجلة إعادة الإعمار قد دارت أخيرا.
مشهدٌ يبعث على الأمل في القطاع المحاصر الذي طال الدمار 90% من مبانيه، وخلّفت فيه الحرب إرثا ثقيلا يتجاوز 60 مليون طن من الأنقاض.
لكن هذا الانطباع سرعان ما يصطدم بالواقع المرير، بعد العلم أن ما ترفعه هذه الشاحنات ليس تدشينا لمرحلة البناء، بل هو عملية إزالة للأنقاض التي تغلق الشوارع فقط.
أما تلك الكسّارات التي تطحن نحو ألف طن يوميا، فلا تعدو كونها محاولات خجولة لإنتاج "حصى" يُستخدم في تسوية طرق ترابية أو تهيئة مساحات ضيقة، فيما لا تزال عملية إعادة الإعمار الحقيقية رهينة "الحلول السياسية" المُنتظرة.
ومع ذلك، تكتسب هذه العملية أهمية قصوى، فكميات الركام الهائلة في غزة، ليست مجرد بقايا خرسانة، بل هي عائق بيئي واجتماعي، وقنبلة موقوتة من الملوثات والذكريات المحطمة، التي قد يستغرق تطهيرها سنوات.
وفي الموقع الذي أقيم في منطقة شبه خالية من السكان بخان يونس، ترتفع تلال غير منتظمة من الركام، فيما تعمل الآلات في دورة رتيبة: شاحنة تُفرّغ حمولتها، وجرافة تغرف من "أشلاء" المباني لتلقي بها في جوف آلة طحن، يصدر عنها ضجيج هائل.
وتعمل 5 مواقع على تدوير الركام، موزعة جغرافيا على امتداد القطاع في خان يونس جنوبا، و دير البلح في الوسط، و مدينة غزة في الشمال، وتشرف عليها وزارة الأشغال العامة والإسكان التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "يو إن دي بي".
ورغم مرور أكثر من 6 أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن إسرائيل ترفض السماح بالبدء في عملية إعادة إعمار ما دمّرته آلتها الحربية بقطاع غزة، وتستمر في فرض حصار مشدد عليه، ولا تسمح سوى بعبور إمدادات محدودة من البضائع.
ومن المفترض أن تبدأ أي عملية لإعادة الإعمار، بتجميع الركام الناجم عن هدم إسرائيل لقرابة 90% من مباني القطاع، والتخلُّص منها بعدة طرق، منها طحنها بواسطة الكسارات.
وقالت رئيسة فريق إعادة إعمار غزة في وزارة الأشغال العامة والإسكان (مقرها بالضفة الغربية)، المهندسة رقية أبو الرُب، إن عمليات تدوير الركام "المحدودة"، تواجه تحديات وعراقيل كثيرة، أبرزها:
وأشارت -في حديثها للجزيرة نت- إلى أن العمل في المواقع المذكورة يتم عبر عقود مع مقاولين محليين، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، موضحة أن جزءا من المعدات المستخدمة يعاني من "تقادم أو أعطال فنية"، وأن وزارة الأشغال تعمل على إعداد "خطة متكاملة للتوسع في إدارة وتدوير الركام، تشمل زيادة عدد مواقع التدوير، ورفع القدرة الإنتاجية، وإدخال معدات حديثة".
لكنها استدركت "هذا الأمر يرتبط بتوفُّر التمويل، وتسهيل إدخال المعدات، وضمان استقرار إمدادات الوقود".
ويناهز حجم الأنقاض الناتج عن الحرب في غزة 60 مليون طن، بحسب "التقديرات"، وهو ما يشكّل تحديا "بيئيا ولوجيستيا وتنمويا غير مسبوق"، حسب أبو الرُب.
وذكرت أن وزارة الأشغال العامة، تضع ملف إدارة الركام في صدارة أولوياتها، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لنجاح جهود التعافي وإعادة الإعمار، كونها تعتبر أن التعامل الفعّال مع هذا الملف لا يقتصر على كونه استجابة طارئة، بل يُشكّل "ركيزة أساسية في مسار إعادة الإعمار، وبوابة لإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة".
وتُقدَّر الطاقة الإنتاجية الحالية للمواقع القائمة بحوالي 1000 طن يوميا في الظروف التشغيلية الاعتيادية، مع إمكانية رفعها لتتجاوز 4000 طن حال توفر الوقود واستقرار الأوضاع الميدانية، وهي كميات محدودة، قياسا بحجم الركام، بحسب المهندسة أبو الرُب.
ووفقا للمسؤولة الفلسطينية تُستخدم المواد المعاد تدويرها في تنفيذ "تدخلات حيوية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر"، من أبرزها:
وقالت إن الوزارة عملت على إعداد خطة وطنية متكاملة لإدارة الركام، ترتكز على 3 مراحل رئيسية: الإزالة الآمنة والتدوير وإعادة الاستخدام، بما يضمن تسريع وتيرة التعافي وتقليل الاعتماد على الموارد الخارجية، وتعزيز الاستدامة البيئية.
وأشارت إلى أن الوزارة تتبنّى نهجا عمليا يقوم على "تحويل هذا التحدي إلى فرصة، من خلال إعادة استخدام الركام المعالج في مشاريع البنية التحتية"، ولذلك أعدّت دليل إجراءات وطنيا للتعامل مع الركام، يحدّد الآليات الفنية والبيئية والصحية لجمعه ونقله وفرزه وتدويره، إضافة إلى معايير إعادة استخدامه في المشاريع المختلفة.
من جهته، رأى المهندس ناجي سرحان، الوكيل السابق لوزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، والخبير في شؤون الإعمار، أن ملف الركام بات اليوم أحد أكثر التحديات تعقيدا في مرحلة ما بعد الحرب، ليس فقط بسبب حجمه، بل لطبيعة التعامل المطلوب معه.
وبحسب سرحان، فإن ما يجري حاليا من عمليات تدوير للركام، رغم أهميته، لا يزال محدودا للغاية، ولا يمكن اعتباره معالجة فعلية لهذا الملف.
وأوضح للجزيرة نت أن معظم ما يُجمع من رُكام يأتي في سياق فتح الطرق المغلقة، حيث تُزال الأنقاض لتسهيل الحركة، لكن دون أن يشكّل ذلك منظومة تدوير واسعة. وأضاف "الكميات التي يتم التعامل معها الآن لا تكاد تُذكر مقارنة بالحجم الكلي الذي يقترب من 60 مليون طن".
وأشار إلى أن التعامل مع كميات الركام، يتطلب إمكانيات وميزانيات كبيرة، تفوق القدرات المتاحة في القطاع، وقدّر أن تكلفة عملية إزالة الركام وحدها قد تصل إلى نحو 500 مليون دولار.
وأردف سرحان "في حرب 2014، التي كانت تُعدّ الأكبر قبل الحرب الحالية، بلغ عدد الوحدات السكنية المُدمَّرة نحو 11 ألف وحدة. أما اليوم، فالحديث عن نحو 340 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة بالكامل، و70 ألفا بشكل جزئي وطفيف، من أصل قرابة 500 ألف وحدة كانت قائمة في القطاع قبل الحرب".
وأكمل "نحن أمام دمار شامل تقريبا"، مشيرا إلى أن هذا الواقع يجعل من إزالة الركام عملية "ضخمة" تتجاوز ما تم التعامل معه في أي مرحلة سابقة.
وتطرّق إلى عمليات إعادة تدوير الركام التي جرت عقب الحروب السابقة على القطاع، مشيرا إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كان قد توّلى هذا الملف، حيث أنشأ مواقع مخصصة لتجميع الركام وفرزه وطحنه، مع طرح عطاءات لمقاولين محليين لتنفيذ هذه الأعمال، وتم استخدام الناتج في مشاريع البُنية تحتية.
لكن، وبحسب سرحان، فإن تلك التجربة، رغم نجاحها، فإنها كانت تتعامل مع كميات من الركام، لا تُقارن بما هو قائم اليوم. وأضاف "نحن لا نتحدث اليوم عن كميات عادية يمكن التعامل معها بإجراءات تقليدية. حجم الدمار الحالي يتطلب بنية تشغيلية مختلفة كليا عما كان معمولا به في الحروب السابقة".
وأردف "نحن بحاجة إلى كسَّارات كبيرة، وآليات ثقيلة، وأسطول شاحنات لنقل الركام، إضافة إلى مساحات واسعة تُخصص كمواقع للتجميع والطحن".
ناجي سرحان: هناك سيناريوهات ممكنة للتعامل مع الركام منها تدعيم شاطئ قطاع غزة (الجزيرة)وفيما يتعلق بوجود مشاريع للتعامل مع ملف الركام، كشف سرحان أن العديد من الجهات كالوزارات والبلديات والمؤسسات الدولية قد وضعت بالفعل دراسات للتعامل مع الركام، لكنها تبقى "خططا نظرية"، في انتظار استقرار الأوضاع والبدء الحقيقي في إعادة الإعمار.
وطرح الخبير سرحان مجموعة من السيناريوهات الممكنة للتعامل مع الركام، مشيرا إلى أن الأمر لا يقتصر على إعادة التدوير فقط.
وفيما يتعلق بالكتل الخرسانية الكبيرة، رأى أن ثمة إمكانية لاستخدامها في تدعيم شاطئ قطاع غزة، للحد من ظاهرة تآكله، أو حتى في مشاريع ردم جزئي للبحر، بهدف توسيع المساحة الجغرافية للقطاع، مبينا أن هذا الخيار مطروح ضمن بعض الخطط، بما فيها الخطة المصرية لإعادة الإعمار.
أما الجزء الآخر من الركام، فيمكن طحنه واستخدامه في شق الطرق وتعبيدها، أو في أعمال تسوية الأراضي.
وعقب الحرب الأولى التي شنّتها إسرائيل على غزة، بين عامي 2008 و2009، بدأ المقاولون المحليون في تدوير الركام، بإمكانياتهم الذاتية.
منازل مدمرة تحولت إلى أكوام من الركام تعكس حجم الخسائر الهائلة التي لحقت بالقطاع (الجزيرة)من ناحيته، قال المهندس الاستشاري عادل أبو حمّاد، الذي سبق أن عمل في مشاريع إعادة الإعمار وتدوير الركام، إن القطاع لا يبدأ من الصفر في هذا المجال، بل يمتلك خبرة تراكمية تعود إلى جولات التصعيد السابقة، حين جرى تنفيذ مشاريع مشابهة لإعادة استخدام الأنقاض في أعمال البنية التحتية.
لكن، وبحسب تقديره، فإن الفارق اليوم "جذري"، نظرا للكم الهائل من الركام، وقلة الآلات المتوفرة.
واتفق أبو حمّاد مع سابقيه، في أن ما يجري حاليا لا يُعَد عملية إزالة للركام، بل فقط "تنظيف للشوارع من الركام، وإزالة بعض الكتل الخرسانية من مبان آيلة للسقوط"، حيث إن عملية إعادة الإعمار لم تبدأ بعد، وهي مرتبطة بالحلول السياسية. وأضاف "حاليا يتم تنظيف الشوارع، وطحن حوالي 1000 طن يوميا، وهي كميات محدودة قياسا بالركام الموجود".
الموجود من الآليات المستخدمة لا يفي سوى بنحو 5% من المطلوب لإزالة الركام (الجزيرة)وأوضح أبو حمّاد للجزيرة نت أن مؤسسات مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركائه طرحت، خلال الفترة الماضية على القطاع الخاص، "نحو 20 مناقصة لجمع وترحيل وطحن الركام في الشوارع ومبان حكومية مهدمة، وحتى الآن لم يتم العمل في جمع الركام من المباني".
وذكر أبو حمّاد أن عدد شركات المقاولات المحلية التي عملت في مجال إزالة وتدوير الركام يتراوح ما بين 5 الى 6 شركات. ولفت إلى أن جميع هذه الشركات تفتقد حاليا للآليات اللازمة للعمل، من شاحنات وجرّافات وكسارات، وغيرها من المعدات.
وأضاف أن ما يتوفر حاليا في كل القطاع من المعدات الميكانيكية السليمة: 5 آلات من نوع باقر (آلة ثقيلة لتحطيم الباطون)، وعشرات الجرافات، والشاحنات، و5 كسّارات ركام صُنعت محليا، موضحا أن "الموجود من الآليات، لا يفي سوى بنحو 5% من المطلوب لإزالة الركام".
دمار واسع في الأحياء السكنية حيث تحولت المنازل إلى كتل خرسانية متراكمة (الجزيرة)أنقاض المباني المدمرة تغطي مساحات واسعة في قطاع غزة في ظل دمار طال معظم البنية السكنية جراء الحرب (الجزيرة)الآلات المستخدمة في تدوير الركام في قطاع غزة قديمة ومتهالكة وكثيرة الأعطال (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة