في وقت تشتد فيه وطأة أزمة النزوح في السودان بالتزامن مع مرور نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب هناك، فجرت تظاهرة شعبية في أقصى شمالي البلاد موجة عارمة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي.
القصة بدأت من منطقة "دلقو المحس" بالولاية الشمالية، حيث حمل مواطنون مذكرة ممهورة بتوقيع بعض الأهالي وتوجهوا بها إلى مكاتب الحكومة، يعلنون فيها رفضهم القاطع لما وصفوه بـ"خطط توطين" نازحي الحرب القادمين من إقليمي دارفور وكردفان، في المنطقة.
المحتجون الذين حملوا لافتات ترفض ما سموه "التوطين"، سلموا والي الولاية الشمالية مذكرة احتوت على ثمانية بنود مطلبية. استُهلت المذكرة بمقدمة دفاعية، تؤكد أن الموقف لا ينطلق من "ضيق إنساني" أو "تنصل من الواجب"، بل يستند إلى "رؤية مسؤولة لحماية النسيج الاجتماعي".
وركزت هذه البنود على أن محلية دلقو تعاني من "هشاشة في البنية التحتية"، وأنها غير مهيأة لاستيعاب زيادة سكانية مفاجئة قد تؤدي لـ"انهيار الخدمات". كما ذهبت المذكرة لأبعد من ذلك، محذرة من أن "أي تغيير ديموغرافي مفاجئ سيهدد التوازن الاجتماعي القائم منذ قرون"، معتبرة أن اتخاذ قرارات دون إشراك "أصحاب الأرض"، يمثل إخلالاً بمبدأ المشاركة المجتمعية. ومن الناحية البيئية، لفتت المذكرة إلى أن قرى مثل كدا وكدرمة، أصبحت متأثرة بأنشطة التعدين، مما يجعلها "غير صالحة للسكن الآدمي".
لكن ما نقل الجدل إلى فضاء منصات التواصل الاجتماعي في السودان، هي مقاطع مصورة متداولة للمحتجين، وصف فيها أحدهم منطقتهم بأنها "أرض مباركة مشى عليها الأنبياء"، مضيفاً عبارة اعتبرها الكثيرون ذات دلالات عنصرية قال فيها: "كيف نقبل بأناس لا يشبهونا في ثقافتنا، ولا حضارتنا ولا مكوننا المجتمعي، بأن يكونوا معنا في هذا المكان".
وعلق ناشطون مناهضون للوقفة عبر هاشتاغ #السودان_يسع_الجميع، معتبرين أن لغة "ما بشبهونا" هي ذاتها التي قادت لتمزيق البلاد سابقاً. وكتب أحد النشطاء على منصة "إكس": "من المؤسف أن يقابل واقع النزوح المؤلم بخطاب إقصائي داخل الوطن الواحد.. هذا يهدد ما تبقى من روابط اجتماعية".
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند الجدل الشعبي، بل امتدت لتطال الملف الإعلامي بقرار من وزارة الثقافة والإعلام في السودان قضى بالوقف الفوري لنشاط قناة "سودانية 24" وسحب تراخيصها. وبررت الوزارة هذا القرار برصد "مخالفات مهنية وقانونية"، وكذلك تهديد للأمن الوطني، وجاء ذلك عقب دعوات مكثفة أطلقها ناشطون للوزارة باتخاذ إجراءات ضد القناة.
وفي المقابل، جاء رد فعل القناة "دبلوماسياً" في بيانها الأخير، إذ قالت إنها "تتفهم القرارات التنظيمية" التي اتخذتها الوزارة، مؤكدة حرصها على معالجة كل ما يقود إلى سوء فهم مهني، وأشارت إلى أنها تهدف للحفاظ على وحدة النسيج المجتمعي والابتعاد عن المحتوى الذي يشجع الانقسامات القبلية.
ويشار إلى أن "سودانية 24" هي قناة سودانية خاصة، كانت قد أغلقت مكتبها في الخرطوم عقب اندلاع الحرب في السودان قبل نحو ثلاث سنوات، وواصلت بث برامجها من خارج البلاد عبر منصات رقمية.
من جانب آخر، برزت أصوات تدافع عن المنطق الذي صيغت به المذكرة الاحتجاجية. فقد كتب المحامي عبدالقادر الحبرابي مقالاً للتفرقة ما بين ما وصفه بـ "الإيواء الإنساني" و"التوطين الدائم"، مؤكداً أن "الدفاع عن الخصوصية ليس عنصرية". وأيدته الصحفية آيات فضل بمنشور نادى بمعالجة أزمات سكان منطقة دلقو قائلة: "ما ممكن تحِل للنازحين مشاكلهم وبمجرد ما يحل ضرر على أصحاب المنطقة ويطالبوا بمعالجته نقول عليهم عنصريين!".
في المقابل، أبدت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر امتعاضها من هذه الاحتجاجات، قائلة في بيان وجهته لأهالي الولاية الشمالية: "ما يعيشه أهلنا لن يدوم.. سنعود إلى ديارنا أعزاء رغم أن السودان ملكٌ لأبنائه، ومن حقّنا أن نكون حيث نريد أحراراً كراماً". كما وصف وزير إعلام إقليم دارفور التحركات الاحتجاجية بـ"المسلك الخطير"، متوعدا بملاحقة مثيري خطاب الكراهية.
وفي تحرك لاحتواء الأزمة، خلص اجتماع مشترك ضم لجنة أمن دلقو وأعيان المنطقة وتنسيقية نازحي دارفور إلى التبرؤ مما وُصِفَ بـ "خطاب الكراهية". وأكد المشاركون في الاجتماع أن المواقف "العنصرية" لا تمثل السكان في المنطقة. وكخطوة عملية، أعلن المجتمعون تسيير قافلة دعم مشتركة للنازحين بمعسكر العفاض في منطقة الدبة بالولاية الشمالية، في محاولة لإثبات أن "الوطن ما زال يجمع الشمل".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة