آخر الأخبار

حرب الاستنزاف وميزان القوى.. نهاية عصر الانتصارات العسكرية الحاسمة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يشير العديد من الصحف الغربية والإسرائيلية إلى أن التطورات العسكرية والأمنية المتلاحقة في الشرق الأوسط دليل واضح على تحوُّل جذري في طبيعة الصراعات المعاصرة، إذ انتقلت المواجهة من الحروب الخاطفة والحسم العسكري السريع إلى الاستنزاف الطويل الأمد والمعقد إقليميا.

وفي قراءة لعدد من هذه الصحف، يظهر بوضوح أن موازين القوى التقليدية بدأت تتآكل أمام إستراتيجيات جديدة تعتمد على النفس الطويل واللامركزية والقدرة على الصمود المادي والنفسي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 جدعون ليفي: حرب إيران قد تعصف بالغطاء الأمريكي لإسرائيل
* list 2 of 2 بين الخطاب والوقائع.. كيف تفضح حرب إيران الرواية الأمريكية؟ end of list

نظام مخصَّص للاستنزاف

ينقل مراسلا صحيفة فايننشيال تايمز، تشارلز كلوفر من لندن ونيري زيلبر من تل أبيب، أن إيران تشن حملتها الصاروخية في ظروف قاسية كفيلة بشل أي جيش حديث، لكنها صممت نظاما عسكريا مخصَّصا لحروب الاستنزاف الطويلة.

وقال المراسلان إن هذا النظام أثبت قدرته على العمل بفاعلية رغم الهجمات الجوية المكثفة واغتيال كبار القادة واضطراب شبكات الاتصال. ونقلا عن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي قوله إن طهران وسَّعت نطاق هجماتها لتشمل دول الخليج وحلفاء واشنطن، مما يعكس رغبة في تحويل الصراع إلى أزمة إقليمية شاملة تضغط على الاقتصاد العالمي وتشتت الجهود الدفاعية للخصوم.

مصدر الصورة أَضرار كبيرة إثر سقوط شظايا صواريخ إيرانية على أهداف في تل أبيب يوم 31 مارس/آذار 2026 (مواقع التواصل الاجتماعي)

تاريخ الهزائم الأمريكية

وفي شرح لهذا التحول في ميزان القوى، أشارت الصحيفة إلى ما ذكره وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده استوعبت دروس الهزائم الأمريكية طوال عقدين لتطوّر ما يسميه الدفاع الفسيفسائي اللامركزي.

هذه العقيدة التي عبَّر عنها عراقجي، كما يحللها الخبير الأمريكي في الشؤون الإيرانية بهنام بن طالبلو، وهو من أصول إيرانية، تمنح القادة الميدانيين استقلالية واسعة، وتجعل القضاء على التهديد مستحيلا عبر ضربات قطع الرأس التقليدية.

إعلان

ويرى الباحث البريطاني روبرت تولاست -حسب تقرير فايننشيال تايمز- أن لجوء إيران إلى وسائل اتصال تقليدية وبديلة يقلل من قيمة التفوق التكنولوجي للخصم، مما يدفع المواجهة نحو صراع إرادات طويل الأمد.

الاستنزاف النفسي

من جهة أخرى، تُبرز تقارير صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية، التي أعدها طاقمها التحريري، وجها مختلفا لهذا الاستنزاف.

يرى المحللون في الصحيفة أن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف النفسي، إذ يميل ميزان القوى المادي إلى مصلحة التحالف الأمريكي الإسرائيلي الذي يجرّد إيران من قدراتها العسكرية ساعة بساعة.

ومع ذلك، ينقل التقرير عن مسؤول إسرائيلي رفيع -لم يسمّه- أن إسرائيل تعد خطة إستراتيجية لضرب شبكة الطاقة والوقود الإيرانية بالكامل، في انتظار ضوء أخضر من واشنطن، لتحويل الاستنزاف العسكري إلى انهيار اقتصادي شامل يجبر النظام على الاستسلام.

لكنَّ هذا التفاؤل بالحسم الاقتصادي يقابله تشكيك في الجدوى الإستراتيجية للحروب الحالية، إذ يطرح الكاتب الإسرائيلي بن درور يميني في موقع "واي نت" رؤية نقدية مفادها أن عصر الانتصارات العسكرية الحاسمة قد انتهى، مستشهدا بعجز القوى العظمى مثل روسيا وأمريكا عن حسم صراعاتها المعاصرة في أفغانستان وأوكرانيا.

بن درور يميني:
ميزان القوى لم يعد يُقاس بالدمار المادي بل بالقدرة على الإخضاع السياسي، وهو ما لم يتحقق تجاه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أو حزب الله رغم الضربات القاسية

تعريف جديد لميزان القوى

ويرى يميني أن ميزان القوى لم يعد يُقاس بالدمار المادي بل بالقدرة على الإخضاع السياسي، وهو ما لم يتحقق تجاه حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) أو حزب الله رغم الضربات القاسية.

ويحذر من أن الوعود الحكومية بالنصر المطلق تقوّض الصمود الإسرائيلي، لأن الواقع الميداني يثبت أن الخصم لا يزال واقفا على قدميه.

لبنان جبهة إسرائيل الرئيسية

وفي قراءة للمشهد اللبناني، يوضح الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل في صحيفة "هآرتس" أن لبنان أصبح الجبهة الرئيسية لإسرائيل في حربها مع إيران، مع غياب تام لأي خطة خروج واضحة.

ويرى برئيل أن ميزان القوى السياسي لا يميل حاليا إلى إسرائيل، إذ بدأ نفوذها في واشنطن يتراجع، وتخلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أهداف كبرى مثل إسقاط النظام الإيراني لمصلحة التركيز على تأمين ممرات الملاحة الدولية.

ويقول برئيل إن هذا التحول جعل إسرائيل تجد نفسها على هامش قضايا إستراتيجية مثل أزمة مضيق هرمز، التي أصبحت الشاغل الأكبر للمجتمع الدولي على حساب الملف النووي.

وتتعزز هذه الرؤية بما نقله برئيل عن المبعوث الأمريكي الخاص توم براك، الذي قال إن فكرة نزع سلاح حزب الله بالقوة هي وهم وغير واقعية.

وأوضح برئيل أن هذا التقييم بدأ يجد صدى داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، إذ يقر المتحدث العسكري الإسرائيلي ناداف شوشاني بأن التهديد المتبقي رغم ضعف حجمه أصبح أكثر تعقيدا ودقة، ويتطلب ملاحقة جراحية صعبة.

ربما تصمد إيران لسنوات

ويدعم الباحث الأمريكي جوناثان روه هذا الطرح، مبيّنا أن انتقال إيران وحلفائها إلى الاعتماد على المنصات المتحركة والمتوارية يمنحهم القدرة على الحفاظ على معدل إطلاق نار مستقر واستنزاف المنظومات الدفاعية المتقدمة لسنوات طويلة.

وتشير الحصيلة النهائية لهذه التقارير إلى أن المنطقة عالقة في وحل من الاستنزاف المتبادل، فبينما تمتلك إسرائيل والولايات المتحدة القدرة على إيقاع دمار مادي هائل بالبنية التحتية الإيرانية واللبنانية، تمتلك طهران وحلفاؤها القدرة على التكيف والعمل اللامركزي واستنزاف العمق المدني والاقتصادي لخصومهم.

إعلان

ويُستشف من التقارير أعلاه أن ميزان القوى الجديد لم يعد يُعرف بمن يمتلك الطائرات الأكثر تطورا، بل بمن يمتلك القدرة على تحمُّل الألم لمدة أطول، وبمن يستطيع الحفاظ على صورته منتصرا في حرب نفسية وإعلامية شرسة.

سيناريوهان للمنطقة

ومع اقتراب المواعيد النهائية والإنذارات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تظل المنطقة أمام سيناريوهين: الانزلاق نحو جحيم عسكري يستهدف عصب الحياة الاقتصادية في إيران والخليج، أو الرضوخ لواقع الاستنزاف الطويل الذي قد يفضي في النهاية إلى تسويات دبلوماسية قسرية تعترف بالأمر الواقع.

وفي كلتا الحالتين، يبدو أن قواعد الحرب التقليدية قد سقطت، ليحل محلها صراع مفتوح النهايات، إذ لا توجد انتصارات مطلقة، بل أطراف تحاول الصمود وسط ركام من الدمار المادي والضغط النفسي العابر للحدود.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا