آخر الأخبار

هكذا تصمد بلدة تياسير الفلسطينية أمام تغول الاستيطان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تياسير (طوباس)- تعيد حادثة إعدام الشهيد علاء صبيح (28 عاما) على ثرى قرية تياسير شرق مدينة طوباس شمالي الضفة الغربية، تسليط الضوء على تصاعد اعتداءات المستوطنين في المنطقة.

ويقر جيش الاحتلال بأن مطلق النار على الشهيد "جندي كان في إجازة"، مما يضع المشهد في سياق أوسع يشير إلى أن جنود الجيش الإسرائيلي يقتلون الفلسطينيين مرة بالزي العسكري ومرة بالزي المدني، ويثير تساؤلات حول وجودهم داخل بؤر استيطانية في قرى فلسطينية، وطبيعة تداخل الأدوار بين المستوطنين والجيش.

وفوق إعدامه أثناء ذهابه إلى الدفيئات الزراعية الخاصة بالعائلة، احتجز جيش الاحتلال جثمانه ويرفض تسليمه، حسب حديث والده خالد صبيح للجزيرة. فيما يقول ابن عمه فارس إن الشهيد هبّ كباقي شباب القرية دفاعا عن أرضه ووطنه لصد اعتداءات المستوطنين.

جنة الأرض ثمنها غال

الاعتداءات التي أودت بحياة صبيح، هي ذاتها التي يواجهها المزارعون في منطقة "الصافح" في تياسير، من ملاحقة واعتداءات متكررة، إضافة إلى إحراق منازل وتدمير ممتلكات، كما حدث مع عائلة الفقير، والاعتداء على المزارع عنان دراغمة وغيرهم كُثر.

ويقف المواطن عنان دراغمة، من سكان منطقة "الصافح" وسط بستانه على امتداد 120 دونما (الدونم ألف متر مربع)، متأملا أشجار المشمش والخوخ والليمون والتين والزيتون التي رعاها على مدى سنوات.

ولا يقتصر عنان على كونه مزارعا تقليديا، بل يُعرف كصاحب رؤية وطموح؛ إذ نجح في تطوير مزرعته مستعينا بخبرات خارجية، ليحوّل أرضا كانت مرعى للأغنام إلى سلة غذائية خضراء توفّر مصدر رزق لأكثر من 20 عائلة فلسطينية.

لكن هذا الطموح اصطدم بواقع استيطاني قاسٍ، فرغم أن أرض عنان تقع ضمن منطقة "أ" الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية فإنها لم تنجُ من اعتداءات المستوطنين.

وكانت اتفاقية أوسلو2 لعام 1995 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية قد قسمت أراضي الضفة إلى 3 مناطق: "أ" وتخضع لسيطرة فلسطينية لكن تم اجتياحها كاملة عام 2002، و"ب" وتخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية ومدنية فلسطينية، و"ج" وتبقى خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60% من أراضي الضفة.

مصدر الصورة "الصافح" من أراضي بلدة تياسير التي تتعرض لهجوم استيطاني متكرر دفع عائلات إلى الهجرة (الجزيرة)

اقتحام وضرب ونار

لم تقتصر الاعتداءات على عنان وأمثاله من المزارعين على إطلاق قطعان الأبقار في المحاصيل الزراعية وبين الأشجار، أو قطع خطوط المياه الممتدة لآلاف الأمتار، بل وصلت إلى الاعتداء الجسدي المباشر عليه وعلى المزارعين بالهراوات، وإحراق مركبته وعددا من المنازل.

إعلان

ويقول دراغمة: "قبل أسبوع هاجمتنا مجموعة من المستوطنين، اعتدوا علينا بالضرب وتسببوا لي بكسر في يدي وسحق عظامي، ثم أحرقوا منازل جاري وسيارتين لي".

تفاقمت الاعتداءات منذ 3 أشهر عندما أقام المستوطنون أول بؤرة استيطانية داخل البلدة، على أراضٍ ذات ملكية خاصة، ورغم إزالتها عقب احتجاج الأهالي، يحاول المستوطنون مرارا إقامة بؤر جديدة آخرها بؤرة حديثة في منطقة "العقبة"، بعد الاستيلاء على مصادر المياه ونصب خيام في الموقع، حسب دراغمة.

ورغم الاعتداءات المتكررة والمخاطر التي تحيط به وبمزرعته والعاملين فيها، يصرّ عنان على التمسك بأرضه ومواصلة مشروعه "نحن استصلحنا هذه الأرض من العدم، إذ كانت غير صالحة للزراعة، ولن نغادرها".

مصدر الصورة دراغمة: هجمات المستوطنيين تلاحقنا في أملاكنا الخاصة ومناطق تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية (الجزيرة)

فصول من معاناة

قصة عنان ليست سوى فصل واحد في رواية تهجير كبرى تُكتب فصولها اليوم في الأغوار الشمالية وشرق طوباس، وكامل الضفة الغربية. فعلى بعد أمتار قليلة من مزرعة دراغمة كان منزل المواطن علي الفقير، قبل أن يتحول إلى كومة من الرماد بعد إضرام المستوطنين النار فيه.

فلم تلتهم النيران الجدران والأثاث فقط، بل طالت حقائب الأطفال وكتبهم الدراسية، تاركة العائلة بلا مأوى. ويقول علي إن هذا الاعتداء أدى إلى تشتت أسرته المكونة من 16 فردا، حيث اضطر لنقلهم إلى مكان أكثر أمانا، بينما بقي وحيدا يحرس ما تبقى من ذكرياته.

ورغم زيارات جهات دولية ومحلية لتوثيق الأضرار، لم يتلقَ الفقير سوى خيمة واحدة كمأوى مؤقت. ومع ذلك، يصر على العودة، مؤكدا ارتباط أطفاله بمدارسهم وغياب أي بديل آخر.

المفارقة أن هذه ليست المرة الأولى، فقد هُجّر علي وعائلته قبل عام من منطقة المالح شمالي الأغوار، ليجد نفسه اليوم يواجه المصير ذاته في تياسير.

ويقول: "في السابق كانوا يبررون ذلك بأنها مناطق مصنفة "ج"، أي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة وفق اتفاقية أوسلو أو بذريعة تصنيفها محميات طبيعية أو مناطق عسكرية، لكن اليوم نحن في مناطق "أ" ومع ذلك نواجه الاعتداءات نفسها".

خنق التوسع السكاني

وفي قراءة للمشهد العام، يوضح هاني أبو علي، رئيس مجلس قرية تياسير، أن منطقة "الصافح" تُعد من أهم المناطق الزراعية في البلدة، لكنها باتت اليوم محاصرة ببؤر استيطانية تخنق التمدد الفلسطيني.

ويوضح أن البؤر الاستيطانية لا تبعد أكثر من 200 متر عن منازل السكان، مما وضع مئات الدونمات الزراعية والبيوت البلاستيكية (الدفيئات الزراعية) تحت تهديد مباشر من المستوطنين.

وعن واقع البلدة والتحديات الراهنة، يصف الوضع بأنه "تضييق ممنهج"، حيث يواجه المزارعون صعوبات كبيرة في الوصول إلى أراضيهم، لقطف المحاصيل أو ري المزروعات.

ولا يتوقف الأمر عند المنع الجسدي، بل وصل إلى حد الاستيلاء على الموارد، إذ قام المستوطنون بشبك خطوط المياه والكهرباء الخاصة بهم من شبكات المزارعين الفلسطينيين في المنطقة، مما شكل عبئا اقتصاديا ونفسيا هائلا على أصحاب الأرض الذين باتوا يشاهدون موارد ثروتهم تُسرق أمام أعينهم لدعم بؤر استيطانية غير شرعية، حسب أبو علي.

مصدر الصورة أبو علي: معركتنا الوجودية مستمرة رغم شبح النزوح الذي يهدد السكان (الجزيرة)

معركة قانونية وميدانية

يشير رئيس المجلس القروي إلى أن التحركات لمواجهة تمدد الاستيطان، لا تتوقف على المستوى الرسمي والقانوني، حيث يواصل المجلس ضغوطه اليومية عبر التواصل المستمر مع الارتباط العسكري والمدني الفلسطيني (جهتا اتصال رسميتان مع الجانب الإسرائيلي) لوضع حد لهذه الانتهاكات.

إعلان

ويشير إلى أن هناك وعودا تلقاها المجلس بإزالة البؤرة الاستيطانية الأخيرة، وهو المطلب الذي يصر عليه الأهالي لضمان عودة الحياة إلى طبيعتها، مؤكدا في الوقت ذاته استمرار "المعركة القانونية والميدانية في آن واحد لإثبات زيف الادعاءات الإسرائيلية التي تحاول فرض وقائع جديدة على الأرض".

ويكشف أبو علي عن تسجيل حالات نزوح فعلية، خصوصا بين التجمعات البدوية، مقابل استمرار سكان البلدة في التمسك بأراضيهم والرباط فيها رغم المخاطر.

ويطالب رئيس المجلس القروي وزارة الحكم المحلي والجهات المعنية بشق طرق زراعية وتوصيل شبكات الكهرباء للمناطق النائية "كأدوات لتعزيز صمود السكان"، مؤكدا أن "توفير البنية التحتية هو السلاح الأهم لتثبيت المزارعين في أراضيهم ومنع تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين".

تهديد للمشروع الوطني

أمام هذه الشهادات الحية من "الصافح" و"تياسير"، يضعنا الخبير عبد الناصر مكي، المتخصص في شؤون الاستيطان بالأغوار، أمام القراءة الكلية لهذا المشهد، موضحا أن ما يجري في تياسير ليس معزولا، بل يندرج ضمن سياسة " الاستيطان الرعوي" التي تهدف إلى تهجير الفلسطينيين عبر الضغط اليومي، لاستغلال طبيعة المنطقة الخصبة والغنية بالمياه وتحويلها إلى مناطق نفوذ استيطانية خالصة.

ويضيف أن منطقة الأغوار تزيد مساحتها على ألف كيلومتر مربع وتضم مواقع حيوية مثل "الصافح" وبردلة وكردلة وعين البيضاء، وكلها تمثّل "الامتداد الإستراتيجي والمستقبلي لأي دولة فلسطينية".

لذا، تسعى إسرائيل للقضاء على هذه الفكرة من خلال السيطرة على "السلة الغذائية" للضفة الغربية، وفق الباحث في شؤون الاستيطان، "فمنطقة تياسير تحديدا تُعتبر من أهم المناطق الحيوية زراعيا ومائيا، وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة أو محميات طبيعية أو بؤر رعوية يهدف في جوهره إلى قطع الطريق أمام أي سيادة فلسطينية مستقبلية على هذه الحدود الحيوية مع الأردن".

مصدر الصورة بيت بلاستيك أحرقه المستوطنون في منطقة الصافح بقرية تياسير (الجزيرة)

تهجير صامت

ويلفت مكي إلى أن البؤر الاستيطانية لا تأبه للتقسيمات السياسية للأرض، فـ"مناطق "أ" يُفترض أنها تخضع لسيطرة فلسطينية صرفة، لكنها لم تنجُ من التغول الاستيطاني، إذ ضربت إسرائيل بكافة الاتفاقيات عرض الحائط، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبات الجيش والمستوطنون يستهدفون المزارع والأراضي فيها".

ويرسم مكي سيناريوهات قاتمة للمستقبل في حال استمرار هذا التصعيد، محذرا من " تهجير قسري" صامت يجري تحت وطأة الترهيب اليومي. عبر استهداف مصادر الرزق من خلال خلق "عوامل طرد" للسكان الفلسطينيين، مقابل توفير "عوامل جذب" وتسهيلات للمستوطنين لتفريغ الأرض من أصحابها.

ويختتم بالتشديد على ضرورة تحرك كافة المؤسسات الفلسطينية والدولية بشكل عاجل للمحافظة على "وحدة الأغوار"، معتبرا أن المعركة في تياسير هي معركة وجودية تتجاوز حدود القرية لتشمل مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برّمته.

معطيات وأرقام

تشكل منطقة الأغوار نحو 30% من مساحة الضفة، و تُعد من أكثر مناطق الضفة الغربية استهدافا من قبل الاستيطان الإسرائيلي، نظرا لمكانتها الإستراتيجية وأهميتها الزراعية ووفرة الموارد المائية والأراضي الخصبة "لتشكّل بمجموعها ركيزة أساسية للأمن الغذائي الفلسطيني".

وبحسب تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حول أبرز انتهاكات عام 2025، فإن الاحتلال بات يفرض سيطرته على أكثر من 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية، عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، في سياق يعزز تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

ويشير التقرير إلى أن العام الماضي شهد تصعيدا "غير مسبوق" في وتيرة الاعتداءات، حيث نفذ جيش الاحتلال والمستوطنون 23 ألفا و827 اعتداء في مختلف المحافظات، في أعلى حصيلة تُسجل خلال عام واحد.

إعلان

كما أدت هذه السياسات إلى تهجير 13 تجمعا بدويا منذ مطلع العام، تضم 197 عائلة قوامها 1090 فردا، في وقت سيطر فيه المستوطنون على تلك المناطق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا