بغداد – يبدو أن الطريق إلى القصر الحكومي في بغداد لا يزال شاغرا دون أي بوادر حقيقية لفك عقد الأزمة السياسية في البلاد بعد 5 أشهر على الانتخابات التشريعية، فالدورة البرلمانية السادسة الحالية لم تفلح حتى الآن إلا في حسم ملف رئاسة البرلمان دون تمكّنها من اختيار رئيس الجمهورية وتكليف رئيس وزراء جديد للبلاد.
ويواجه ملف تشكيل الحكومة، مع احتدام الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية ودخول شهرها الثاني، صعوبات أكثر تعقيدا، إضافة للعقبات الماضية والفيتو الأمريكي على ترشيح نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء واختلاف الأحزاب الكردية حول مرشحهم لمنصب رئاسة الجمهورية.
ورغم إعلان رئاسة البرلمان تحديد يوم 11 أبريل/نيسان لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، يشكك كثير من المراقبين في إمكانية ذلك، في حين يتهم الشارع العراقي الكتل السياسية بالبعد عن الواقع وما تواجهه البلاد من مخاطر.
لا يُخفي العراقيون تخوفهم الكبير مما آلت إليه أحوال البلاد.. علي كريم واحد من هؤلاء الذين التقتهم الجزيرة نت، حيث يؤكد أن الطبقة السياسية بعيدة عن الواقع وعن مصالح الشعب ولا تهتم إلا بتحصيلها القدر الأكبر من المكاسب السياسية والاقتصادية، وقال: "إن الحرب على إيران وتأثيرها المباشر على العراق كان يحتم على ساسة البلاد الإسراع بتشكيل الحكومة وحماية البلاد بدل كيل الاتهامات لبعضهم البعض، لا أعتقد أننا سنشهد حكومة قريبا".
أما ميسون العبيدي (36 عاما) الموظفة في وزارة البلديات فتقول للجزيرة نت: "إن الأوضاع الاقتصادية تتجه نحو الأسوأ وعدم اتفاق ساسة البلاد على تشكيل الحكومة عطل الحكومة الاقتصادية، فالدولة دون موازنة ودون نفقات تشغيلية وكل شيء متوقف تماما، نخشى أن تتدهور الأوضاع أكثر في ظل تعنت الجميع وإصرارهم على مصالحهم فقط".
وفي ظل هذه المخاوف المحلية، تطرح في الداخل العراقي وفي الأروقة السياسية أسئلة حول إمكانية حسم هذه الملفات وارتباطها بملف الحرب الإيرانية، فضلا عن سؤال السيناريوهات المحتملة.
وفق ما أعلنت عنه رئاسة البرلمان، تم تحديد 11 أبريل المقبل موعدا لانتخاب رئيس الجمهورية، إلا أن النائب الكردي جمال كوجر توقع، في مكالمة هاتفية مع الجزيرة نت، استمرار الوضع على ما هو عليه، واتجاه نواب الكتل السياسية لعدم إكمال النصاب القانوني داخل البرلمان.
وفي موازاة هذا الطرح، يشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة جيهان الدكتور مهند الجنابي إلى عدم إمكانية استمرار هذه الأزمة إلى ما لا نهاية، غير أنها قد تُؤجَّل إلى شهر يوليو المقبل لانتخاب رئيس الجمهورية فقط انطلاقا من الاعتماد على نتائج الحرب على إيران والتوافقات اللاحقة، في ظل المنافسة داخل الكتل الشيعية على تسمية رئيس الوزراء.
وفي معرض حديثه للجزيرة نت، بيّن الجنابي أن العامل الرئيسي والمؤثر في مفاوضات الكتل السياسية هو موقف واشنطن، لا سيما أن الرئيس الأمريكي هدد البلاد بعقوبات اقتصادية قاسية في حال الإصرار على المضي في ترشيح نوري المالكي، في الوقت الذي لم يعلن فيه الإطار التنسيقي حتى اللحظة عن استبعاد المالكي وترشيح آخرين للمنصب.
وعن طبيعة الخلاف، يؤكد النائب الكردي جمال كوجر استمرار الخلافات داخل المكونات وفيما بينها، بيد أن المعضلة الرئيسية تتمثل في الخلافات العميقة بين أجنحة الإطار التنسيقي ذاته، وأنه في حالة توافق الأطراف الشيعية، فإنها ستمضي في اختيار رئيس الجمهورية وتكليف رئيس للوزراء بعيدا عن الرأي الكردي بمجمله، سيما أن الكتل السياسية السنية ستكون عندئذ مع إجماع الإطار الشيعي، وفق قوله.
ويتفق مع هذا الطرح ما ذهب إليه الكاتب والباحث السياسي الكردي كفاح محمود الذي أضاف أن المسؤولية الأكبر تقع على ساسة الشيعة مع عدم إنكاره للانقسام الكبير الذي يعيشه المكوّن السياسي الكردي كذلك، منبها إلى أن الفاعل في هذه الخلافات هم الشيعة الذين عكسوا خلافاتهم على المواقف الكردية في هذا الجانب.
وفي حديث للجزيرة نت، بيّن كفاح محمود أن هناك 3 لاعبين أساسين دوليين في ملف تشكيل الحكومة، وهم واشنطن وطهران وأنقرة بدرجة أقل، مبينا أنه دون موافقة واشنطن، فإن تشكيل الحكومة لن يمر، في مقابل إصرار طهران على بقاء نفوذها السياسي في العراق، لما تمتلكه من ثقل سياسي وفصائل مسلحة مؤيدة لها، وفق قوله.
في غضون ذلك، يرى الباحث السياسي في مركز بناء السلام الدكتور محمود عزو أن الخلافات السياسية متشعبة داخل البيت الكردي والشيعي، وأن دخول أطراف سياسية لها أذرع مسلّحة في الحرب الحالية على إيران أسهم في تعقيد وتعطيل ملف تشكيل الحكومة إلى أن تضع هذه الحرب أوزارها.
وفي معرض حديثه للجزيرة نت، يرى عزو أن الكتل السياسية الشيعية والكردية وفي ظل الوضع الحالي لديها إمكانية اللجوء للثلث المعطل لأي جلسة برلمانية لانتخاب رئيسي الجمهورية والوزراء، حيث سبق أن وقّع قرابة 200 نائب من أصل 329 نائبا لأجل عقد جلسة برلمانية لأجل استكمال الاستحقاقات الدستورية، بيد أن أكثر من 100 نائب انسحب لاحقا بسبب التوجهات التي لا تزال متباعدة.
ويبدو أن ملف تشكيل الحكومة العراقية بات مرهونا بنتائج الحرب على إيران، وذلك وفق ما بينه رئيس مركز التفكير السياسي الدكتور إحسان الشمري، لافتا إلى أن طبيعة الحرب انعكست على الداخل العراقي بصورة مباشرة، وأن الجغرافيا العراقية باتت ساحة لتحقيق الانتصار، في ظل سعي واشنطن لمحاولة فك الارتباط بين العراق وإيران وصياغة معادلة جديدة، مما أدى بالمجمل لتعزيز الخلافات داخل المكونات السياسية المحلية.
وفي مداخلة هاتفية مع الجزيرة نت، أوضح الشمري أن نتيجة هذه الحرب ستنعكس على شكل الحكومة العراقية، سواء في حال انتصرت واشنطن أو ذهبت الأحداث لتسوية من نوع ما، سيما أن الفصائل المسلحة في البلاد بات لها حضور كذلك من خلال تصريحها بأن تشكيل الحكومة لن يمر إلا بضوء أخضر منها.
من جانبه، يرى مهند الجنابي أنه كان يمكن حل هذه الخلافات داخليا، إلا أن دخول الفصائل المسلحة طرفا في الحرب مع إيران أدى لأن يكون هذا الملف وثيق الارتباط بنتائج هذه الحرب.
سيناريوهات عديدة ينتظرها العراقيون فيما يتعلق بتشكيل حكومتهم القادمة في خضم تأزم الأوضاع الإقليمية وجمود المشهد السياسي في البلاد، إذ يطرح الكاتب الكردي كفاح محمود 3 سيناريوهات قد يتحقق أحدها بعد انتهاء الحرب على إيران، التي لن تخرج -وفق قوله- منها بالقوة العسكرية والسياسية ذاتها ولا بالتأثير الإقليمي نفسه وهي:
أما أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بغداد إحسان الشمري فيرى من جانبه أنه ليس من الواضح إلى أين تتجه الأوضاع في البلاد على كل الأصعدة، وأن الأوضاع الحالية تحتم الانتظار لشهر أو اثنين بانتظار ما ستؤول إليه الحرب على إيران والتي ستحدد بدورها سيناريوهات الوضع في البلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة