آخر الأخبار

ما الذي تعلمته إيران من غزو العراق عام 2003؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

"لقد درس قادة الجيش الإيراني حرب العراق عام 2003 بهدف تعلم دروس للمستقبل، وبالأخص إن خاضوا حربا ضد الولايات المتحدة".

في الحروب تُختبر العقائد القتالية ميدانيا، ويقاس مدى فاعليتها تحت ضغط الواقع، ومن ثم تبرز دروس تُعيد تشكيل التفكير الاستراتيجي، وتدفع الجيوش إلى مراجعة أساليب قتالها وبنيتها العسكرية في مواجهة التهديدات.

وقد خاضت إيران حربا طاحنة مع العراق منذ عام 1980 إلى 1988، وانتهت باتفاق وقف إطلاق نار دون أن يهزم أحدهما الآخر، ثم في عام 2003 انهار الجيش العراقي في أقل من 3 أسابيع إثر غزو قادته قوات التحالف الأمريكي البريطاني، ما دفع قادة الجيش الإيراني إلى دراسة مجريات تلك الحرب بهدف تعلم دروس للمستقبل، وبالأخص إن خاضوا حربا ضد الولايات المتحدة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هل يكون خامنئي "الشهيد الثالث" لدى الشيعة الإمامية؟
* list 2 of 2 تحقيق رقمي للجزيرة يكشف: لماذا استهدفت أمريكا وإسرائيل 75 مقرا للشرطة الإيرانية؟ end of list

هنا يبرز كتاب نشرته مؤسسة راند عام 2007 بعنوان "لماذا كانت المقاومة العراقية لغزو التحالف ضعيفة جدا؟"، والذي يقول عنه ستيفن سايمون، مدير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سابقا في مجلس الأمن القومي الأمريكي: "كُلِّف زميلي السابق في مؤسسة راند، ستيفان هوسمر، من طرف القوات الجوية بتحليل أسباب الانهيار الفوري للقوات العسكرية العراقية، فكتب كتابه الذي اعتمد بشكل كبير على المقابلات مع أسرى الحرب وكذلك مع مسؤولي النظام العراقي السابق، ولا يزال يمثل المعالجة الأبرز للموضوع" .

وقد شملت المقابلات العديد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وفي المجمل، ركز كتاب هوسمر على تقديم إجابات لسؤالين: لماذا قاتل الجيش العراقي والحرس الجمهوري بشكل ضعيف؟ ولماذا أخفقت القيادة العراقية في تبني إجراءات دفاعية كان يمكن أن تجعل الغزو أكثر كلفة وصعوبة؟

مصدر الصورة كتاب: لماذا كانت المقاومة العراقية لغزو التحالف ضعيفة جدا؟ (الجزيرة)

أسباب انهيار الجيش العراقي

بدأ الغزو الأمريكي للعراق يوم 19 مارس/ آذار 2003، وانتهى (رسميا) بوصول القوات الأمريكية إلى بغداد في 10 أبريل/ نيسان (رغم غرق أمريكا في المستنقع العراقي لسنوات طويلة لاحقة). وبحلول 1 مايو/ أيار أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن انتهاء العمليات الحربية الرئيسية، التي قُتل خلالها 109 جنود أمريكيين في المعركة، كما سقط 30 قتيلا في عمليات غير قتالية، وأصيب 542 آخرون.

إعلان

غالبا ما يُعزى هذا الانتصار السريع إلى التفوق العسكري والتكنولوجي الذي تمتعت به قوات التحالف، وقدرتها العالية على المناورة وسرعة الحركة مقارنة بِقِدَم المعدات العسكرية العراقية. غير أن هذا التفسير، رغم أهميته، لا يكشف سوى جانب واحد من الصورة، إذ يخفي خلفه مجموعة من الجوانب المرتبطة بتأثيرات طبيعة الدولة العراقية آنذاك، وآليات اتخاذ القرار فيها، ومستوى الإدراك الاستراتيجي للقيادة، وبنية المؤسسة العسكرية، وسلوك الوحدات في الميدان وحالة المعنويات داخلها. وهي جوانب تفاعلت فيما بينها لتنتج حالة من الانهيار سبق في كثير من جوانبه لحظة القتال وجها لوجه مع القوات البرية الأمريكية.

وبحسب شهادات كبار الأسرى من قادة النظام، مثل وزير الخارجية السابق طارق عزيز، فقد دخلت القيادة العراقية الحرب وهي تحمل تصورا يقوم على 3 فرضيات رئيسية. أولها أن الولايات المتحدة قد لا تشن الحرب أصلا، وأن الضغوط الدولية يمكن أن تحول دون ذلك، لا سيما مواقف فرنسا وروسيا اللتين أكدتا للرئيس صدام أنهما ستمنعان الحرب عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن.

"دخلت القيادة العراقية الحرب وهي تتصور أن الولايات المتحدة قد لا تشن الحرب أصلا، وأن الضغوط الدولية يمكن أن تحول دون ذلك".

وثانيها أن أي عمل عسكري سيبقى ضمن نطاق الضربات الجوية المحدودة، كما حدث في عمليات أمريكية سابقة خلال التسعينيات أو سيشمل احتلال بعض المدن جنوب العراق في أسوأ الأحوال. وثالثها أن الجيش العراقي، حتى إن وقع غزو بري، قادر على الصمود لمدة أشهر على الأقل، وتكبيد القوات الأمريكية خسائر كبيرة مثلما حدث في فيتنام والصومال، بما يسمح بخلق ضغط سياسي يدفع واشنطن إلى القبول بتسوية تبقي نظام صدام في الحكم.

وقد انعكست هذه الافتراضات على طبيعة الاستعدادات العسكرية، فلم ينظر إلى الغزو باعتباره سيناريو حتميا يتطلب استعدادات جادة لعرقلته أو إحباطه. ونتيجة لذلك، تأخر تنفيذ إجراءات دفاعية كان من شأنها تحسين القدرة على المواجهة، مثل تحويل المدن إلى ساحات قتال محصنة أو اعتماد سياسة الأرض المحروقة، لإبطاء تقدم القوات الأمريكية، وهي إجراءات كانت لتصبح مؤثرة وفقا لشهادات أوردها هوسمر لضباط من الجانب الأمريكي.

مركزية القرار وثقافة الخوف

ارتبطت هذه الفرضيات الخاطئة بطبيعة عملية صنع القرار داخل النظام العراقي، والتي اتسمت بدرجة عالية من المركزية، فصدام كان رئيسا للعراق، ورئيسا للوزراء، وقائدا عاما للقوات المسلحة، وقائدا لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة. وقد احتكر سلطة اتخاذ القرار العسكري، وتدخل بشكل مباشر في تفاصيل الخطط والعمليات، متجاوزا الأطر المؤسسية لوزارة الدفاع وهيئة الأركان، حتى أن وزير الدفاع سلطان هاشم لم يكن يملك سلطة مستقلة، وأحال عادة القرارات إلى صدام للموافقة، ما حد من قدرة القادة على تقديم تقييمات مستقلة أو تعديل الخطط وفق تطورات الميدان، وأنتج شللا في القيادة في ظل بطء القرار وانعدام المرونة والافتقاد إلى روح المبادرة.

كذلك يوصف الرئيس صدام بحسب مدير مكتبه السابق حامد حمادي بأنه كان ذا تفاؤل فطري وثقة كبيرة بنفسه، مع إيمان بأن الأمور ستسير قدريا لصالحه، مع ميل للمعلومات والتحليلات التي تدعم ما يأمل أن يحدث، فضلا عن فهم ضعيف للشؤون الدولية والعسكرية بحسب طارق عزيز، وزير الخارجية الأسبق ومستشار صدام الأقرب لعقود.

"صدام كان رئيسا للعراق، ورئيسا للوزراء، وقائدا عاما للقوات المسلحة، وقائدا لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة. وقد احتكر سلطة اتخاذ القرار العسكري، وتدخل بشكل مباشر في تفاصيل الخطط والعمليات".

وفي ظل هذه المركزية والسمات الشخصية، تشكلت بيئة قائمة على الخوف وغياب المصارحة دفعت القادة العسكريين إلى تقديم صورة مضللة عن جاهزية قواتهم. وقد أظهرت الشهادات أن الضباط أكدوا باستمرار أن وحداتهم في حالة استعداد كامل، وأن معداتهم تعمل بكفاءة رغم علمهم بأن الواقع مختلف، وذلك لخوفهم من مصارحة الرئيس بحقيقة الوضع، حتى أن نائب رئيس الوزراء ووزير التصنيع العسكري عبد التواب حويش قال: "لم يكن أي وزير في اجتماع مجلس الوزراء ليعارض موقف الرئيس صدام، لأنه سيكون أمرا لا يغتفر، بل انتحارا". وقد أدى ذلك إلى بناء القرارات وفق معلومات غير صحيحة.

إعلان

وداخل المؤسسة العسكرية سادت "ثقافة الخداع الذاتي" لتصبح جزءا من آليات العمل الداخلي، حيث تبادل الضباط تقارير غير صحيحة حول حالة المعدات والقدرات، خوفا من عقاب قادتهم. وقد قال أحد الضباط الأسرى: "كنا نكذب على صدام.. وكلنا نكذب على بعضنا"، فيما قال قصي صدام المسؤول عن الحرس الجمهوري لوالده في أواخر عام 2002: "نحن أقوى بعشر مرات مما كنا عليه في عام 1991″، وأضعفت تلك الأوضاع القدرة على تكوين صورة واقعية عن الوضع الفعلي للقوات.

مصدر الصورة الرئيس صدام حسين (الثالث من اليسار) يتحدث إلى كبار الضباط في مقر الحرس الجمهوري ببغداد بحضور قائدهم ابنه قصي (يرتدي بدلة رمادية) (الفرنسية)

الأولوية للأمن الداخلي

بالتوازي، لعبت طبيعة الدولة الأمنية دورا مهما في إضعاف القدرة القتالية للجيش. فقد أعطى صدام أولوية قصوى لحماية أمنه الشخصي من التهديدات الداخلية، سواء كانت محاولات اغتيال أو انقلابات عسكرية أو انتفاضات شعبية، ما انعكس على طريقة بناء المؤسسة العسكرية. فقد بُنيت تشكيلات متعددة ذات سلاسل قيادة منفصلة شملت الجيش والحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص، إضافة إلى ميليشيات مثل فدائيي صدام وأجهزة أمنية متعددة.

كان الهدف من هذا التعدد منع تركز القوة في يد جهة واحدة يمكن أن تشكل تهديدا للنظام. ولتعزيز أمنه الشخصي عي ن صدام أفرادا من عائلته وقبيلته في المناصب العسكرية الرئيسية في العراق، ما أضعف كفاءة القيادة العسكرية.

"بنى صدام تشكيلات أمنية متعددة بهدف منع تركز القوة في يد جهة واحدة يمكن أن تشكل تهديدا للنظام".

كذلك فُرضت قيود صارمة على حركة الوحدات، فمُنع القادة العسكريون من نقل قواتهم دون إذن مركزي من القيادة، أو التنسيق مع وحدات مجاورة، كما منُعت وحدات الجيش النظامي أو الحرس الجمهوري من دخول العاصمة، حتى إنه لم يكن يُسمح بنقل أي قطعة من المعدات العسكرية التابعة للحرس الجمهوري حتى لإصلاحها من طرف قائد اللواء أو الفرقة أو الفيلق دون الحصول على إذن كتابي مسبق من قصي صدام حسين عبر أمانة الحرس الجمهوري.

وقد برزت تداعيات تلك القيود في ساحة المعركة، حيث واجهت الوحدات صعوبة في إعادة التموضع أو دعم بعضها البعض في ظل تطورات الميدان السريعة. كما تدخلت القيادة السياسية في تفاصيل ميدانية، ما أدى إلى إصدار أوامر لم تكن منسجمة مع متطلبات المعركة. ومن الأمثلة على ذلك نقل بعض فرق الحرس الجمهوري المدافعة عن جنوب بغداد إلى شمال بغداد بناء على تقديرات خاطئة بأن الهجوم البري الرئيسي سيأتي من جهة الأردن، ما أدى إلى إضعاف خطوط الدفاع، وساهم في تسريع تقدم القوات الأمريكية القادمة من الجنوب نحو العاصمة.

مصدر الصورة قوات الحرس الجمهوري العراقي مجتمعون على مشارف بغداد في 3 أبريل/نيسان 2003 (الفرنسية)

فشل الاستراتيجية الدفاعية

بلغ حجم الجيش العراقي وقت الحرب أكثر من 350 ألف جندي، نظمت ضمن 17 فرقة من الجيش النظامي 3 منها مدرعة و3 ميكانيكية، و6 فرق من الحرس الجمهوري 3 منها مدرعة وواحدة ميكانيكية، مدعومة بأكثر من 2200 دبابة و2400 ناقلة جند مدرعة و4000 قطعة مدفعية.

واعتمدت الاستراتيجية العسكرية العراقية على 3 محاور. أولها نشر قوات الجيش للدفاع عن الخطوط الأمامية، ومنع أي تقدم لقوات التحالف داخل البلاد، وحماية المدن الرئيسية في شمال وجنوب العراق، وقد انتشرت 10 فرق عسكرية في شمال العراق، و6 فرق في الجنوب تمركز أغلبها قرب الحدود الإيرانية، وفرقة ميكانيكية جنوب البصرة للدفاع عنها.

وثانيها نشر فرق الحرس الجمهوري المعززة ببعض وحدات الجيش للدفاع عن مداخل بغداد عبر حلقات دفاعية تبدأ من مسافة 100 كيلومتر خارج العاصمة. وثالثها نشر المليشيات الحزبية للتصدي لأي احتجاجات مناهضة للنظام ومواجهتها في المدن، مع تخصيص قوات الحرس الجمهوري الخاص البالغ عددها 15 ألف جندي لمدينة بغداد. ولم تكن حرب المدن جزءا من العقيدة العسكرية العراقية، فلم تتلق أي من قوات الجيش تدريبات على القتال في المدن.

"اتسمت الاستراتيجية الدفاعية العراقية بسوء التصميم والتنفيذ".

اتسمت الاستراتيجية الدفاعية العراقية بسوء التصميم والتنفيذ. فقد ظلت العديد من وحدات الجيش النظامي متمركزة في مواقعها غير ذات الصلة بالتهديدات الآنية، فبقيت فرق عسكرية في الشمال موجهة نحو المناطق الكردية، في حين تمركزت وحدات أخرى في الجنوب الشرقي بمحاذاة الحدود الإيرانية في ظل النظر لطهران باعتبارها العدو الدائم للعراق، بينما حدث الغزو الفعلي البري من جهة الكويت. أما الدفاع عن بغداد، فقد أنيط بفرق الحرس الجمهوري المنتشرة في مواقع مكشوفة ضمن مقاربة لحماية العاصمة من خارجها، ما جعلها عرضة للتدمير بفعل الضربات الجوية الأمريكية، بدلا من استثمارها في قتال حضري داخل المدينة.

إعلان

وفي المقابل، لم تتخذ إجراءات كان من شأنها إبطاء حركة القوات الأمريكية، مثل زرع الألغام في طرق تقدم القوات الغازية، أو تدمير الجسور وإغراق وديان نهري دجلة والفرات، أو استغلال التضاريس لخلق نقاط اختناق، أو نشر جزء كبير من قوات المشاة والمدرعات العراقية في بغداد والبصرة والمراكز الحضرية الأخرى للقتال في المناطق المبنية.

وفي الجانب الأمني نجح النظام العراقي في تجنب ضربات قطع رأس القيادة، فبحلول أوائل مارس/آذار 2003، انتقل كبار المسؤولين إلى منازل آمنة تابعة للحكومة أو إلى منازل مدنية مستأجرة حديثا، واعتمدوا على إصدار التعليمات المكتوبة ورقيا.

نتيجة لذلك، لم تسفر نحو 50 غارة أمريكية استهدفت مواقع قيادية خلال الغزو عن أي قتلى من الشخصيات المستهدفة. ولكن تلك الإجراءات أضعفت إدراك صدام ومن معه لساحة المعركة وحدت من قدرتهم على قيادة القوات العراقية، حتى أن التواصل مع الرئيس صدام تطلب أحيانا 3 أيام في ظل واقع ميداني سريع التغير.

مصدر الصورة قوات من الحرس الجمهوري العراقي أثناء توجههم إلى الجبهة جنوب بغداد في 6 أبريل/نيسان 2003 (الفرنسية)

تفكك القوات المسلحة

رغم حجم الجيش العراقي الضخم، فإن سلوك الوحدات في الميدان كشف عن غياب للقتال المنظم. فنادرا ما واجهت القوات الأمريكية، خلال تقدمها نحو بغداد، تشكيلات عراقية متماسكة بحجم كتيبة، وكانت معظم الاشتباكات محدودة ومتقطعة. كما أن الوحدات المتوقع أن تبدي مقاومة قوية، مثل الحرس الجمهوري، تعرضت للاستنزاف أو التفكك بفعل القصف الجوي قبل أن تتمكن من خوض القتال.

وقد لعبت الضربات الجوية الدقيقة والعنيفة دورا نفسيا مهما، إذ دفعت الجنود إلى الابتعاد عن المعدات الثقيلة والتخلي عنها خوفا من الاستهداف، ما أدى إلى فقدان الوحدات العسكرية لقدرتها القتالية، ومن ثم تخلى الجنود عن أسلحتهم وعادوا إلى منازلهم ضمن ظاهرة "التسريح الذاتي". وقد ارتبط هذا السلوك بالحالة المعنوية، حيث سادت قناعة بأن مواجهة القوات الأمريكية المتفوقة تكنولوجيا ستكون بلا جدوى، إضافة إلى غياب الدافع للقتال من أجل نظام البعث الحاكم.

"تخلى الجنود العراقيون عن أسلحتهم وعادوا إلى منازلهم، وهو ما عرف بظاهرة التسريح الذاتي، حيث سادت قناعة بأن مواجهة القوات الأمريكية المتفوقة تكنولوجيا ستكون بلا جدوى".

ولذا كان حجم عمليات الاستسلام العراقية الرسمية قليلا ، فمن إجمالي قوة الجيش التي بلغت نحو 350 ألف جندي، لم يُؤسر سوى 7 آلاف جندي (2%) على يد القوات الغازية، وهو رقم ضئيل مقارنة بأكثر من 85 ألف جندي عراقي أُسروا على يد قوات التحالف في حرب عام 1991.

أفضى تفاعل هذه العوامل إلى حالة من الانهيار، حيث تفككت منظومة القيادة والسيطرة، وتآكلت القدرة على التنسيق، وانهارت الإرادة القتالية، وسقطت بغداد في ظل تفكك داخلي سبق وصول القوات الأمريكية إلى العاصمة، وعندما غادر صدام بغداد في 10 أبريل/نيسان، لم تكن هناك أي قوات في المدينة تحت إمرته.

مصدر الصورة جنود الجيش الأمريكي يجمعون الحرس الجمهوري العراقي بعد أسرهم خلال معركة ممر كربلاء الإستراتيجي في اليوم 14 من الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق 2003 (الفرنسية)

الدروس الإيرانية

يشير الدبلوماسي وضابط الاستخبارات البريطاني السابق ألستير كروك إلى أن إيران اعتنت إثر غزو العراق بالإجابة عن سؤال: كيف يمكن لإيران بناء قدرة ردع عسكرية بينما هي لا تمتلك قدرات جوية مماثلة للولايات المتحدة؟ ومن هذا المنطلق، اتجهت القراءة الإيرانية إلى تحليل المسار الذي قاد إلى انهيار الجيش العراقي. وفي هذا الإطار، برزت مركزية القرار في الحالة العراقية بوصفها أحد أبرز عوامل الضعف، إذ أدى احتكار القيادة السياسية لاتخاذ القرار، وتعطيل المبادرة على المستويات الأدنى، إلى شلل في القدرة على الاستجابة للتطورات الميدانية.

دفع ذلك إيران إلى إعادة النظر في بنية القيادة والسيطرة، عبر الاتجاه نحو توزيع الصلاحيات، وتطوير نماذج تنظيمية تسمح للوحدات بالعمل بدرجة من الاستقلالية، بما يضمن استمرار العمليات حتى في حال انقطاع الاتصال بالمركز، وهو ما عُرف منذ عام 2007 باسم عقيدة "الموزاييك" أو "الفسيفساء"، التي تقوم على تقسيم البنية العسكرية إلى قيادات محلية شبه مستقلة، تمتلك كل منها مخزونها الخاص من الذخائر، ومخازن الصواريخ، مع منح قادة هذه الوحدات خطط قتال مفوضة مسبقا في حال تعرض القيادة لضربة مفاجئة.

إعلان

كما كشفت تجربة العراق أن تموضع القوات في تشكيلات كبيرة ومكشوفة يجعلها أهدافا سهلة للاستهداف الجوي، ما أدى إلى تدمير جزء كبير من القدرات العراقية قبل دخولها في اشتباك فعلي. وقد انعكس هذا الدرس في توجه إيراني نحو تقليل قابلية الانكشاف، من خلال توزيع القدرات العسكرية، وإخفاء جزء كبير منها في منشآت محصنة بمدن عسكرية تحت الأرض وفي الجبال، بحيث يصعب تحييدها.

كذلك ركزت إيران على تطوير منظومات صاروخية قادرة على توجيه ضربات بعيدة المدى من منصات محمية في مدن صاروخية تحت الأرض موزعة داخل الجغرافيا الإيرانية، وعبر منصات متحركة مموهة، بما يضمن بقاء القدرة الهجومية حتى في ظل استمرار التفوق الجوي للخصم، إلى جانب انتشار الصواريخ المضادة للسفن على امتداد السواحل، بما يعزز القدرة على التحكم في مضيق هرمز.

كما أظهرت تجربة العراق أن انهيار المعنويات كان عاملا فاعلا في تفكك الجيش، حيث لم يكن لدى الجنود دافع قوي للقتال. وقد استخلصت إيران من ذلك أهمية البعد المعنوي في إدارة الحرب، فعملت على تعزيز الدافعية القتالية المبنية على عناصر عقائدية وأيديولوجية، وربطت بين الدفاع عن الدولة والهوية الدينية والسياسية، بما يعزز استعداد القوات للاستمرار في القتال حتى في ظروف صعبة.

ونظرا لأن النموذج الأمريكي الحديث للحرب يعتمد على تحقيق الحسم السريع من خلال ضربات مركزة تستهدف كبار القادة ومراكز القيادة والسيطرة والبنية التحتية الحيوية، بما يقلل الحاجة إلى خوض حرب طويلة، فقد دفع ذلك إيران إلى تبني تصور مختلف يقوم على إطالة أمد الصراع، بحيث يتحول الزمن إلى عنصر استنزاف للخصم.

وتكشف المقارنة بين انهيار الجيش العراقي عام 2003، والتحول الذي شهدته العقيدة العسكرية الإيرانية بعد تلك التجربة، وطريقة القتال الإيرانية في الحرب الحالية؛ أن الحرب ترتبط بالأساس بمدى قدرة الدولة على فهم طبيعة التهديدات وتشكيل بنيتها العسكرية بما يتناسب مع هذا الفهم، بما يتيح استنزاف الخصم بدلا من مواجهته في نقطة تفوقه، والحفاظ على قدرة المنظومة العسكرية على العمل في أقسى الظروف. وفي هذا الإطار، تصلح تجربة العراق وما أعقبها من تحولات في التفكير الإيراني كمدخل لفهم كيفية تطور العقائد العسكرية بناء على الدروس المستفادة من الحروب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا